شخصية “الحكواتي” في السينما: هل ورثت الكاميرا دور الراوي الشعبي؟
محمد عز الدين الحجار يكتب:
خلال تتبعي لفنون وأدوات الفرجة الشعبية، وجدتني أمام انعطافة سيميائية بالغة الأهمية، فالصوت الشعبي الذي تتبعنا رنينه ومواويله في الفضاءات المفتوحة والموالد، والجسد الذي فككنا شفرات حركته فوق الخشبة، يلتقيان معًا في جسد واحد ولغة واحدة تختزل تاريخ السرد العربي بأسره؛ شخصية الحكواتي أو الراوي الشعبي، وهنا أسعى إلى رصد ظاهرة الانتقال لهذا الكائن السردي من فضاء “الشفاهة والمواجهة الحية” في المقهى والساحة، إلى فضاء “الصورة والوسيط البصري الحديث” في السينما العربية، بغرض تفكيك الفرضية الأنثروبولوجية التي ترى في الكاميرا والعدسة السينمائية الوريث الشرعي والتقني المعاصر لجلسته التراثية القديمة، لأننا حين نستحضر صورة الحكواتي التقليدي في الفضاء العام القديم، لا نتعامل مع مجرد سارد للحكايات، بل مع “مخرج شفاهي” يمتلك سلطة مطلقة على فضاء العرض وجغرافية المكان وعقول المستمعين، فقد كان الحكواتي يجلس على منصته المرتفعة (التبة أو الدكة) معتمدًا على ذاكرته الحية، ومستعينًا بآلة الربابة أو نبرات صوته المشروخة لضبط إيقاع التلقي، محركًا أجساد الحاضرين وخيالهم الجمعي بحركة من يده أو بنظرة من عينيه، وهذا الفضاء الحركي والصوتي كان يقوم بنيويًا على طقس “المشاركة الحية” والتواطؤ المعرفي اللحظي بين الراوي والمتلقي، حيث يمكن للمستمعين التدخل في مسار الحكاية، والاعتراض على مصير البطل أو تحريض الراوي على نصرة الخير، مما يجعل النص الشعبي نصًا مفتوحًا ومتجددًا باستمرار ومقاومًا للجمود والثبات.
ومع ظهور السينما كواحدة من أبرز أدوات الحداثة البصرية في العالم العربي، حدثت هجرة كبرى للرموز والبنى السردية الشعبية نحو الشاشة الفضية، وهنا واجه المخرجون العرب سؤالًا تأسيسياً حول كيفية التعامل مع هذه الشخصية المحورية. في القراءات السينمائية الأولى، استُدعي الحكواتي بشكل مباشر داخل الكادر كـ “عتبة درامية” أو رابط بين المشاهد، حيث نرى الراوي يجلس في المقهى ليروي حكاية بطل الفيلم (كما في أفلام السير الشعبية والملحمية كـ”شفيقة ومتولي” أو “حسن ونعيمة”) وفي هذه المرحلة، كانت الكاميرا تكتفي بـ”توثيق” دور الحكواتي، مستغلة كاريزمته التراثية وسلطته السمعية لتمرير القصة المعاصرة وإضفاء مشروعية شعبية وثقافية على الوسيط التكنولوجي الوافد من الغرب، ومغازلة الوعي الجمعي للمتفرجين الذين اعتادوا تلقي القصص عبر الأذن قبل العين، بيد أن التطور البنيوي للغة السينمائية سرعان ما تجاوز هذا النقل الحرفي والتوثيقي، لتدخل السينما في مرحلة أعمق من “التناص السيميائي” مع دور الراوي؛ إذ بدأت الكاميرا ذاتها تمارس وظيفة الحكواتي الشفاهي لكن بأدوات بصرية وخلفيات سينوغرافية متطورة، فلقد ورثت عين الكاميرا (العدسة) تلك “السلطة العليمة” التي كان يمتلكها الراوي التراثي؛ المخرج عبر زوايا التصوير، وحجم اللقطات، وحركة الكاميرا، وتقنيات المونتاج، بات هو من يحدد للمتفرج ماذا يرى، ومتى يرى، وكيف يشعر تجاه الشخصيات، تمامًا كما كان الحكواتي يفعل برفع صوته أو خفضه أو الصمت المفاجئ لخلق التشويق، زاوية الكاميرا العليا أو السفلية غدت بديلًا بصريًا لنبرة التضخيم أو التقزيم الشفاهية، والمونتاج المتوازي أصبح البديل التقني للانتقال السردي الحكواتي بين مسارات السيرة المتعددة.
عودًا على بدء؛ إن هذا التحول من الشفاهة الحية إلى البصر المسجل يطرح معضلة أنثروبولوجية وسوسيولوجية حادة تتعلق بطبيعة الفضاء والتلقي، فالحكواتي القديم كان ينتج المعنى بالاشتراك مع جمهور حي يستمع، ويتفاعل، ويغير مسار السرد، بينما تقدم السينما نصًا مغلقًا ثابتًا، ومصنوعًا سلفًا في غرف المونتاج المظلمة، أما المتفرج فأصبح أمام الشاشة الفضيةلا أكثر من مستهلك مستقبِل للصورة، وفقد تلك القدرة الطقسية على التدخل في مصير البطل المعروض أمامه، وهذا التحول ينقل السرد الشعبي من فضاء “الجمهرة الطقسية والديمقراطية الشفاهية العفوية” إلى فضاء “الفرجة المنعزلة والاستهلاك الثقافي المنظم”، مما يجعل الكاميرا وريثًا يمتلك أدوات بصرية جبارة لمد آفاق المخيلة البصرية، لكنه وريث ينزع من الطقس الشعبي أثمن ما يملك وهو حيوية اللقاء الإنساني المباشر.، وهذا التفكيك لشخصية الحكواتي في السينما العربية يكشف لنا بوضوح أن التكنولوجيات الحديثة لا تلغي التراث بل تعيد صياغته وهيكلته داخل قوالبها الخاصة، فالسينما العربية في أرقى تجاربها لم تكن سوى محاولة واعية لاستيلاد نموذج بصري للموروث الشفاهي، وتحويل الذاكرة السمعية للجماعة إلى لوحات بصرية متحركة تحتفظ بروح الهوية ومقاومتها الثقافية، وبفهمنا لكيفية هجرة الراوي من المقهى القديم إلى العدسة الحديثة، نكون قد وضعنا أيدينا على آليات التحول البصري للشخصية الشعبية، بإضافاته وقصوره، وخصوصيته المغايرة، متكئين على وعي إنثروبولوجي وسيميولوجي، يمكّننا من استيعاب التطور، والتمسك بالموروث، كلًّا في محله.

,





