نيڤين شحاتة تكتب : من طوكيو إلى القاهرة.. التعليم المصري يكتب فصلًا جديدًا برؤية السيسي للمستقبل
لم تعد قضية تطوير التعليم في مصر مجرد تحديث لمناهج أو إنشاء مدارس جديدة، وإنما أصبحت جزءًا من رؤية أوسع لبناء الإنسان المصري وتأهيله لعالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة.
ومن هنا تأتي أهمية الشراكة المصرية اليابانية في مجال التعليم، والتي اكتسبت خلال السنوات الأخيرة زخمًا كبيرًا، وأصبحت المدارس المصرية اليابانية واحدة من أبرز ثمار هذه الشراكة، بما تحمله من تجربة مختلفة في بناء شخصية الطالب، وتنمية مهاراته، وتعزيز الانضباط والعمل الجماعي وتحمل المسؤولية.
وفي هذا السياق، جاءت زيارة الدكتور محمد عبد اللطيف، وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، إلى اليابان لتؤكد أن مصر تنظر إلى التجربة اليابانية باعتبارها شريكًا في رحلة تطوير التعليم، وليس مجرد نموذج يتم نقله أو تقليده.
فالرسالة الأهم التي تحملها هذه الزيارة أن مصر تتجه نحو تعليم أكثر ارتباطًا بالمهارات، والتكنولوجيا، وسوق العمل، واحتياجات المستقبل.
تعاون مصري ياباني يفتح آفاقًا جديدة للتعليم الفني
وفي تعاون هو الأول من نوعه بين مصر واليابان، تأتي اتفاقية تحويل 20 مدرسة من مدارس التعليم الفني إلى مدارس تعليم فني دولية وفق المناهج والمعايير اليابانية، في خطوة تحمل دلالات مهمة على مستقبل التعليم الفني في مصر.
وتستهدف الاتفاقية مجالات نوعية تمثل احتياجات حقيقية ومتزايدة في سوق العمل، من بينها التمريض، والرعاية الصحية لكبار السن، وتكنولوجيا المعلومات.
وهنا لا نتحدث فقط عن تطوير مبانٍ أو تغيير مناهج، وإنما عن بناء مسار تعليمي جديد يمنح الطالب المصري مهارات متخصصة وفق معايير دولية، ويضع أمامه فرصًا أوسع للعمل داخل مصر وخارجها.
واللافت أن اختيار هذه التخصصات يعكس قراءة واضحة لاحتياجات المستقبل؛ فالعالم يشهد توسعًا هائلًا في مجالات الرعاية الصحية والخدمات المرتبطة بكبار السن، بالتوازي مع الثورة الرقمية التي جعلت تكنولوجيا المعلومات والبرمجة والذكاء الاصطناعي من أهم مجالات العمل خلال السنوات المقبلة.
ومن هنا تصبح المدرسة الفنية أكثر من مجرد مرحلة تعليمية؛ إنها بوابة إلى مهنة حقيقية ومستقبل مهني واضح.
«التوكاتسو».. المدرسة التي تبني الإنسان
ربما تكون أهم رسالة في التجربة اليابانية أن المدرسة لا تكتفي بتعليم الطالب كيف ينجح في الامتحان، وإنما تعلمه كيف ينجح في الحياة.
وهنا تأتي أنشطة «التوكاتسو» التي تمثل أحد المكونات المهمة في المدارس المصرية اليابانية، حيث تهتم ببناء شخصية الطالب وتنمية مهاراته الاجتماعية والحياتية والعمل الجماعي وتحمل المسؤولية.
وقد أصبحت هذه التجربة أحد المحاور الرئيسية في التعاون المصري الياباني، حتى إن مصر بدأت في إعداد كوادر مصرية متخصصة في أنشطة «التوكاتسو»، من خلال دبلوم مصري ياباني لإعداد معلم هذه الأنشطة بالتعاون مع جامعة فوكوي اليابانية وثلاث جامعات مصرية.
وهنا تظهر قيمة التجربة؛ فالتطوير الحقيقي للتعليم يبدأ من تطوير شخصية الطالب، وليس فقط من تطوير الكتاب المدرسي.
الرئيس السيسي.. التعليم استثمار في المستقبل
الرؤية التي تتحرك بها الدولة المصرية في ملف التعليم تعكس إدراكًا واضحًا بأن بناء المستقبل يبدأ من المدرسة.
وقد حظي ملف التعليم الفني باهتمام واضح في المتابعات الرئاسية، مع التركيز على تطوير المدارس الفنية وربطها باحتياجات سوق العمل، والتوسع في الشراكات مع القطاع الخاص والشركاء الدوليين، وإعداد خريجين يمتلكون المهارات التي تحتاجها الصناعة والاقتصاد الجديد.
كما تتجه الدولة إلى دعم مجالات العلوم والتكنولوجيا والبرمجة والذكاء الاصطناعي، بما يعكس رؤية مستقبلية تتجاوز احتياجات سوق العمل الحالية إلى الوظائف والمهارات التي سيحتاجها الاقتصاد خلال السنوات المقبلة.
وهذه الرؤية تتجاوز مفهوم التعليم التقليدي إلى مفهوم أكثر اتساعًا:
تعليم يصنع إنسانًا قادرًا على المنافسة في اقتصاد المستقبل.
من المدرسة الفنية إلى «التعليم الدولي»
أهمية الاتفاقية الخاصة بالـ20 مدرسة أنها تقدم تصورًا جديدًا لمستقبل التعليم الفني المصري.
فالطالب الذي يدرس التمريض أو الرعاية الصحية لكبار السن أو تكنولوجيا المعلومات وفق مناهج ومعايير دولية لا يتخرج فقط حاملاً شهادة، وإنما يمتلك مهارات يمكن أن تؤهله للتعامل مع سوق عمل يتجاوز الحدود.
وهذا هو جوهر التحول الذي تشهده منظومة التعليم الفني في مصر: الانتقال من مفهوم «التعليم من أجل الشهادة» إلى التعليم من أجل المهنة والمهارة والقدرة على المنافسة.
وتتسق هذه الخطوة مع الاتجاه العام نحو التوسع في مدارس التكنولوجيا التطبيقية والشراكات الدولية، حيث تعمل الوزارة على تطوير نماذج تعليمية تجمع بين الدراسة النظرية والتدريب العملي، وتربط المدرسة مباشرة باحتياجات الصناعة وسوق العمل.
اليابان.. خبرة في التعليم والتكنولوجيا
الشراكة مع اليابان لا تتوقف عند المدارس المصرية اليابانية.
فخلال السنوات الأخيرة امتد التعاون إلى مجالات التكنولوجيا والبرمجة والذكاء الاصطناعي والرياضيات، حيث أطلقت وزارة التربية والتعليم تدريبات متخصصة لمعلمي البرمجة والذكاء الاصطناعي في إطار التعاون المصري الياباني.
كما شهد التعاون دعمًا لتطوير التعليم الهندسي والتكنولوجي وإعداد كوادر فنية مؤهلة في مجالات مثل الإلكترونيات والطاقة الخضراء، بدعم من الوكالة اليابانية للتعاون الدولي «جايكا».
وهذا يعني أن التعاون المصري الياباني أصبح يتحرك في أكثر من اتجاه، بداية من مرحلة الطفولة وبناء الشخصية، مرورًا بالتعليم العام، وصولًا إلى التعليم الفني والتكنولوجي.
الرعاية الصحية لكبار السن.. تخصص للمستقبل
اختيار مجال الرعاية الصحية لكبار السن ضمن التخصصات التي تستهدفها الشراكة يحمل أهمية خاصة.
فاليابان تمتلك خبرة واسعة في التعامل مع احتياجات المجتمعات التي تشهد ارتفاعًا في أعداد كبار السن، وتولي أهمية كبيرة لتأهيل العاملين في مجالات الرعاية والخدمات الصحية والاجتماعية.
ومن ثم فإن نقل الخبرة اليابانية إلى مصر في هذا المجال يمكن أن يساهم في إعداد كوادر متخصصة تمتلك المعرفة والمهارات اللازمة للتعامل مع كبار السن وفق أساليب حديثة تجمع بين الرعاية الإنسانية والتدريب المهني والتكنولوجيا.
وهنا يتحول التعليم الفني إلى استجابة ذكية لتغيرات المجتمع والاقتصاد، وليس مجرد مسار دراسي تقليدي.
تكنولوجيا المعلومات.. لغة سوق العمل الجديد
أما إدراج تكنولوجيا المعلومات ضمن مجالات المدارس الجديدة، فيعكس بوضوح طبيعة الاقتصاد الذي تستعد له مصر.
فلم تعد مهارات الحاسب والبرمجة مجرد مهارات إضافية، وإنما أصبحت من أساسيات العمل في قطاعات واسعة.
ولهذا فإن إدخال البرمجة والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا ضمن خطط تطوير التعليم يمثل استثمارًا مباشرًا في رأس المال البشري.
والأهم أن الطالب في التعليم الفني يجب ألا يكون بعيدًا عن هذه الثورة، بل ينبغي أن يكون في قلبها، سواء من خلال تخصصات تكنولوجيا المعلومات، أو استخدام التكنولوجيا في التخصصات الصناعية والصحية والزراعية والخدمية.
79 مدرسة مصرية يابانية.. والتوسع مستمر
والنجاح الذي حققته المدارس المصرية اليابانية دفع الدولة إلى مواصلة التوسع في هذا النموذج.
فقد أعلنت وزارة التربية والتعليم دخول 10 مدارس مصرية يابانية جديدة الخدمة في العام الدراسي 2026/2027، لترتفع أعداد المدارس المصرية اليابانية إلى 79 مدرسة على مستوى الجمهورية. كما تستهدف الدولة مواصلة التوسع في هذا النموذج.
وهذا التوسع يعكس أن التجربة لم تعد مشروعًا محدودًا، وإنما أصبحت أحد مكونات استراتيجية تطوير التعليم في مصر.
مصر تتعلم من اليابان.. وتبني نموذجها الخاص
في النهاية، فإن الشراكة المصرية اليابانية في التعليم تقدم نموذجًا مهمًا لكيفية الاستفادة من الخبرات الدولية في بناء منظومة تعليمية تناسب احتياجات مصر.
فاليابان تقدم خبراتها في الانضباط وبناء الشخصية والتكنولوجيا والرياضيات والبرمجة، بينما تتوسع مصر في الشراكات الدولية لتطوير التعليم الفني والتكنولوجي وإتاحة نماذج تعليمية بمعايير عالمية.
والهدف النهائي واحد:
طالب مصري يمتلك تعليمًا قويًا، وشخصية متوازنة، ومهارات رقمية، وقدرة على الابتكار، وخبرة عملية، وتخصصًا مهنيًا يفتح أمامه أبواب سوق العمل في مصر والعالم.
وهنا تتضح الرؤية المستقبلية التي تتحرك بها الدولة في ملف التعليم؛ فالمسألة لم تعد مجرد تطوير مدرسة أو منهج، وإنما إعادة بناء منظومة كاملة تستجيب لعصر جديد.
من «التوكاتسو» إلى البرمجة والذكاء الاصطناعي، ومن المدارس المصرية اليابانية إلى مدارس التكنولوجيا التطبيقية، ومن تطوير التعليم الفني إلى تحويل مدارس فنية إلى نماذج دولية متخصصة في مجالات مثل التمريض والرعاية الصحية لكبار السن وتكنولوجيا المعلومات..
تتغير خريطة التعليم المصري.
إنها رحلة نحو تعليم لا ينتظر المستقبل، وإنما يستعد له من الآن.
فالمستقبل لن ينتظر خريجًا تقليديًا.. ومصر، برؤية تتجه إلى التعليم الدولي والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والتعليم الفني المتطور، تعمل على إعداد أبنائها لعالم جديد، تكون فيه المهارة والمعرفة والقدرة على الابتكار هي جواز العبور الحقيقي إلى المستقبل





