د.عبير بسيوني تكتب: ثورة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي للغة العربية بدمج نظريات العروض الرياضية بنظرية الصفر اللغوى
الدكتورة عبير بسيوني&وزير مفوض بوزارة الخارجية
الشعر دائما هو مرآة الحضارة وسجل الابداع، وفي اللغة العربية هو ديوان العرب وحافظ اللسان وهو المختبر اللغوي الأول فمنه استقى منه سيبويه والفراء وابن مالك قواعدهم النحوية. ومنه استنبط أفصح العرب (الخليل بن أحمد الفراهيدي) أوزان الشعر، فكان علم العروض مرآة للموسيقى الكامنة في العربية. فهو الوعاء الحضاري الأهم باللغة العربية، والتجسيد الأعلى لعبقرية هذه اللغة. لدرجة أن كثيرًا من العلماء رأوا أن اللغة العربية لولا الشعر ما وصلتنا بهذه الصورة المتكاملة، فقد حافظ على اللغة العربية من الضياع لأكثر من 1500 عام، وأثبت أنها لغة قادرة على أن تكون علمًا وحكمةً وشعرًا وحياةً. فمن لا يملك شعرًا، يظل صوته صدىً بلا جسد. وهو قوة ناعمة للبشر في عصر الذكاء الاصطناعي، فلا يزال الشعر هو “معجزة الإنسان” التي لا يستطيع الحاسوب محاكاتها بكل تعقيداتها العاطفية واللغوية
ومن اجل تبسيط تعليم اللغة وفهم الأشعار ظهرت نظريات رياضية-رقمية لمعالجة اوزانه، أهمها كتاب المدخل الرياضي إلى العروض للعلامة د. احمد مستجير (عالم الوراثة الفذ والشاعر والأديب) الصادر عام 1995 والذي يعالج العروض للفراهيدي بأدوات رياضية وإحصائية ونماذج نمطية لتمثيل التفعيلات والإيقاع وتحليل القافية، فيقدّم أدوات كمية لتوصيف البحور. تماما كما ظهرت نظرية الصفر اللغوي للدكتورة ثناء البياتي عام 1983 والتى تفترض وجود مرحلة ذهنية «صفرية» بين الفكرة والصياغة اللغوية تُشكّل بنيات أولية للمعنى قبل اللفظ؛ تركّز على البنية الدلالية والوظيفية للنص.
وكما هو واضح يوجد توافق جوهري بين منهج “نظرية الصفر اللغوي” في علم اللغة العربية ومنهج “المدخل الرياضي إلى عروض الشعر العربي”، حيث يتشاركان في فكرة اختزال البنى المعقدة إلى عناصر ثنائية أو صفرية تنطلق من فكرة الـ “سبب” أو “الوتد” المفترض في النظريات الرياضية للعروض، أي كلاهما يتطلب صياغة وحدات وسيطة قابلة للقياس، حيث يُعتبر “الصفر” عنصرًا فاعلاً في البنية رغم عدم نطقه. فالصفر هو العنصر الصامت الفاصل بين الموجب والسالب في تكوين الجملة وكذلك المدخل الرياضي للعروض يبنى على التناوب بين المتحرك والساكن (وهي ثنائية أساسية)، وأحيانًا على إسقاط أو إضافة حركات افتراضية لتصحيح الإيقاع، وهو ما يشبه تعويض “صفر” لغوي. كما ان المنهجان يتعاملان مع اللغة كنظام اشتقاقي. نظرية الصفر تفسر تحول البنى السطحية عن العميقة بوجود أصفار، بينما الرياضيات العروضية تفسر تحول الوزن إلى إيقاع بقواعد رياضية تشمل الحذف أو الإتباع، بغرض التمكن من بناء نموذج مجرد (رياضي أو لساني) لتفسير كم هائل من البيانات الظاهرية بقواعد محدودة، مما يحقق الكفاءة التفسيرية للظواهر اللغوية والأدبية.
ويمكن دمج منهج نظرية الصفر اللغوي مع المدخل الرياضي إلى عروض الشعر العربي لتبسيط تعليم اللغة العربية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في توليد اللغة والشعر وفق قواعد واضحة ومضبوطة. فنظرية الصفر اللغوي توفر إطارًا دلاليًا لبناء المعنى قبل الصياغة اللفظية، بينما المدخل الرياضي يوفر أدوات قياس ونمذجة للإيقاع والبنية الصوتية. هذا الدمج يمثل أفقًا بحثيًا واعدًا لتطوير تعليم اللغة العربية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي. لكن النجاح في هذا المسار يتطلب تخطيطًا دقيقًا يدرك حدود كل منهج ونقاط قوته.
فمن ناحية، يمكن ان تندمج النظريتين بالتكامل النوعي والكمي من خلال:1-تحديد الوحدة الصفرية في النص الشعري (مقاطع دلالية قصيرة أو صور) وتحويلها إلى متغيرات وصفية قابلة للقياس(طول، تكرار، موقع). 2- مطابقة المتغيرات مع تفعيلات بالترميز لكل تفعيلة. 3-تحليل إحصائي/خوارزمي بتطبيقات تعليمية لاختبار فرضيات عن علاقة الدلالة بالإيقاع.4- تفسير نوعي بإعادة النتائج الرقمية إلى قراءة بلاغية وفق مبادئ نظرية الصفر.
ودمجهما يفيد تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتوليد اللغة، ويجعل من الممكن تطوير انظمة للذكاء الاصطناعي بتطبيقات لتدريب نماذج توليد لغوي وشعري تأخذ قيودًا دلالية (وحدات صفرية) وقيودًا عروضية (قوالب تفعيلات) معًا لضمان اتساق المعنى والإيقاع، ونماذج تصحيح لغووي وعروضي دلالي. وبالتالي الاستفادة من دمج النظريتين في تطبيقات تعليمية محددة وتقديم دروس تفاعلية تربط بين معنى جملة قصيرة وشكلها العروضي مع تمارين سمعية وبصرية. وهذا الدمج يسمح بتصميم مناهج تعليمية تعتمد على التمثيل الرقمي للقواعد النحوية والعروضية بدلاً من حفظ القواعد والتفاعيل جملةً وتفصيلاً، ويمكن تقديمها كأنظمة قابلة للاشتقاق كإنشاء تمثيل بياني يربط بين البنية النحوية والبنية الإيقاعية للجملة/البيت. كما يمكن وضع خرائط مفاهيمية عروضية تبين كيف تغيّر تفعيلة واحدة دلالة الصورة الشعرية. فضلا عن وضع أدوات تقييم تلقائي تصحّح أخطاء النحو والإيقاع مع شرح مبني على «وحدات صفرية» لتوضيح سبب الخطأ.
وبذلك يمثل الدمج بين منهج نظرية الصفر اللغوي ومنهج المدخل الرياضي إلى عروض الشعر العربي ثورة في البحث العلمي بما يفتحه من أفق جديد لتكامل العلوم اللغوية والرياضية والحاسوبية. وثورة في التعليم بتبسيط القواعد النحوية والعروضية من خلال تمثيلات رقمية موحدة. وثورة في الذكاء الاصطناعي حيث يرسم خارطة طريق لتجاوز القيود الحالية في توليد الشعر العربي، عبر نموذج هجين يجمع بين القواعد الصورية والتعلم العميق. لكن النجاح يتطلب جهدًا متعدد التخصصات يضم لغويين، عروضيين، مهندسي برمجيات، وباحثي ذكاء اصطناعي، مع تطوير النماذج الناجحة القابلة لذلك مثل Fanar-2-Diwan (نموذج متخصص طوره في توليد الشعر العربي الكلاسيكي بمعهد قطر لبحوث الحوسبة، تم تدريبه على 118 ألف قصيدة مع بيانات وصفية كاملة (البحر، القافية، الموضوع، العصر، الشاعر). يحقق أعلى درجة طلاقة (6.88/10) بين جميع النماذج المُقيَّمة). وAraGPT2 كنموذج لغوي مدرب مسبقًا للغة العربية، يمكن ضبطه بدقة لتوليد الشعر. وByT5 المعدل وهو نموذج قائم على البايتات لمواءمة النص مع الإيقاع.
وبالطبع هناك خطر حدوث تبسيط للمعنى عند تحويل الدلالة إلى أرقام؛ وممكن معالجته بتضمين تفسير نوعي ووسم بشري أولي، مما يلزم معه بيانات موسعة للتدريب مع تدرج في التطبييق بالتركيز على التطبيقات التعليمية المساعدة ثم الانتقال إلى أنظمة توليد متقدمة. كما يبقى التحدي الحقيقي، هو محدودية قدرات الذكاء الاصطناعي في الشعر العربي، فتشير الدراسات الحديثة إلى أن الذكاء الاصطناعي العام (مثل GPT-4o) لا يزال ضعيف الإمكانات في إنتاج الشعر العربي الموزون المقفى، وأنه غير قادر على إنتاج نص شعري منضبط عروضيًا باللغة العربية. وقد لوحظ أن النصوص المُنتجة تخلط بين الجملة الفعلية والاسمية بشكل لا يتوافق مع الإيقاع الشعري.





