د.وائل كامل يكتب : الثانوية العامة… امتحان يبحث عن «الإجابة الأصح» لا الصحيحة، وتنسيق يصادر الاختيار، وقدرة مالية تفتح أبوابًا مغلقة
دكتور وائل كامل استاذ بجامعة العاصمة " حلوان سابقًا"
كل عام تتكرر المشاهد نفسها. طلاب يخرجون من لجان الثانوية العامة وهم يتحدثون بثقة عن درجات مرتفعة، ثم تأتي النتيجة مختلفة تمامًا عما توقعوه. وبعد أيام تبدأ المرحلة الثانية من الصدمة؛ مكتب التنسيق يقرر مستقبل مئات الآلاف من الشباب، فيجد طالب نفسه داخل كلية لم يحلم بها يومًا، بينما يقف آخر عاجزًا عن دراسة التخصص الذي عاش سنوات يستعد له، لا لأنه يفتقر إلى الموهبة أو القدرة، ولكن لأن بضع درجات في امتحان واحد رسمت مسار حياته بالكامل وقدرته المالية تحول بين التحاقة بتعليم أهلي أو خاص.
المشكلة لم تعد في امتحان أو في تنسيق، وإنما في منظومة كاملة أصبح كل جزء فيها يؤثر في الآخر.
في الثمانينات والتسعينات، ورغم كل ما كان يؤخذ على نظام الثانوية العامة، كان هناك قدر من الوضوح بين ما يدرسه الطالب وما يمتحن فيه. كان الكتاب المدرسي هو المرجع الحقيقي، وكانت العلاقة بين المنهج والامتحان أكثر استقرارًا، لذلك كان أغلب الطلاب يخرجون من اللجنة وهم قادرين على تقدير أدائهم بصورة قريبة من الواقع. لم يكن هذا يعني أن الامتحانات كانت سهلة، وإنما كانت أكثر قابلية للفهم والتنبؤ؛ فمن أخطأ كان يعرف غالبًا أين أخطأ، ومن أجاد كان يدرك أنه يستحق الدرجة التي حصل عليها.
أما اليوم فقد أصبحت ظاهرة “فجوة التوقعات” تتكرر بصورة لافتة. أعداد كبيرة من الطلاب تخرج من الامتحان متوقعة درجات مرتفعة، ثم تفاجأ بنتائج أقل بكثير. وهذه الظاهرة لا ينبغي التعامل معها باعتبارها مجرد سوء تقدير من الطلاب، بل تستحق دراسة علمية جادة. ففي علم تقويم الامتحانات، عندما تتكرر الفجوة بين الدرجة المتوقعة والدرجة الفعلية لدى أعداد كبيرة من الطلاب، فإن ذلك يدفع إلى مراجعة جودة الاختبار نفسه، ومدى وضوح صياغة الأسئلة، وملاءمة بدائلها، ومدى ارتباطها بما تمت دراسته طوال العام.
واللافت أن الدول التي نجحت في تطوير نظمها التعليمية، مثل ألمانيا واليابان وروسيا والصين وكوريا الجنوبية، لا تعتبر الامتحان الناجح هو الأكثر غموضًا أو الأكثر قدرة على إرباك الطالب، وإنما الامتحان الذي يقيس المعرفة والمهارة بوضوح وعدالة. قد يكون الامتحان صعبًا، لكنه لا يعتمد على الخداع أو الالتباس، ولذلك يستطيع الطالب بعد انتهاء الاختبار أن يحدد بدرجة كبيرة أين أصاب وأين أخطأ، فتكون توقعاته لنتيجته قريبة من الواقع.
لكن الأزمة الحقيقية تبدأ بعد إعلان النتيجة، حين يتحول مجموع الثانوية العامة إلى الحكم الوحيد على مستقبل الطالب.
فهل يعقل أن تحدد بضع درجات في مواد عامة لا ترتبط في كثير من الأحيان بطبيعة الدراسة الجامعية، ما إذا كان الطالب سيدرس الهندسة أو الطب أو الفنون أو الآداب؟ وهل يكفي رقم واحد للحكم على استعداد إنسان لمهنة قد يمارسها طوال حياته؟
إن نظام التنسيق في صورته الحالية لا يقيس الموهبة، ولا الدافعية، ولا الاستعداد الحقيقي للتخصص، بل يحول امتحانًا عامًا إلى بوابة وحيدة لتحديد مستقبل مئات الآلاف من الشباب. والنتيجة أن آلاف الطلاب يدخلون كليات لا يرغبون فيها أصلًا، فيتعاملون مع الجامعة باعتبارها طريقًا للحصول على شهادة، لا مكانًا لاكتشاف قدراتهم وبناء مستقبلهم.
والأخطر أن هذا النظام لم يعد يطبق على الجميع بالقدر نفسه.
فمع التوسع الكبير في الجامعات الخاصة والأهلية، أصبح من الممكن لطالب حصل على مجموع في السبعينيات، بل وأحيانًا أقل، أن يلتحق بتخصصات كانت تتطلب سابقًا مجاميع مرتفعة، إذا كان قادرًا على تحمل المصروفات. بينما يقف طالب آخر حصل على مجموع أعلى بكثير عاجزًا عن دراسة التخصص نفسه لأنه لا يملك القدرة المالية.
وهنا لم يعد المجموع هو الفيصل الوحيد، ولم تعد الكفاءة وحدها معيار القبول، بل أصبحت القدرة الاقتصادية عنصرًا مؤثرًا في رسم المستقبل.
وما زاد الصورة تعقيدًا هو ظهور مقترحات مثل “السنة التأسيسية”، التي طُرحت لتكون بوابة لقبول طلاب لم يحققوا الحد الأدنى للالتحاق ببعض التخصصات، ولكن داخل الجامعات الخاصة والأهلية فقط، دون إتاحة النظام نفسه لطلاب الجامعات الحكومية.
وهنا يبرز سؤال جوهري: إذا كانت السنة التأسيسية قادرة بالفعل على إعداد الطالب وتأهيله لدراسة الهندسة أو الطب أو غيرهما، فلماذا تقتصر على من يستطيع دفع المصروفات؟ ولماذا يُحرم منها الطالب الذي يتقدم للجامعات الحكومية؟
إن المنطق يقتضي أحد أمرين لا ثالث لهما؛ إما أن تكون السنة التأسيسية وسيلة علمية فعالة لإعداد الطلاب، وعندئذ يجب أن تكون متاحة للجميع دون تمييز، أو أنها ليست كذلك، فلا يجوز استخدامها فقط لإنقاذ نسب القبول في قطاع بعينه.
وفي كثير من الدول المتقدمة توجد بالفعل برامج إعداد واختبارات قبول لبعض التخصصات، لكنها تقوم على معايير معلنة وشفافة، وتهدف إلى اختيار الأكفأ، لا الأقدر ماليًا. كما أن الجهة التي تُعد الطالب لا تكون في العادة هي الجهة المستفيدة من رسوم التحاقه، حتى يظل الفصل واضحًا بين التأهيل والقبول، وتبقى العدالة بعيدة عن أي شبهة لتضارب المصالح.
إن استمرار وجود مسارين مختلفين للقبول؛ أحدهما يخضع لمجموع الثانوية العامة وحده، والآخر يستطيع تجاوزه متى توافرت القدرة المالية، يخلق شعورًا متزايدًا بعدم العدالة ويخالف الدستور، ويضعف ثقة المجتمع في فلسفة القبول الجامعي بأكملها وقوة الشهادة الممنوحة.
وإذا كان مجموع الثانوية العامة هو المعيار العادل، فلماذا يُستثنى منه من يستطيع الدفع؟ وإذا لم يعد هذا المجموع وحده يعبر عن صلاحية الطالب لدراسة التخصص، فلماذا يظل عائقًا أمام غير القادرين؟
هذه الازدواجية تدفع كثيرًا من الأسر إلى الاقتراض أو بيع ممتلكاتها أو التفكير في الدراسة بالخارج، بينما يفقد آخرون الأمل مبكرًا ويقتنعون أن أحلامهم أصبحت مرتبطة بالقدرة على الدفع أكثر من ارتباطها بالاجتهاد.
القضية ليست دفاعًا عن إلغاء معايير القبول، فكل نظام تعليمي يحتاج إلى ضوابط واضحة، ولكن الاعتراض الحقيقي هو على اختزال مستقبل الإنسان في رقم واحد، ثم استثناء القادرين ماليًا من هذا الرقم ذاته. فالطالب ليس مجموعًا فقط، بل هو استعداد وموهبة وقدرة على التعلم وشغف بمجال معين، وهذه الجوانب لا يقيسها التنسيق التقليدي مهما بلغت دقته الحسابية.
الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بتبديل نظام الامتحانات، ولا بإلغاء التنسيق، وإنما بإعادة تعريف وظيفة كل منهما وهدفه.
يجب أن تصبح الثانوية العامة أداة لقياس نواتج التعلم الأساسية، لا أداة لتوزيع الطلاب على الكليات. ويجب أن تتحمل الجامعات مسؤولية اختيار طلابها وفق معايير تتناسب مع طبيعة كل تخصص، من خلال اختبارات قدرات حقيقية، ومقابلات أو تقييمات عملية حيث يلزم، وبرامج إعداد وتأهيل تطبق على جميع الطلاب دون تمييز بين جامعة حكومية أو خاصة أو أهلية، لأن العدالة لا تتجزأ.
وفي الوقت نفسه، ينبغي إعادة النظر في فلسفة الامتحانات نفسها، بحيث تكون الأسئلة واضحة في صياغتها، دقيقة في قياسها، بعيدة عن الإرباك غير المبرر، وقادرة على التمييز بين مستويات الطلاب دون أن تتحول إلى ألغاز. فالامتحان الجيد ليس الذي يوقع أكبر عدد من الطلاب في الخطأ، وإنما الذي يكشف بدقة من أتقن التعلم ومن يحتاج إلى مزيد من الدعم.
إن بناء الإنسان لا يتحقق بمجرد زيادة أعداد الجامعات أو تحديث شكل الامتحانات أو استبدال الورقة بالتابلت، وإنما يتحقق عندما يشعر الطالب أن النظام التعليمي يمنحه فرصة عادلة ليكتشف قدراته، ويختار مستقبله، ويجتهد في مجال يؤمن به، لا أن يتحول مستقبله إلى معادلة تجمع بين رقم في شهادة الثانوية وقدرة أسرته على دفع المصروفات.
حينها فقط يصبح التعليم وسيلة لاكتشاف الطاقات، لا مصنعًا لإنتاج الإحباط، وتصبح الجامعة مكانًا يصنع المبدعين، لا مجرد محطة للحصول على شهادة.





