إسحاق بندري يكتب :مقدمة كتاب «مرايا الكتابات.. صور من الشرق والغرب» شهادة مصغرة عن الكتب وزماننا

يبدو السؤال بسيطًا: لماذا نكتب عن الكتب؟
تقتضي الإجابة عنه مزيدًا من التركيز على العوامل الشخصية قبل العامة.
في عقود سابقة، قبل عصر السيولة المعلوماتية الحالية، قبل انتشار مجموعات القراءة على وسائل التواصل الاجتماعي، قبل ذيوع قنوات مخصصة للحديث عن الكتب؛ تكونت معرفتنا بالإصدارات الحديثة، في مجملها، من مطالعة الصحف والمجلات، العامة أو الثقافية، إذ تشكلت بفضل ما احتوته صفحاتها من مقالات تتناول عروض الكتب من مختلف الاتجاهات، وانطلاقًا من رؤى متنوعة.
رغم ما تقدمه وسائط عصرنا الحديث من زخم واستهلاك للمعلومات بسرعة وتواتر في كثير من الأحيان، يبقى سؤال مهم يشغل بال المهتمين بالكتابة المقالية الجادة إزاء جدواها وقوامها ومفادها، هذه الكتابة التي تقف في منتصف الطريق بين جفاف المعالجة الأكاديمية وسطحية العرض السريع.
يتعدى النص المقالي فكرتَي التلخيص وإعادة الصياغة؛ إذ يتحول إلى جنس أدبي قائم بذاته، يتجلى فيه اشتباك معرفي يتسم بالجدية ويمنح القارئ متعة فكرية أصيلة.
وعلى أي حال، لا يهدف هذا الاشتباك إلى الترويج النفعي، أو استعراض المهارات اللغوية، أو محاولة قول ما لم يقله النص الأصلي؛ بل يبذل أقصى جهده في التحلي بالتروي والتزام الدقة والابتعاد عن الپروپاجندا والتصنع.
ثمة اجتهاد صادق يسعى المقال إلى بلوغه؛ أي استيعاب وفهم كل من الشكل والمضمون في الكتاب موضع الدراسة. لا يختزل أحدهما ويجور على الآخر. يُجري حوارًا حيويًّا بينهما، يتحاشى الوقوع في فخاخ الانبهار ومزالق الرتابة. ما يتصف به النص من جماليات الكتابة لا يحول دون توجيه الأسئلة الضرورية حيال «لماذا وكيف». لا نقف موقفًا يكتفي بالمشاهدة والتلقي؛ وإنما نلتمس تفهم سياقاته ودوافعه، نبتغي الإحاطة بمجرياته السياسية والاجتماعية والثقافية، بل حتى التحيزات الكامنة بين طياته.
ودائمًا ما ينطوي الأمر على لقاء لا مفر منه مع الآخر. كيف يرانا وكيف نراه؟ كيف يبني كل طرف منا تقييمه للأحداث نفسها تبعًا لزاوية رؤيته؟
هذا الرصد المتبادل للوقائع، من خلال وجهتَي نظر متباينتين، يكتب شهادة لعصرنا وما يشهده من تحولات لم تَجِئ من فراغ، ومن المؤكد أنها نتاج لحركة التاريخ وسيرورته.
نقرأ الماضي بعين معاصرة لا تُسقِط عنه سياقاته بقدر ما تنشد إدراك كل منظور على حدة، ولا تتكاسل عن وضعه في الميزان. نقرأ الحاضر سعيًا إلى إقامة همزة وصل حديثة. نفهم الآخر وننتقده، مثلما نُقَيِّمُ أنفسنا بموضوعية، لا نتغافل عن العيوب ونقاط الضعف ولا نتناسى أوجه التفرد في الوقت ذاته. لا نهاب هذا العصف الذهني، بل نقتحمه بشجاعة وإقدام.
لم يأتِ اختيار العنوان الرئيس «مرايا الكتابات» من قبيل المجاز البلاغي أو الاستعراض اللفظي، بل ينبع من رؤية جوهرية تشتبك مع عملية القراءة عبر تفاعل حي يتجاوز مجرد التلقي الخامل؛ فالكتاب الحقيقي ليس مجرد مستودع مُغلَق للنصوص والمعلومات، وإنما هو كيان نابض يعكس صورة مؤلفه وزمانه، وفي الوقت ذاته تنطبع عليه ملامح القارئ وأسئلته الباحثة عما بين السطور. وفي مقالات هذا الكتاب، تكتسب الأعمال والمؤلفات وظيفة «المرايا» متعددة الزوايا؛ لا لكي تُقدِّم صورًا متطابقةً أو رؤى نمطية عن الواقع، بل لكي تلتقط الخيوط المتوارية، والظلال المنسية، والتفاصيل الصغيرة للحياة على هامش التاريخ الاجتماعي والفكري. هذه المرايا تتفحص نظرات متعددة وتضعها في ميزان المراجعة: نظرة الرحالة والمستعمر بتنوع مآربهما، ونظرة ابن البلد والوطني، ونظرة المترجم والفيلسوف الساعية إلى المعنى؛ فتارةً نرى فيها كيف ترسَّخَت صورة الشرق بأهله ومدنه في العقل الغربي الوافد، وتارةً أخرى نلمح عبرها كيف تتأمل الذات هويتها، ومتاهات سيرتها الذاتية في مواجهة دورة التاريخ غير المتوقعة، معيدةً اكتشاف كينونتها.
أمّا العنوان الفرعي: «صور من الشرق والغرب»، فهو يُجَسِّد الحركة المستمرة للاشتباك الفكري والجمالي الذي لا تقيده حدود الجغرافيا والتباينات الثقافية. فالكتاب لا ينحاز إلى أفق جغرافي ضيق ولا ينكفئ على ذاتيته، بل يجوب المساحة الخصبة التي يلتقي فيها الشرق بالغرب؛ فينأى عن الصدام الحضاري، ويتجنب التبعية، وينشد حوارًا يستكشف القواسم الإنسانية.
في هذه الصفحات، ننتقل بين صور مُستَمَدَّة من أزقة القاهرة والإسكندرية، وما مرتا به من تحولات اجتماعية، إلى أروقة العصر الچورچي البريطاني وأوجاع الجبهات الأوروپية في الحروب؛ ومن محطات الترجمة التي شَكَّلَت جسرًا يربط بين العالم العربي والغرب – كما في تجارب نجيب محفوظ ودينيس چونسون ديڨيز، أو واحات الدكتور محمد عناني – إلى صرخات القضية الفلسطينية المقيمة في قلب المأساة، وتساؤلات الفكر التنويري، وسحر الفن السابع، وأدب المنفى المترامي في أرجاء العالم الذي فرضَ وجوده بوصفه جنسًا أدبيًا قائمًا بذاته.
إنها «صور» تُكَوِّنُ في مجموعها معرضًا إنسانيًا متكاملًا، تتجاور فيه آلام الإنسان وأسئلته الوجودية المحيرة مهما كان موطنه؛ لتشدد في النهاية على أن المرايا، وإن اختلفت أطرها الثقافية وزوايا التقاطها، تظل محتفظةً بألقها وقدرتها على إلقاء الضوء على زوايا التجربة الإنسانية الشاملة، في محاولة لتعميق الفهم المتبادل.
يتضمن هذا الكتاب مجموعة من المقالات في صورة منقحة، نُشِرَت في بعض المطبوعات أو المنصات الإلكترونية. تحاول هذه المقالات، بشكل أو بآخر، أن تطبق ما أشارت إليه هذه المقدمة الموجزة. ويتبقى الرجاء أن يجد القارئ في تجميعها ما يفيده ويمتعه، وبالتأكيد؛ ما يشجعه على مزيد من القراءة.

