قاطرة الثقافة

بريهان أحمد تكتب: في حضرة كوكب الشرق.. قراءة في رواية «درويش يركض خلف أم كلثوم»

منذ مدةٍ طويلة، وأنا مأخوذةٌ بالقراءة عمّا يدور حول كوكب أم كلثوم، سواءٌ كان عن قصة حياتها، أو ما يتمحور حول قصصٍ خياليةٍ تتناول جانبًا من جوانب الشغف بها، وببديع أغانيها الروحانية التي تشدو في فلك المحبوب وعشقه والهيام به. لم أكن يومًا من المعجبين بعالم أغانيها، لكنني في ندوةٍ من الندوات التي دُعيت إليها، كانت تُعرض أعمالها، وشوارع القاهرة ليلًا، والليل يُسدل سدوله على أرضها، وصوت أم كلثوم يعلو بأجمل أغانيها. ليس هذا فحسب، بل كانت الندوة تعرض جواباتٍ بين الأحباب، كتبها العشاق على جميل صوتها الحاني، الذي يمتزج بالقوة والدفء والنبرة المترجفة الأخّاذة.

هنا كان بيت القصيد؛ وقعتُ في غرام أغنية أنت عمري، وأصبحتُ ليلًا، عند الرغبة في الاسترخاء، أستمع إليها، لتأخذني إلى عالمٍ يتجاوز حدود السماء، ويُحلّق بي بعيدًا، ثم يرميني بعد ذلك بين أحضان الحنين والمشاعر المكبوتة، المسكوت عنها داخلي. فما أصعب الحنين، وما أوجع ما لا يُقال.

أثناء فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب لعام 2026، وقع اختياري على رواية درويش يركض خلف أم كلثوم لكاتبها محمد ممدوح، وكنت موفّقة في اختياري، بغضّ النظر عن لهفتي التي بدت تجذبني إلى كوكب الشرق، وحياتها، وكل ما كُتب مستلهمًا منها. فالرواية، في مجملها، ملهمة، وتنتمي إلى الأدب الساخر الذي يمزج بين الطرافة والمرارة، حيث تدور أحداثها الرئيسة في منتصف القرن العشرين، وتحديدًا وقت حريق القاهرة، إلا أنها ترصد من بعيد فتراتٍ أخرى سابقة بدأت بميلاد بطل الرواية، والأحداث التي عايشها، وهو ما يمنح السرد بعدًا زمنيًا متشعّبًا يثري الحكاية ويمنحها عمقًا إنسانيًا.

تحكي الرواية عن “درويش”، المحاسب في محل شيكوريل للأحذية، الذي يركض خلف الحياة، ويصارع من أجل تزويج ابنته، ليضعه القدر أمام معضلة أخرى بعد حريق المحل، فيصبح بلا عمل، وتزداد هشاشته أمام زوجته وابنته وخطيبها كمال المتغرطس في فحش ثرائه. لكنّه يدخل في صراع آخر أكثر تشويقًا، إذ يركض من أجل الوصول إلى أم كلثوم ليقدّم لها كلماته لتغنيها من خلال الملحن رياض السنباطي وتغوض ابنته معه مغامرات أخرى لترى الجانب الخفي في شخصية والدها درويش.

فهل سينجح في الوصول إليها؟ وكم سيتكلّف من حِيَلٍ يخوضها مع ابنته وصديقه حلمي وعشيقته روحية من أجل تحقيق هذه الأمنية؟ حلمي الذي يركض هو الآخر خلف روح حبيبته القديمة وذكرياتها وينغمص في عالم المراهنات. وهنا تتقاطع مصائر الشخصيات الثلاث، ويغدو الركض رمزًا للسعي الإنساني الدائم خلف الأحلام بسبب الفقر المدقع، حتى وإن كانت بعيدة المنال. هؤلاء الثلاثة تتقاطع بهم الطرق من جديد، وكلٌّ يركض وراء هدفه، فترى كيف ستدور الحكاية في خمسة أيام من الركض في شوارع القاهرة؟ وكيف ستتحوّل المدينة نفسها إلى مسرح نابض للأحداث، وشاهدٍ على انكسارات أبطالها وآمالهم؟ بلغةٍ عذبة، نركض جميعًا مع الكاتب محمد ممدوح خلف أبطاله، حتى تكاد أنفاسنا تنقطع لهفةً على مصيرهم المنتظر. من التقنيات السردية التي تعزّز نقديّة المقال، وتمنحه حيويةً أكبر، الإشارة إلى بنية الرواية، وحركة الزمن فيها، وتنامي الصراع، وطبيعة الشخصيات، وما تحمله من دلالات اجتماعية وإنسانية.

أمّا عن  التقنيات السردية التي عزّزت البنية الفنية للرواية، ومنحتها هذا البريق الأدبي الآسر، قدرة الكاتب على تطويع الزمن، وبناء الشخصيات، وتحويل التفاصيل اليومية البسيطة إلى دلالات عميقة تكشف النفس والمجتمع معًا. وقد بدا ذلك واضحًا في عدد من المواضع اللافتة التي صنعت خصوصية النص وجاذبيته. حضور الترتيب الزمني بوصفه ركيزة للسرد ظهر الترتيب الزمني في الرواية كما ينبغي أن يكون في التقنيات السردية المحكمة؛ إذ تتقدّم الأحداث في نسق منطقي يمنح القارئ شعورًا بالتماسك، مع حفاظ الكاتب على عنصر التشويق. ولم يكن الزمن مجرد إطار خارجي، بل أداة تكشف التحولات الداخلية للشخصيات، وتربط مصائرها بحركة المجتمع من حولها. كما جاء الوصف الفسيولوجي للشخصيات في مستهل العمل عنصرًا بصريًا مهمًا، مكّن القارئ من رؤية الأبطال قبل فهمهم، وكأنهم يتحركون أمامه على خشبة مسرح نابضة بالحياة.

ننتقل إلي شخصية حلمي وتقنية الاسترجاع جاءت شخصية حلمي بوصفها نموذجًا للرجل المتكاسل المرهق بالحياة والمرض، وهي شخصية تحمل هشاشة إنسانية مؤثرة. وقد أحسن الكاتب استخدام تقنية الاسترجاع الزمني (الفلاش باك) في تقديمه، إذ أفادت القارئ في معرفة تاريخ الشخصية، وخلفياتها النفسية والاجتماعية، فصار الحاضر أكثر وضوحًا حين أُضيء بالماضي. ومن خلال هذا البناء، لم يعد حلمي مجرد شخصية ثانوية، بل مرآة لفئة اجتماعية أنهكها العجز وخذلتها الحياة.

ومن أجمل الفصول التي تعرضت لها في الرواية الفصل الثالث الذي يحمل عنوان حساء خريستو، والبنية الزمنية للقاهرة القديمة ؛حيث يظهر حساء خريستو المميز، تتجاوز الرواية حدود الحكاية إلى استدعاء الذاكرة الحسية للمكان. فالرائحة والطعام والطقوس اليومية تتحول إلى مفاتيح زمنية، تُعيد تشكيل القاهرة القديمة بكل خواصها الشعبية والإنسانية. هنا يبرع الكاتب في جعل المدينة كائنًا حيًا، له مذاقه وصوته وحنينه الخاص.

هل درويش مجنون؟ الاسترجاع بوصفه كشفًا للذات في هذا الموضع، يوظّف الكاتب الوصف الاسترجاعي لحياة درويش، متوغّلًا في أعماقه، راجعًا بالماضي إلى الخلف كي يتأمل القارئ حياته ومعاناته وانكساراته. فالاسترجاع هنا ليس حيلة فنية فحسب، بل رحلة نفسية تكشف كيف يتشكّل الإنسان تحت ضغط الفقر والقهر والأحلام المؤجلة. ويصبح السؤال: هل درويش مجنون؟ سؤالًا وجوديًا أكثر منه حكمًا مباشرًا. الأرز  المعجن، محل شيكوريل، والحريق النفسي في مشهد الأرز المعجن كما لا يحب درويش، وما يرتبط به من عمله محاسبًا في محل شيكوريل، ثم حادث الحريق، وحرب فلسطين، وعام النكبة، تتجلّى براعة الكاتب في توظيف التفاصيل اليومية للكشف عن الحالة النفسية للبطل. فالتبلّد الذي يعتري درويش ليس إلا أثرًا من آثار الفقر والفقد، والكتمان الطويل، والاغتراب عن العالم. وهكذا تتحول المائدة، والعمل، والحريق، إلى رموز داخلية لانهيار الإنسان من الداخل.

 التلاعب بالزمن واستدعاء القاهرة 1910م يتجلّى ذكاء الكاتب أيضًا في تلاعبه بالزمن، لا سيما حين يعود بالقارئ إلى القاهرة سنة 1910م. فهذه القفزات الزمنية لم تكن عبثية، بل جاءت لتوسيع أفق الرواية، وربط الحاضر بجذوره، وكأن المدينة تحتفظ داخل جدرانها بكل الأزمنة دفعة واحدة. الشخصيات المضادة وصناعة التوتر أما حضور الشخصيات المضادة، مثل كمال في مواجهة الأب، فقد أسهم في خلق توتر سردي واضح، وسرّع من إيقاع الحدث، لأن الصراع هو القلب النابض لأي رواية ناجحة. ومن خلال هذا التضاد، تتكشف القيم المتصارعة بين الأجيال، وبين الطموح والاستسلام، وبين الحلم والواقع. إن ما يميز هذه الرواية ليس الحكاية وحدها، بل الطريقة التي رُويت بها. فقد استطاع الكاتب أن يحوّل الزمن إلى بطل خفي، والمكان إلى ذاكرة، والشخصيات إلى شظايا بشرية نعرفها ونشفق عليها؛ لذلك يجد القارئ نفسه يركض مع درويش، لا خلف أم كلثوم فقط، بل خلف معنى أعمق: ذلك الحلم الإنساني الذي يظل يراوغنا كلما اقتربنا منه.

أضف إلي ذلك تناول الرواية فكرة الفقر والعدمية، وكيف يمكن للإنسان أن يعيش طيلة حياته فاقدًا ثقته بذاته، منهكًا تحت وطأة الفقر، وما يخلّفه من شعور بالدونية، نتيجة نظرة الآخرين إليه وعدم احترامهم له بسبب مظهره المتواضع. وهنا لا يُقدَّم الفقر بوصفه عوزًا ماديًا فحسب، بل بوصفه قوة خفية تنهش الكرامة، وتُضعف الروح، وتُربك صورة الإنسان عن نفسه.

وتتناول الرواية كذلك فكرة رؤية الابنة لوالدها، وكيف أن ثقة الفتاة بذاتها كثيرًا ما تبدأ من صورتها الأولى عن أبيها. فالأب، في الوعي الإنساني، ليس مجرد معيلٍ للأسرة، بل مصدر أمان، ومنبع قوة، وصورة أولى للهيبة والثبات. وإذا اهتزّت تلك الصورة، أو انكسرت، تسرّب الشك إلى نفس الابنة، وأصاب ثقتها بنفسها في مقتل.

ومن هذا المنطلق، تعرض الرواية فقدان الفتاة ثقتها في نفسها نتيجة فقدان أبيها ثقته بذاته؛ فتراها تلجأ إلى كمال، خطيبها المغرور، وتراه ملاذًا رغم ما تتلقاه منه من إهانات وانتقاص. وهنا ينجح الكاتب في إبراز العلاقة العميقة بين الأب وابنته، لا من خلال التصريح المباشر، بل عبر انعكاسها على اختياراتها العاطفية ونظرتها إلى ذاتها. وفي لحظة فارقة، تقرر الفتاة التخلّص من نسختها القديمة، والانفصال عن هشاشتها السابقة، ويأتي ذلك متزامنًا مع قرار والدها الدفاع عنها. هنا تبلغ الرواية إحدى ذرى بنائها النفسي؛ إذ تستمد الابنة ثقتها بنفسها من استعادة الأب لكرامته المفقودة، وكأن خلاصهما يأتي معًا، في لحظة إنسانية مؤثرة تُعيد ترتيب المعاني داخل الأسرة.

ومن التقنيات السردية اللافتة أيضًا، براعة الكاتب في الربط بين شخصية درويش وشخصية نجيب الريحاني في فيلم لعبة الست، حتى خُيّل إليّ أنني أشاهد الفيلم بصورة أروع، وبأحداث أطول وأكثر امتدادًا. هذا التناص الفني منح النص ثراءً بصريًا ووجدانيًا، وربط القارئ بذاكرة فنية محببة دون أن يفقد العمل استقلاله وهويته الخاصة. كما أن الحوار جاء أخّاذًا، مشوّقًا، نابضًا بالحياة، بعيدًا عن التكلف، قادرًا على كشف الشخصيات وتحريك الأحداث في آنٍ واحد. وقد منح هذا الحوار النص انسيابية عالية، فجعل الصفحات تُقرأ بشغف، والمشاهد تمرّ أمام القارئ كما لو كانت لقطات سينمائية متتابعة.

إن الرواية، في جوهرها، لا تحكي عن الفقر فقط، بل عن أثره حين يسكن النفوس، ولا تتناول العلاقة بين الأب وابنته فحسب، بل تكشف كيف يمكن للانكسار أن يُورَّث، وكيف يمكن للكرامة أيضًا أن تُستعاد وتُورَّث من جديد.

في هذه الرواية، لا يتحرك درويش منفصلًا عن العالم من حوله، بل يبدو وكأنه ابنٌ شرعيٌّ لشوارع القاهرة القديمة، خرج من أزقتها الضيقة، ومن صخبها المكتوم، ومن لياليها التي تختلط فيها الأحلام بالخسارات. فالشخصية هنا لا تسير داخل المكان، بل تتكوّن منه؛ من حجارة الأرصفة، ومن المقاهي المزدحمة، ومن عالم المراهنات الذي يَعِدُ بالنجاة ثم يسلّم أتباعه إلى الوهم.

ويأتي محل شيكوريل بوصفه أكثر من مجرد موقعٍ عابر؛ إنه علامة طبقية وزمنية بين الأحذية المعروضة، شاهد على مدينة كانت تتبدّل ملامحها بين أناقة الواجهة وقلق الداخل. ومن خلاله، ومن خلال الشوارع الليلية التي تفيض بالحركة والانتظار، ينجح الكاتب في مزاوجة الزمان بالمكان مزاوجةً بارعة، حتى يصبح منتصف القرن العشرين حيًّا نابضًا أمام القارئ، لا تاريخًا جامدًا في الكتب.

لقد تلاحمت الرواية مع هذا العالم التحامًا كاملًا؛ فصار المكان بطلًا خفيًّا، وصار الزمن نبضًا داخليًّا للشخصيات، وصار درويش وجهًا آخر للقاهرة نفسها: مدينة تركض، وتحلم، وتخسر، ثم تعود من جديد لتبدأ الركض مرة أخرى. وهنا تكمن قوة الرواية الحقيقية؛ أنها لا تروي حكاية رجل فحسب، بل تستدعي روح مدينة كاملة، بكل ما فيها من انكسارٍ وسحرٍ وعناد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى