قاطرة الثقافة

«الغدر».. سيناريو للكاتبة أمل نجيب

كانت تعتقد أن أصعب ما قد يواجهه الإنسان هو الفقد، حتى اكتشفت أن هناك شيئًا أشد قسوة.. أن يمنحك أحدهم الأمان ثم يكون هو أول من يسلبه منك.. بدأت الحكاية برسالة عابرة على إحدى منصات التواصل الاجتماعي، كانت فتاة جميلة تجلس تتصفح الأخبار، حين ظهرت أمامها رسالة: “مساء الخير”.

أجابته: “مساء الخير”، لكنه فوجئ بأنها خرجت سريعًا من المحادثة، تكرر الأمر أكثر من مرة، حتى نشر يومًا منشورًا على حسابه، فكتبت تعليقًا عليه، ليجيبها بسخرية أثارت غضبها، لم تستطع أن تنسى طريقته في الرد، وظلت تفكر: كيف تجرأ على السخرية مني بهذا الشكل؟ لكن القدر كان يخبئ بداية مختلفة للحكاية.

في أحد الأيام تعرض الشاب لحادث، ونشر خبرًا عن ذلك، فما إن رأته حتى سارعت بالكتابة دون تفكير: “ممكن أطمن عليك؟” كانت تلك الرسالة البسيطة هي أول خطوة في طريق لم تكن تعرف نهايته.

بدأ الحديث بينهما بالمزاح، أخبرها الشاب ضاحكًا: “لو كنت أعرف أن الحادث سيجعلك تحدثينني، لكنت ألقيت بنفسي من الشرفة.”

ضحكت وقالت: “يا ساتر! بعد الشر عنك.”

رد عليها: “شكرًا لكِ، لقد أسعدتِ يومي.”

قالت له: “لا تقل ذلك، نحن مجرد أصدقاء وأخوة.”

فأجاب: “وهذا شرف لي أن تكون لدي أخت مثلك.”

ضحكا معًا من القلب، ومنذ ذلك اليوم بدأت المسافات تقل بينهما.

مرت الأيام، وأصبح كل منهما ينتظر حديث الآخر، اقترح عليها لعبة الأسئلة، قائلًا إنها ستجعلهما يعرفان بعضهما أكثر، وافقت، وبدأت الأسئلة تتحول إلى حكايات، والحكايات إلى أسرار، حتى جاء اليوم الذي فتح فيه قلبه لها.

قال لها: “أريد أن أخبرك بشيء لا أريد أن أقع فيه مرة أخرى. كان هناك شخص في حياتي عشت معه أجمل أيامي. كانت تخاف عليّ من الهواء، ووهبت نفسي لها. ثم اختفت فجأة، وحظرتني من كل مكان. بحثت عنها كثيرًا، حتى وجدتها مع شخص آخر. شعرت وقتها أن كل الأبواب أُغلقت في وجهي.”

سألته بحزن: “ولماذا تخبرني بهذا الآن؟ هل اشتقت إليها؟”

قال: “لا، أخبرك حتى لا تكسري قلبي كما فعلت هي. جرحك سيكون أقوى بمليون مرة.”

نظرت إليه بحب وقالت: “أعدك أمام الله أنني سأحبك حتى آخر يوم في عمري، ولن أفكر في جرحك أبدًا، لكن أرجوك لا تجرحني أنت.”

ابتسم وقال: “هل تعتقدين أن من يخبرك بجرحه سيفعل بك الأمر نفسه؟ ثقي بي، فقد أصبح حبك في دمي.”

ومنذ ذلك اليوم أصبح الوعد بينهما أكبر من مجرد كلمات، لكن الأيام تكشف دائمًا حقيقة الأشخاص، بدأ يتغير شيئًا فشيئًا، قلت رسائله، وغابت اهتماماته، وأصبحت تبحث عنه أكثر مما يبحث عنها.

ذات يوم اتصلت به وسألته: “أين أنت؟ لماذا تغيرت معي؟”

رد ببرود: “لا يوجد شيء، أنا فقط مضغوط في العمل.”

قالت: “لكن إن لم أسأل أنا، لا تسأل أنت. أشعر وكأنني لم أعد موجودة في حياتك.”

تنهد بضيق وقال: “أنتِ دائمًا تجعلين الأمور صعبة. أنا أراعي ظروفك، لماذا لا تراعين ظروفي؟”

شعرت بالألم: “أنا لا أراعي ظروفك؟ هل الغياب أسبوعًا وأسبوعين دون سؤال أو اهتمام هو مراعاة؟”

أنهى الحديث سريعًا: “أريد أن أغلق الآن، إلى اللقاء.”

أغلقت الهاتف، وانهمرت دموعها. عادت بذاكرتها إلى كل لحظة جميلة بينهما، إلى وعوده وكلماته واهتمامه. تساءلت بين نفسها: “كيف تغير هكذا؟ أين ذهبت وعوده؟ هل أصبح لا يحبني؟”

لكنها قررت ألا تتوقف، بدأت تهتم بنفسها وتطور من ذاتها، وتعيد بناء حياتها بعيدًا عن انتظار أحد.

وبعد فترة عاد هو للحديث: “أين أنتِ؟”

أجابته: “ها أنا موجودة… أخيرًا تذكرتني.”

قال: “كلما تحدثت معك تبدأين في المشاكل.”

شعرت بالصدمة: “أنا كنت أسير بعقلك أنت، لم أكن أفعل شيئًا دون أن آخذ رأيك. كنت أشاركك كل تفاصيل حياتي. على أي حال… اشتقت إليك، وبما أن بيننا وعدًا، ولا نفعل شيئًا دون رأي الآخر، أردت أن أخبرك أن هناك فرصة جيدة جاءتني، وشخصًا تحدث معي ويريد التقدم لي.”

ضحك بسخرية وقال: “شخص تحدث معك؟ لو كنتِ محترمة لما رددتِ على أحد.”

نظرت إليه بذهول: “ماذا تقول؟ احفظ كلامك.”

لكنه أكمل قسوة: “أنا لا أريد أن أقول لك ماذا يُقال عن الفتاة التي تفعل ذلك.”

في تلك اللحظة لم تشعر بالغضب فقط، بل شعرت بانكسار شيء كبير بداخلها.

قالت: “أنت تعرف أخلاقي جيدًا. لو سمعت هذا الكلام من أي شخص آخر لما اهتممت، لكن منك أنت… كان الألم مختلفًا، أنت لم تجرحني فقط، بل هدمت كل شيء بنيته معك. أعطيتك الحب والأمان، وفي النهاية اكتشفت أنك لا تستحقهما.”

سكتت قليلًا ثم قالت: “ربنا موجود، وكما كسرتني ستجد من يكسر قلبك. حسبي الله ونعم الوكيل.”

ثم أغلقت الباب الذي ظلت تحاول إصلاحه طويلًا، لم تكن خسارتها أنه رحل، بل أنها اكتشفت أن الشخص الذي وعدها يومًا ألا يؤذيها، كان هو أكثر من آذاها، ومنذ تلك اللحظة… أصبح هو في طريق، وأصبحت هي في طريق آخر.

طريق بدأت فيه من جديد، بقلب أقوى، ووعي أكبر، وإيمان بأن بعض النهايات المؤلمة ليست إلا بداية لحياة أفضل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى