قاطرة الثقافةقاطرة الكلمة

بريهان أحمد تكتب:«ميت مطلوب للشهادة» للطبيبة الشرعية سمر عبدالعظيم.. عندما يروي الضحايا حكاياتهم الأخيرة

قبل ثلاث سنوات، وبينما كنت أعمل على مجموعتي القصصية «عاجل.. اقرأ الحادثة»، وجدت نفسي أغوص في عالم الجرائم والتحقيقات والطب الشرعي أكثر مما توقعت. لم يكن الأمر بحثًا من أجل الكتابة فحسب، بل رحلة طويلة داخل ملفات الموت، ومحاضر التحقيق، والوقائع الإنسانية التي تكشف الوجه الأكثر تعقيدًا للنفس البشرية.

ومع انتهاء التجربة، خرجت منها مثقلة بالأسئلة والإرهاق النفني، بعدما عايشت لساعات طويلة تفاصيل الفقد والعنف والعدالة.لهذا، عندما بدأت قراءة كتاب «ميت مطلوب للشهادة» للطبيبة الشرعية سمر عبدالعظيم، شعرت أنني أعود إلى العالم ذاته، ولكن من زاوية مختلفة؛ ليس بعين الكاتب الذي يبحث عن الحكاية، وإنما بعين الطبيب الشرعي الذي يبحث عن الحقيقة.

يقدم الكتاب مدخلًا مبسطًا إلى عالم الطب الشرعي، موضحًا كيف يتحول الجثمان إلى شاهد صامت، وكيف تصبح كل إصابة أو أثر أو بصمة رسالة تحمل مفتاحًا لكشف ما حدث بالفعل.

فالطبيب الشرعي لا يقرأ الموت، بل يقرأ الحياة الأخيرة التي عاشها الضحية، ويعيد بناء تفاصيلها اعتمادًا على الأدلة العلمية والقرائن الدقيقة.ويتميز الكتاب بأسلوب سردي غير تقليدي، إذ يمنح الضحية حق رواية حكايته بنفسه، بينما تتولى الطبيبة الشرعية إعادة تركيب الحقيقة من خلال نتائج التشريح والأدلة الجنائية.

هذا المزج بين السرد الأدبي والدقة العلمية يجعل القارئ يعيش التجربة وكأنه داخل مسرح الجريمة، دون مبالغة أو افتعال.ومن أبرز الأسئلة التي يطرحها الكتاب: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يحل محل الطبيب الشرعي؟بعد الانتهاء من القراءة، تبدو الإجابة واضحة: لا. فالذكاء الاصطناعي قد يساعد في التحليل وجمع البيانات، لكنه لا يستطيع أن يحل محل الخبرة الإنسانية، والحدس العلمي، والقدرة على قراءة ما بين السطور وما وراء الأرقام.

فالطب الشرعي ليس مجرد تقنيات، بل علم ورسالة وعدالة.كما نجحت الكاتبة في تقديم موضوع شديد التعقيد بلغة بسيطة وسلسة، تجعل القارئ غير المتخصص قريبًا من هذا العالم، دون أن يشعر بثقل المصطلحات أو جفاف المعلومات. وهو ما يمنح الكتاب قيمة معرفية وإنسانية في آن واحد.

ولا يتوقف الكتاب عند حدود التشريح أو التحقيق، بل يسلط الضوء على التكامل بين الطبيب الشرعي وخبير الأدلة الجنائية، ودور التكنولوجيا الحديثة مثل تحليل الحمض النووي والبصمات والفحوص البيولوجية في كشف الحقيقة، مع التأكيد أن قيمة هذه الأدوات تظل مرتبطة بالعقل البشري القادر على تفسير نتائجها ووضعها في سياقها الصحيح.

في النهاية، لا يخرج القارئ من «ميت مطلوب للشهادة» وهو يعرف المزيد عن الطب الشرعي فقط، بل يخرج بإيمان أعمق بأن الحقيقة قد تختبئ في تفصيلة صغيرة؛ قطرة دم، أو بصمة، أو شعرة، لكنها تظل قادرة على أن تقود العدالة إلى طريقها الصحيح مهما طال الزمن.

إنه كتاب يجمع بين المعرفة العلمية والسرد الإنساني، ويمنح القارئ فرصة لاكتشاف عالم يعمل بصمت، لكنه يؤدي أحد أكثر الأدوار أهمية في حماية العدالة وإنصاف الضحايا.

https://www.facebook.com/share/1AfNSEzW2X/⁠

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى