قاطرة الكلمة

محمد عز الدين الحجار يكتب : كيف تنقذنا الكتابة من أنفسنا؟

في نهاية يوم طويل، قد يجد الإنسان نفسه مثقلًا بأفكار متداخلة ومشاعر يصعب تفسيرها؛ ضغوط العمل وتوتر العلاقات وقلق المستقبل أو حتى إحساس غامض بالضيق لا يعرف له سببًا واضحًا! في مثل هذه اللحظات، يلجأ بعض الناس إلى مهاتفة أو لقاء الآخرين فقط للحديث من دون هدف! بينما يختار البعض الآخر وسيلة أبسط وأكثر هدوءًا؛ يفتحون دفترًا صغيرًا ويتركون ما في عقولهم وقلوبهم، يتساقط فيه بفعل الكتابة.

يعتبر الكثيرون هذا الفعل عاديًا أو بسيطًا، لكنه في الحقيقة يحمل أثرًا نفسيًا عميقًا، فالكتابة اليومية أو ما يُعرف بتدوين المذكرات، ليست مجرد تسجيل لأحداث اليوم، بل يمكن أن تتحول إلى أداة فعالة لفهم الذات والتعامل مع الضغوط النفسية، ولهذا بدأت العديد من دراسات المتخصصة في علم النفس، في الإشارة إلى أن تحويل المشاعر والأفكار إلى كلمات مكتوبة يساعد الإنسان على تنظيم تجربته الداخلية والتخفيف من حدة التوتر.

كثير من المشاعر التي يمر بها الإنسان تبقى في حالة غموض داخلية، نشعر بالضيق أو القلق، لكننا لا نتمكن -غالبًا- في الإجابة على هذا السؤال: لماذا؟! وقد يظل هذا الإحساس عالقًا في الذهن، ويتكرر في شكل أفكار متشابكة لا تقود إلى نتيجة واضحة! وهنا تأتي الكتابة كأداة تساعد على تحويل هذه الفوضى العاطفية إلى أفكار قابلة للفهم.

عندما يبدأ الإنسان في الكتابة عما يشعر به، فإنه يضطر -بشكل غير مباشرـ إلى ترتيب أفكاره ووضعها في سياق منطقي، فالكلمات بطبيعتها تتطلب تسلسلًا ومعنى، وهو ما يدفع العقل إلى إعادة تنظيم التجربة الداخلية، وعوضًا عن البقاء غارقًا في شعور مبهم، يصبح قادرًا على تسمية ما يشعر به: هل هو غضب؟ أم خوف؟ أم خيبة أمل؟
هذا التحول من الإحساس الغامض إلى التعبير الواضح يمثل خطوة مهمة في فهم الذات.

عودًا على بدء؛ عندما يكتب الإنسان عما يحدث داخله لا يظل أسير التجربة فقط، بل يصبح مراقبًا لها أيضًا، وتحويلها إلى روتين يومي، يساعد هذا في التخفيف من الضغوط النفسية لعدة أسباب: أولها، ما يمكن تسميته بالتفريغ الانفعالي، فالمشاعر التي لا تجد طريقًا للتعبير قد تتحول مع الوقت إلى توتر دائم، أما عندما تُكتب هذه المشاعر على الورق، فإنها تخرج من دائرة الكتمان إلى مساحة أكثر أمانًا، والسبب الثاني يتعلق بتنظيم الأفكار، فالقلق غالبًا ما يتغذى على أفكار متكررة تدور في الذهن بلا نهاية! لكن الكتابة تجبر العقل على التوقف لحظة، وعلى تحويل هذه الأفكار إلى جمل واضحة، مما يساعد على كسر حلقة التفكير الدائري التي تميز حالات التوتر!
أما ثالثها فيكمن في أن الكتابة تمنح الإنسان فرصة لإعادة تفسير ما حدث له، فكثير من التجارب المؤلمة تبدو أكثر قسوة عندما تبقى مجرد مشاعر داخلية، لكنها قد تأخذ معنى مختلفًا عندما يتم سردها بالكلمات! وفي أثناء هذا السرد قد يكتشف الإنسان زوايا جديدة في التجربة لم ينتبه لها من قبل.

مع اعتياد الكتابة اليومية، قد يكتشف المرء مثلًا أن أكثر لحظات التوتر لديه ترتبط بمواقف معينة أو بأشخاص محددين أو حتى بطريقة معينة في التفكير! وقد يلاحظ أيضًا أن بعض المخاوف التي كانت تبدو كبيرة في لحظتها تلاشت مع الوقت! هذه الملاحظة تمنح الإنسان شعورًا بالمسافة بينه وبين مشكلاته، وتساعده على رؤية حياته من منظور مختلف، فلا تصبح المذكرات مجرد سجل للأحداث، بل أداة للتأمل ومراجعة الذات.

الأكثر أهمية هنا، هو توضيح الفرق بين الفضفضة العشوائية والكتابة التأملية! الفضفضة قد تكون مفيدة في لحظات الانفعال لأنها تسمح بالتعبير السريع عن المشاعر، لكنها قد تتحول أحيانًا إلى تكرار للشكوى نفسها من دون الوصول إلى فهم أعمق أما الكتابة التأملية فتذهب خطوة أبعد، فهي لا تكتفي بوصف ما حدث، بل تحاول طرح أسئلة على التجربة: لماذا شعرت بهذه الطريقة؟ ما الذي أزعجني فعلًا؟ ماذا تعلمت من هذا الموقف؟ هذه الأسئلة البسيطة فالهدف هنا ليس كتابة نص أدبي أو صياغة جميلة، بل استخدام اللغة كوسيلة للتفكير.

لا يحتاج الإنسان إلى مهارات خاصة لكي يبدأ تجربة الكتابة اليومية، فيكفي أن يخصص بضع دقائق في نهاية اليوم لفتح دفتره والكتابة بحرية؛ يمكن أن تأتي البداية مع تمرين بسيط: الكتابة لمدة عشر دقائق من دون توقف، مهما بدت الأفكار غير مرتبة! ليس من الضروري الاهتمام بالأسلوب أو القواعد اللغوية، فالمقصود هو التعبير لا النشر! ولتبدأ الكتابة بالإجابة على سؤالين بسيطين: ماذا شعرت اليوم؟ وما أكثر شيء شغل تفكيري؟ الإجابة عنهما بشكل صادق قد تكشف الكثير مما يختبئ خلف ضجيج الحياة اليومية، ومع الوقت قد تتحول هذه الدقائق القليلة إلى مساحة شخصية للهدوء والتأمل.

على الرغم من الفوائد المحتملة للكتابة اليومية، فإن من المهم النظر إليها باعتبارها وسيلة مساعدة لا بديلًا كاملًا للعلاج النفسي، خاصة في الحالات التي تعاني من اضطرابات نفسية عميقة! فالكتابة يمكن أن تلعب دورًا داعمًا مهمًا، فهي تساعد الإنسان على فهم مشاعره بشكل أفضل، وقد تسهل عليه التعبير عنها عندما يتحدث مع معالج أو مع شخص يثق به، ولهذا يستخدم بعض المتخصصين تمارين الكتابة ضمن برامج العلاج النفسي.

المفارقة أن كثيرًا من الناس يترددون في كتابة مشاعرهم، ليس بسبب عدم تمكنهم منها، لكن بسبب الخوف مما قد يكتشفونه عن أنفسهم! فالكتابة الصادقة قد تكشف مشاعر نحاول تجاهلها أو أسئلة لم نكن مستعدين لمواجهتها! لكن هذا الدفتر الصغير الذي يحمل كلماتنا، قد يصبح مكانًا آمنًا للاعتراف بالمخاوف، ولمراجعة الأخطاء، ولتسجيل اللحظات الصغيرة التي تمنح الحياة معنى حقيقيًا، وربما لا تحل الكتابة كل المشكلات، لكنها تساعد على فهمها، وهذا الفهم غالبًا ما يكون الخطوة الأولى نحو التعافي، لأننا أحيانًا، قبل أن نجد الإجابات، نحتاج فقط إلى أن نكتب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى