قاطرة الثقافةقاطرة الكلمة

بريهان أحمد تكتب:«ميت مطلوب للشهادة» للطبيبة الشرعية سمر عبدالعظيم.. عندما يروي الضحايا حكاياتهم الأخيرة

ميت مطلوب للشهادة للطبيبة الشرعية سمر عبدالعظيم عندما يروي الضحايا حكاياتهم الأخيرة

قبل ثلاث سنوات، وبينما كنت منشغلة بكتابة مجموعتي القصصية “عاجل.. اقرأ الحادثة”، وجدت نفسي أغوص في عالم لم أكن أتخيل يومًا أن أتورط في تفاصيله إلى هذا الحد. لم تكن الكتابة مجرد عملية إبداعية عابرة، بل رحلة شاقة داخل ملفات الجرائم والتحقيقات ومحاضر الوقائع والملابسات الإنسانية المعقدة التي تحيط بالموت والعنف. كنت أقرأ كثيرًا، وأبحث أكثر، وأمعن النظر في تفاصيل جرائم بعضها هزّ الرأي العام، وبعضها الآخر أُغلق ضد مجهول أو حُفظت أوراقه قبل أن تنكشف كل أسراره.


ومع مرور الوقت، لم يعد الأمر مجرد بحث من أجل الكتابة، بل تحول إلى مواجهة يومية مع الجانب الأكثر ظلمة في النفس البشرية. تتبعت خيوط الجرائم، وتأملت دوافع مرتكبيها، وطرقت أبواب الغرائبيات والأسئلة التي تطرحها الحياة والموت معًا. وكلما تعمقت في هذا العالم، ازددت يقينًا بأن وراء كل حادثة حكاية إنسانية معقدة تتجاوز ما ترويه العناوين العريضة في الصحف أو ما تسجله أوراق التحقيق.


وحين انتهيت من كتابة المجموعة، اكتشفت أنني لم أخرج من التجربة كما دخلتها. فقد تركت في نفسي أثرًا عميقًا وإجهادًا نفسيًا شديدًا، نتيجة التعايش الطويل مع تفاصيل الموت والقتل والفقد والأسئلة المعلقة التي لا تجد دائمًا إجاباتها. احتجت وقتًا طويلًا لأستعيد توازني، وأنأى بنفسي عن ذلك العالم الذي استهلك قدرًا كبيرًا من مشاعري وطاقتي.


لذلك، حين وقع اختياري مجددًا على كتاب “ميت مطلوب للشهادة” للطبيبة الشرعية سمر عبدالعظيم، أدركت أنني أعود مرة أخرى إلى المنطقة ذاتها، ولكن من بوابة مختلفة. فهذه المرة لم أعد أبحث عن الجريمة من منظور الكاتب الذي يصوغ الحكاية، بل من منظور العلم الذي يحاول إعادة بناء الحقيقة. عدت إلى ذلك العالم الذي تتجاور فيه المأساة الإنسانية مع الدقة العلمية، حيث يتحول الصمت إلى شهادة، والجثمان إلى وثيقة، والأثر الصغير إلى مفتاح يكشف ما عجز الأحياء عن قوله.


ومن هنا بدأت رحلتي مع هذا الكتاب؛ رحلة أعادت إلى ذاكرتي الكثير مما قرأته وبحثت عنه سابقًا، لكنها قدمته هذه المرة بعين الطبيب الشرعي الذي لا ينشغل بالسرد بقدر انشغاله بالحقيقة، ولا يبحث عن الإثارة بقدر ما يبحث عن العدالة. لذلك لم تكن قراءة هذا الكتاب مجرد تجربة معرفية بالنسبة لي، بل كانت عودة واعية إلى عالم عرفته من قبل، وخرجت منه يومًا مثقلة بالأسئلة، لأعود إليه الآن بحثًا عن إجابات جديدة.


يتناول كتاب “ميت مطلوب للشهادة” في مقدمته تاريخًا مبسطًا للطب الشرعي، ودوره المحوري، وأهمية الطبيب الشرعي في البحث عن حق المجني عليه. فمنذ اللحظة التي يُعثر فيها على جثمان، تبدأ سلسلة متصلة من الأدوار والإجراءات للكشف عما وراء الحدث، وفتح أبواب الغموض أمام صوتٍ صمت إلى الأبد بخروج الروح من جسد انتهكت حرمته في ظروف غامضة.

قد يكون الموت بفعل فاعل، أو نتيجة انتحار في لحظة ضعف إنساني تسحق فيها الشروخ الروحية صاحبها، أو غرقًا في ظلمات البحر، أو شنقًا بحبل التف حول العنق. تتعدد أسباب الوفاة وتختلف طرائقها، لكن تبقى اللغة الأهم هي لغة ما بعد الموت، تلك اللغة التي يقرأها الطبيب الشرعي من خلال القرائن التي يضعها القدر بين يديه.

وأولى تلك القرائن هي الجثة الهامدة نفسها؛ فما إن يبدأ الطبيب الشرعي عمله حتى تتحول الإصابات والخدوش وآثار العنف إلى شفرات تنتظر من يفك رموزها. جرح صغير، كدمة عابرة، أثر مقاومة تحت الأظافر، أو بقايا خدوش تركها المجني عليه في جسد قاتله، جميعها تفاصيل قد تبدو هامشية للآخرين، لكنها بالنسبة للطبيب الشرعي رسائل واضحة تقوده إلى الحقيقة “لا توجد إصابة غير مفيدة للطبيب الشرعي، ولكل علامة على الجثمان رسالة… القاتل الغاضب لا يبذل الكثير من الجهد ليستر جريمته؛ فهو في غالب الأمر لا يرى سوى ضحيته، يصب حولها حنقه”.


هنا يتجلى الهدف الحقيقي للكتاب، الذي يُروى على ألسنة الضحايا أنفسهم، أولئك الذين انتهت رحلتهم فوق طاولة التشريح. ولا يمكن تصنيف هذا العمل ضمن القصة القصيرة، كما يصعب اعتباره رواية بالمعنى التقليدي؛ فهو يبتعد عن القوالب السردية المعروفة لكلا الجنسين الأدبيين، ويقدم صيغة خاصة به، تقوم على توحيد صوت الراوي في شخصية المجني عليه، الذي يروي ما تعرض له من ألوان العنف والتعذيب قبل وفاته.


تأتي كل جريمة في قالب قصصي مستقل، بينما تتولى الطبيبة الشرعية سمر عبدالعظيم مهمة إعادة بناء الحكاية من خلال الجثمان والقرائن التي جمعها خبير الأدلة الجنائية داخل مسرح الجريمة. ومن خلال هذا البناء السردي يطرح الكتاب سؤالًا مهمًا:هل يستطيع الذكاء الاصطناعي، مع هذا التقدم المتسارع، أن يحل محل الطبيب الشرعي؟
كانت إجابتي واضحة فور الانتهاء من القراءة: لا.


فمهما بلغ الذكاء الاصطناعي من تطور، فإنه لا يستطيع أن يضطلع بدور الطبيب الشرعي كاملًا؛ لأن الجثمان لا يمنح أسراره إلا لمن يجيد قراءة الصمت. هناك أشياء تتجاوز البيانات والأرقام والخوارزميات، أشياء تتعلق بالفهم الإنساني والحدس والخبرة التراكمية التي تشكلت عبر قرون طويلة. فالطب الشرعي ليس مجرد علم، بل رسالة إنسانية تقف على منصة العدالة دفاعًا عن حق الضحية، وتواجه من اعتدوا على الحياة الإنسانية بكل صورها.


ويُحسب للكتاب أنه يقدم هذا العالم المعقد بلغة مبسطة لا تنفر القارئ غير المتخصص، بل تدعوه إلى الاقتراب والفهم. فلا يشعر القارئ بالغربة أمام المصطلحات العلمية، بل يجد نفسه داخل رحلة إنسانية ممتعة وسلسة تصل إلى مختلف مستويات القراء.


كما أن اختيار صوت الراوي ــ الضحية ــ أضفى على النص قدرًا كبيرًا من العذوبة والإنسانية، وجعل القارئ أكثر قربًا من معاناة المجني عليهم، وأكثر إدراكًا لقيمة الدور الذي يؤديه الطبيب الشرعي في إعادة أصواتهم إلى الحياة، ولو بعد الموت.


«الذكاء ليس كله من الممكن اصطناعه، وبعض الذكاءات لا تتوارث ولا تُدرَّس، ولكن تُعاش، ولا تنمو إلا حين تُروى.
هناك الكثير في هذا العلم الذي وُلد من رحم الحاجة إلى تقديس الموت وإعزاز الإنسان حيًا أو ميتًا. فالطب الشرعي يتعامل مع أسباب الوفاة، وأنواع الجروح، ومسببات الاختناق، والظواهر الطبيعية، والتسمم، كما يتعامل مع أدلة مسرح الجريمة من سوائل وأنسجة ودماء، بالإضافة إلى الاستعراف عبر الأسنان والحمض النووي وشكل العظام، وقضايا المسؤولية الطبية وهتك العرض وغيرها من الملفات المعقدة.وما يجمع كل ذلك في بوتقة واحدة هو السعي الدائم وراء الحقيقة”.


وفي النهاية، لا يخرج القارئ من كتاب «ميت مطلوب للشهادة» وهو يحمل معرفة جديدة عن الطب الشرعي فحسب، بل يخرج أيضًا بإدراك أعمق لقيمة الحقيقة نفسها، تلك الحقيقة التي قد تختبئ في قطرة دم جافة، أو شعرة سقطت سهوًا، أو بصمة أصبع ظن صاحبها أنها اندثرت إلى الأبد. فالعدالة الحديثة لم تعد تعتمد على الاعترافات وحدها أو على الشهادات البشرية التي قد يعتريها النسيان أو الخوف أو التضليل، بل أصبحت الأدلة الجنائية والعلوم الشرعية شريكًا أساسيًا في كشف الوقائع وإعادة بناء الأحداث كما جرت على أرض الواقع.


إن مسرح الجريمة ليس مجرد مكان شهد حادثة ما، بل هو سجل صامت يحتفظ بتفاصيل دقيقة عن كل حركة حدثت داخله. الجدران والأرضيات والأدوات والملابس وآثار الأقدام والبصمات والسوائل البيولوجية، جميعها تتحول إلى شهود لا يكذبون إذا ما وُجدت العيون القادرة على قراءتهم. ومن هنا تأتي أهمية خبير الأدلة الجنائية الذي يعمل جنبًا إلى جنب مع الطبيب الشرعي؛ فالأول يجمع خيوط الحكاية من المكان، بينما يعيد الثاني قراءة ما دوّنته الجريمة على جسد الضحية.

وبين المكان والجثمان تتشكل الصورة الكاملة للحقيقة.
لقد أسهم التقدم العلمي الهائل في تطوير وسائل البحث الجنائي، فأصبحت تقنيات الحمض النووي، وتحليل البصمات، والفحوص الكيميائية والبيولوجية، قادرة على كشف تفاصيل كانت مستحيلة قبل عقود قليلة. ومع ذلك، فإن قيمة هذه الأدوات لا تكمن في التقنية وحدها، بل في العقل البشري القادر على توظيفها وربط نتائجها بالسياق العام للجريمة.

فالأدلة لا تتحدث من تلقاء نفسها، وإنما تحتاج إلى من يفهم لغتها ويضعها في موضعها الصحيح داخل المشهد الكامل. واللافت أن الطب الشرعي، رغم ارتباطه بالموت، يُعد من أكثر العلوم التصاقًا بالحياة والإنسانية. فهو لا يبحث في الأجساد من أجل الأجساد، بل من أجل الأحياء الذين ينتظرون الحقيقة، ومن أجل أسر تبحث عن إجابة، ومن أجل مجتمع يسعى إلى تحقيق العدالة ومنع الجناة من الإفلات من العقاب. لذلك فإن الطبيب الشرعي لا يقف أمام جثمان بارد فحسب، بل يقف أمام قصة إنسانية انقطعت فجأة، ويحاول أن يعيد ترتيب فصولها الأخيرة بدقة وأمانة.


ومن هنا تنبع أهمية الأعمال التي تقدم هذا العالم للقارئ بلغة مبسطة وقريبة من الوجدان، لأنها تفتح نافذة على علم يجمع بين الدقة العلمية والبعد الإنساني. ويُحسب لكتاب «ميت مطلوب للشهادة» أنه نجح في تحويل الجثمان من مجرد موضوع للفحص إلى راوٍ للحقيقة، وجعل من الأدلة الجنائية شخصيات خفية تتحرك بين السطور لتقود القارئ نحو اكتشاف ما حدث بالفعل.


فالعدالة لا تبدأ في قاعة المحكمة، بل تبدأ من أثر صغير لم ينتبه إليه أحد، ومن عين خبيرة رفضت أن تتجاهل تفصيلة بدت للآخرين عابرة. وبين الطب الشرعي والأدلة الجنائية تنشأ شراكة فريدة هدفها الأسمى أن يصل صوت الضحية إلى من لم يعد قادرًا على الكلام، وأن تبقى الحقيقة، مهما طال الزمن، قادرة على العثور على طريقها إلى النور.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى