قاطرة الكلمة

إسحاق بندري يكتب : سُلَّم يعقوبدرجات الانحدار وجداريات المأساة

ثمة إلهام أدبي كبير لا يزال حاضرًا في تلك الفترة المحورية من تاريخ مصر، والممتدة ما بين النصفين الأول والثاني من القرن الفائت، فثراء أحداث تلك الفترة الحافلة بالتحولات التاريخية والسياسية ترك أثره على تركيبة الشخصية المصرية وعلى هيكلية المجتمع ككل بصورة واضحة. ورواية «سُلَّم يعقوب» للروائية ريهام عياد الصادرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب تخطو على هذا الدرب لتتتبع مسارات عديدة قد تبدو متباينة ومتنافرة لكنها تجتمع في بعض وجوه الشبه في الوقت نفسه. هذا المشهد الكوزموپوليتاني الظاهر في المراكز الحضرية الكبرى، وعلى رأسها القاهرة والإسكندرية، ورغم إثارته للحنين، يقتضي مزيدًا من الاستقصاء المتروي لقراءة ما بين سطوره. أما التفكك الذي أصاب هذا النسيج فتتنوع أسبابه بين التحولات الوطنية والتغيرات الطبقية، لكن هناك عاملًا آخر ترسمه الرواية يتضح في مفهوم تجربة الشتات؛ وهي تجربة تنعكس على المستويين الداخلي والخارجي، ومن خلالها يتسنى للقارئ أن يتأمل لوحات متجاورة تجسد انتهازية الصعود وسرعة الانحدار وجماليات المقاومة، وتتشابك في أطرها تعقيدات الحياة وتناقضاتها وما تكتظ به من دلالات داعية إلى التفكير.

رمزية السُلَّم ومفارقاتها


ربما لا تحتاج قصة «سُلَّم يعقوب» التوراتية إلى إعادة سردها، لكن المفارقة الأولى في الرواية تقدم صورة مغايرة؛ فالمجاز الذي تصوره القصة الأصلية يرمز إلى الرابطة الروحية الواصلة بين الأرض والسماء، الارتقاء من الدنيوية إلى السمو والخلاص، غير أن الرواية تزيح هذه الصورة جانبًا. تتدنس هذه الرمزية وينقلب جوهرها ليتخذ مظهرًا مخادعًا يتحول معه معنى الارتقاء إلى انتهازية مادية صرفة تفتقر إلى القيم. يعقوب في الرواية لا يصعد درجات السُلَّم طلبًا للترقي والاستنارة، بل يستغل رمزية السُلَّم كأداة للتسلق الطبقي، تغيب عن باله الفكرة الجوهرية للرفعة الأخلاقية، يتحول الصعود الوهمي إلى حالة من التهكم المستمر على التوغل في التدني وتشريح السقوط الإنساني. كل درجة يصعدها يعقوب على سلمه، تزيد معها شراهته المادية ورغبته في النفوذ والسطوة، أو بصورة أدق، تنحدر معاييره وقيمه وتضيع بصيرته تدريجيًّا. يتلون المجاز بصبغة الوصولية والنفعية، لتنجم عنه صورة براقة عن البناء والتشييد، لكنها تتأسس على تدمير ذوات الآخرين والتلاعب بهم ومحو شخصياتهم.
لم يأتِ ذلك من فراغ، لأن شخصية يعقوب، البطل الرديء، تشكلت بفعل القهر الطفولي ورواسبه القديمة؛ يتداخل التعنيف اللفظي والبدني الذي يمارسه زوج الأم مع عجزها وقلة حيلتها ومواردها في آنٍ معًا. تندمج هذه الصدمات المبكرة لتتولد عنها مركبات نقص حادة، ومفاهيم مغلوطة عن ضرورة اكتساب المال والمكانة لتعويض خسارات الماضي وترميم التصدعات النفسية وآلياتها الدفاعية. لا يتوقف يعقوب عن تزييف الحقائق؛ يراوغ صوت ضميره باستمرار، يبرر لنفسه خيانة الصديق، وسرقة المخدومين، وتدبير مكيدة زوجية، والتحايل على الشرائع. حجته الجاهزة أن تصرفاته، ذات الطابع البطريركي – الأبوي، لا تعدو كونها مجرد ردود أفعال مشروعة على مظالم تعرَّض لها، لكنه يغفل عن النتيجة الحتمية لكل ذلك؛ أنه يقترب من حصاد ما يزرعه، يندفع نحو النهاية الطبيعية لآثامه وغيه.

ازدواجية المكان والشتات


تتنقل أحداث الرواية بين أرجاء جغرافية مختلفة؛ القاهرة الحديثة المتمدنة وريف الصعيد الفقير المحروم والمهجر الجديد الاضطراري في الغرب. تتمركز القاهرة بين العالمين الآخرين، وتتغير صورتها تبعًا لموقف كل طرف منها؛ يجتذب بريقها المهمشين والبعيدين عن مركزها، وفي وقت آخر تصعب استمرارية الحياة فيها على نخبتها الطبيعية مع تبدل بنية المجتمع، وربما يتغير موقع القاهرة نفسها بوصفها شتاتًا أو وطنًا، وفي كلتا الحالتين، يتباين التجاوب مع الشتات واقتلاع الجذور وظهور أزمة الهوية.
عندما تنتقل شخصيات إبراهيم ويعقوب وهنية من الصعيد إلى القاهرة، أي النزوح والهجرة من تهميش الصعيد إلى مركزية العاصمة، فهم لا يغيرون انتماءهم المكاني فقط، بل يتعرضون لصدمة حضارية يتفاوت معها تفاعلهم المحكوم بتراكيب شخصياتهم، يعمل في نفوسهم شعور بالطفيلية والتبعية في عالم جديد عليهم. في تجاوبهم مع هذا العالم، تتصاعد حدة السيطرة والانتقام لدى يعقوب، وينتهي الأمر بضياع هنية ودمار حياتها. لكن الشتات الخارجي يظهر مع القضية الشائكة المرتبطة برحيل الأجانب عن مصر في حقبة ما بعد 1952، وصاحب ذلك رحيل اليهود بطبيعة الحال. ومع تعدد ملابسات تلك الأحداث، وضرورة التأكيد على التفريق بين اليهودية بوصفها دينًا والصهيونية بوصفها حركة سياسية استعمارية، يبقى أن الرحيل قد وقع على كل حال. ثمة محنة لاحقت أسرة إسكندر وليم بصورة أو بأخرى بعد العجز عن مواصلة العيش في أجواء رافضة لوجودهم، ليصبح الشتات في المهجر خيارًا شبه وحيد.

نساء في قلب المعركة


يرتبط حضور النماذج النسائية في حياة يعقوب بتعاقب مراحل الضعف والقوة في حياته، كما أن نظرته إليهن لا تنفصل عن ملامح الذكورية النمطية في شخصيته، والمعبرة عن قطاع ذكوري واسع. هذه الرؤية تتعامل مع المرأة من منطلق التسليع والتشييء، لا تعترف بإنسانيتها الكاملة، لا تتقبلها إلا في حدود الدور الاجتماعي أو الجنسي المفروض عليها الاضطلاع به. تشوَّهَ هذا المنظور جراء انهزام نموذج الأم المبكر، وأصبح يفترض شيوع هذا النموذج بالضرورة، نافيًا اختلاف التركيبة الفكرية الأنثوية التي لا يلتفت إلى وجودها.
لا تكاد هنية (التي يخالف معنى اسمها قوام حياتها) تختلف كثيرًا عن الأم، نموذج آخر للقهر والتمييز الطبقي والچندري، محدودة التعليم وثقافتها الدينية يصبغها الفلكلور المحكي. لكنها تتميز ببعض الحس الجمالي الفطري، تحارب ما آلت إليه المكيدة التي وقعت في حبائلها بما يتيسر لها من فن بسيط لصياغة مأساتها، سرد بدائي يحفظ قصتها من الضياع، شيء لا تفهم كنهه بالتمام لكنه يصرخ نيابةً عن إخراس صوتها وقمع إنسانيتها.
أما شخصية ليلى، التي تبدو كثمرة مشتهاة ومحرمة في برجها العاجي، فهي تعيش في اغترابات متوالية. يحيط بها تهميش كبير ربما يناقض مخملية حياتها. تبدأ محنتها من حرمان الطفولة وفقد الأب لتصل إلى الزوج الموسر ماديًا والغائب عاطفيًا، وتنتهي، ويا للمفارقة، باقتراب الزوج في اغتراب المهجر الأخير. تتسامى عن قسوة عالمها بالاستغراق في عالم الفن والقراءة والموسيقى؛ وهذا الأمر ليس من قبيل الترف، بل هو ملجأ وحيد تلوذ به لتصون ذاتها من الانهيار، بحثًا عن عالم أجمل وأكثر مثالية. تمثل ليلى النموذج الذي يفتح عيني يعقوب على عالم رحب متألق، يثير شهيته وشهوته لكنه بعيد عن متناول يديه.
النموذج الأخير، ياسمين، جاء مخالفًا لتوقعات يعقوب وأعقد من تصوراته، فهي أكثر وعيًا وأشد مقاومةً. ترفض وصايته البطريركية وتهديداته الوضيعة، لا يفوت عليها ما تحمله هذه التهديدات من تضمينات تثير فضولها للتنقيب في قصة هنية وفك شفراتها. ظنَّ يعقوب أن ياسمين هي المقابل الذي تمناه في ليلى، تعوِّض نقصه وتكمل واجهته الاجتماعية وتثبت خصوبته الذكورية، لكنها خيبت افتراضاته، فهي ليست أداة للزينة واستكمال مظاهر الوجاهة. كما أنها كانت أشجع شخصيات الرواية في الاعتراف بعوارها الأخلاقي، ندبة قاسية أكملت دورة الجور وأصابتها في الصميم، وربما لجأت للكتابة سعيًا للتطهر من الشعور بالذنب.

ترييف المدينة وتردي المجتمع


مع نهاية الرواية، تعود لندا (ابنة إسكندر)، وقد أصبحت صحافية فرنسية لزيارة الوطن بعد عقود من الرحيل. لكن عودتها تحمل حسًا نقديًا لفكرة الحنين ووهم النوستالچا، لا تتعامى عن مظاهر الترييف التي تفشت في المدينة العريقة. لا تقتصر تلك المظاهر على تآكل العمران وانطفاء بريقه، مجرد تغيرات فرضتها حركة الزمن، بل هي نتيجة مؤكدة لصعود طبقات جديدة تملك المال والإمكانيات وتفتقر لقيم الحداثة والمدنية، لا تستوعب معنى الخصوصية الفردية فتنحيه جانبًا وتحكم عليه بانتهاك المساحة الشخصية، تُغَلِّب الروح الاستهلاكية على حساب القيم الجمالية.
هناك خلطة سحرية في رواية «سُلَّم يعقوب»، تستمد تأثيرها من تنوع شخصياتها وتعدد خلفياتها الدينية (مسلمون، مسيحيون، يهود) أو الاجتماعية (بين المدينة والريف) بما يعبر عن النسيج المصري بكل تنوعاته والتفاعل بين تلك الفئات والتأثير المتبادل بينها. يساهم كل ذلك في اكتساب النص لميزة تعدد الأصوات ودوافعها ومنطلقاتها. لكن ذلك يطرح بعض التساؤلات؛ فعلى سبيل المثال، ربما جاء صوت ضمير يعقوب واضحًا ومتكررًا في بعض الأحيان على شكل حوار يعلل أهدافه ويستهجن خطاياه، يحاول أن يستنكر ذلك التسويغ الفج، ربما تطلب الأمر قليلًا من الابتعاد عن المباشرة في إبراز هذا الصوت الداخلي. وبالمثل، في عرض قصة هنية المرسومة على الجدران التي تفسر نفسها تلقائيًا، وذلك لا ينفي جمالية تقديمها، ربما احتاجت فقط إلى عرض من زاوية مختلفة بعض الشيء.
تحلَّت الروائية ريهام عياد، وهي صاحبة قلم متميز مشهود له، بشجاعة الخوض وسط أسلاك شائكة يتخوف الكثيرون منها، وطرحت أسئلة لا مفر منها في عصرنا الحديث عن الهوية والاغتراب وتغير البنى الاجتماعية والهرمية الطبقية ومفاهيم الاتساق الأخلاقي والحس الجمالي. والأهم أنها رسمت نماذج بشرية، ربما رأينا بعضها ولم نكترث بهمومها، وربما لم نرَ البعض الآخر ووقفت معرفتنا بها عند حدود القصص. قد يدفعنا ذلك إلى مراجعة النفس في كثير من الموروثات والرؤى وإخضاعها لميزان العقل والفحص بجدية لو أردنا وصدقت النوايا في إصلاح كثير من الأوضاع الراهنة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى