قاطرة الكلمة

د. وائل كامل يكتب : أزمة الرواتب: الملف الذي لا يذكر ببيانات الوزارة و المجلس الأعلى للجامعات

دكتور وائل كامل عضو هيئة تدريس بجامعة العاصمة" حلوان سابقًا" .

“خطط التطوير تتحدث.. والأستاذ المنهك يستمع بصمت”

في كل مرة يصدر فيها بيان جديد عن وزارة التعليم العالي والمجلس الأعلى للجامعات، نقرأ عناوين كبيرة وطموحة: تدويل التعليم، الشراكات الدولية، التحول الرقمي، ربط الجامعات بسوق العمل، التوسع في البرامج الحديثة، وإنشاء فروع للجامعات المصرية بالخارج والتوسع في إنشاء جامعات أهلية جديدة. وهي أهداف مهمة تمثل جزءًا أساسيًا من أي مشروع وطني حقيقي لتطوير التعليم العالي.

لكن وسط هذه العناوين، يظل سؤال مهم غائبًا:

من سيقوم بكل هذا؟

من الأستاذ الذي سيحمل مشروع التطوير والبحث العلمي والتدويل، بينما راتبه لا يكفيه حتى منتصف الشهر؟ ومن الباحث الذي سيقود الابتكار وهو يعيش تحت ضغط اقتصادي دائم يدفعه للبحث عن أي مصدر دخل إضافي حتى يستطيع الاستمرار؟

المشكلة لم تعد في المباني أو الاتفاقيات الدولية أو اللوائح الجديدة، بل أصبحت في الإنسان نفسه؛ في الأستاذ الجامعي الذي تحول تدريجيًا من صاحب رسالة علمية إلى موظف مرهق يحاول النجاة اقتصاديًا.

البيانات الرسمية الأخيرة تحدثت عن مشروعات بمئات الملايين، وشراكات مع جامعات أجنبية، وتطوير ، والتوسع في البرامج الخاصة و الدولية، لكنها خلت تمامًا من أي حديث جاد عن تصحيح أوضاع أعضاء هيئة التدريس المالية، أو عن الرواتب التي ما زالت تستند إلى جداول قديمة لازالت تحمل قيم بالقروش و فقدت قيمتها منذ عقود، أو عن معاشات لا تكفي الحد الأدنى من الحياة الكريمة بعد سنوات طويلة من خدمة التعليم والبحث العلمي.

ورغم وجود اعتراف رسمي بأن ملف دخول أعضاء هيئة التدريس يحتاج إلى تحسين، فإن الحلول المطروحة ما زالت تدور حول “زيادة الموارد” و”التوسع في البرامج الخاصة”، دون الاقتراب من أصل الأزمة: ضعف الراتب الأساسي نفسه. وكلها وعود تخلو من عامل زمني محدد ، وتم تجاهل الحديث عن زيادة حافز الجودة للعام الثاني على التوالي هذا الخافز
الذي كان يتم زيادته مع كادر الاطباء والمعلمين سنويا لتعويض تدني الرواتب وانخفاض قيمتها وتثبيت المتغيرات على اساسي عام ٢٠١٥ ،
وهنا ظهرت أزمة أخرى داخل الجامعات. فبدلًا من أن يصبح التنافس بين الأساتذة على البحث العلمي والإنتاج الأكاديمي، تحول تدريجيًا إلى تنافس على مصادر الدخل الإضافي : برامج خاصة، انتدابات، لجان، إشرافات، مناقشات وحدات خاصة . وأصبحت بعض الكليات تعيش حالة من التوتر والصراع الصامت بسبب غياب العدالة في توزيع هذه الفرص والمكافآت.

ومع الوقت، بدأت الفجوة تتسع بين أساتذة البرامج الخاصة القادرين على تحقيق دخل إضافي، وبين أساتذة التعليم المجاني الذين يتحملون العبء الأكبر في تدريس آلاف الطلاب دون عائد عادل. فتحولت الجامعة، بصورة غير مباشرة، من مؤسسة رسالتها الأساسية إنتاج المعرفة، إلى بيئة تحكمها الحسابات المالية أكثر من الاعتبارات الأكاديمية، بل واقتناص الفرص لزيادة الدخل.

الأخطر من ذلك أن هذه الأزمة بدأت تؤثر على مستقبل الجامعة نفسها.
فالطالب المتفوق أو المعيد الشاب لم يعد يرى العمل الأكاديمي حلمًا كما كان في السابق. بل أصبح ينظر إلى مستقبل أستاذه بعد ثلاثين عامًا من التدريس والبحث، فيجد راتبًا ضعيفًا ومعاشًا هزيلًا وضغوطًا لا تنتهي، فيقرر مبكرًا الهروب إلى القطاع الخاص أو السفر للخارج.

وهكذا تخسر الجامعات الحكومية بهدوء أفضل عقولها الشابة، ليس بسبب ضعف الكفاءة، بل بسبب غياب الأمان الاقتصادي والمهني.

المفارقة المؤلمة أننا نتحدث كثيرًا عن “تصدير التعليم المصري”، بينما الواقع يقول إننا نُصدّر العقول نفسها. فالكفاءات الأكاديمية تهاجر إلى الخارج بحثًا عن التقدير والاستقرار الذي لم تعد تجده داخل الوطن.

ولا يمكن لأي دولة أن تبني مشروعًا علميًا حقيقيًا بينما يعيش الأستاذ الجامعي في قلق يومي بسبب الديون والعلاج ومتطلبات المعيشة. فالعلم لا يزدهر في بيئة مضغوطة اقتصاديًا، والبحث العلمي يحتاج إلى عقل مستقر لا إلى عقل منشغل بالنجاة.

الحلول ليست مستحيلة، لكنها تحتاج إلى قرار واضح وشجاع. البداية الحقيقية يجب أن تكون بإصلاح هيكل الأجور، بحيث يصبح الراتب الأساسي هو الجزء الأكبر من دخل الأستاذ، لا مجرد رقم ضعيف تُبنى عليه معاشات ضعيفة. كما يجب إعادة النظر في جدول الرواتب القديم، وإلغاء القيم الرمزية التي لم تعد تليق بمكانة الأستاذ الجامعي.

كذلك أصبح من الضروري وضع نظام عادل وشفاف لتوزيع المكافآت وعوائد البرامج الخاصة، حتى لا تتحول الجامعات إلى بيئات طاردة يسودها الشعور بالتمييز والإحباط. ومن المهم أيضًا تخصيص جزء من عوائد الجامعات الأهلية والبرامج الخاصة والدولية والوافدين وتصدير التعليم لتحسين أوضاع أعضاء هيئة التدريس أنفسهم، لأن أي منظومة تعليمية تبدأ بمن يقوم عليها.

أما استمرار الحديث عن التطوير والتوسع الدولي دون معالجة الأزمة الاقتصادية للأستاذ الجامعي، فهو يشبه بناء واجهة حديثة فوق أساس يتآكل ببطء.

قد تنجح الدولة في افتتاح فروع لجامعاتها بالخارج، وقد تحقق تقدمًا في التصنيفات الدولية، لكن الخطر الحقيقي يظل في الداخل، حيث تتآكل بيئة العمل الأكاديمي تدريجيًا، وتفقد الجامعات قدرتها على جذب أفضل العقول والحفاظ عليها.

وعندها لن يكون السؤال عن ترتيب الجامعات أو عدد الاتفاقيات الدولية، بل سؤالًا أكثر خطورة:

من بقي أصلًا ليُعلّم؟

فالاستثمار الحقيقي في التعليم لا يبدأ بالمباني ولا بالمؤتمرات، بل يبدأ بالإنسان الذي يصنع المعرفة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى