لماذا انتقلت مدرسة الطب من صحراء أبو زعبل إلى ضفاف النيل

كانت مدرسة ومستشفى أبو زعبل، التي تأسست عام 1826 في أطراف الصحراء، تمثل خطوة التأسيس الأولى للطب الحديث في مصر، حيث أرادها محمد علي باشا في البداية قريبة من معسكرات الجيش النظامي ومبتعدة عن صخب العاصمة وتحفظات سكانها.
ولكن مع حلول عام 1837، تضخمت الرؤية الاستراتيجية للدولة المصرية، وتداخلت ظروف عسكرية وسياسية عجلت بنقلها؛ فخلال حرب الشام، خرجت جحافل الجنود المصريين للقتال، مما أدى إلى خلو مستشفى أبو زعبل من المرضى والعساكر الذين كانت تقوم عليهم العملية التعليمية وممارسة الطلاب.
هنا أدرك محمد علي باشا ومستشاره الطبي “كلوت بك” أن النهضة الطبية الشاملة لا يمكن أن تظل حبيسة العزلة الصحراوية بلا مرضى، وآثر محمد علي بنظرته الثاقبة نقل المدرسة إلى موقع يكون أقرب لعامة الشعب وأهالي العاصمة، ليدمج العلم في قلب المجتمع، ويحول المشروع من مجرد أداة عسكرية إلى قوة ناعمة قادرة على قيادة العالم وصناعة حضارته، فصدر القرار التاريخي بنقل المدرسة الطبية والمستشفى العسكري الكبير إلى “قصر العيني” بالقاهرة، بينما بقيت منشآت أبو زعبل قائمة لتؤدي أدواراً أخرى في خدمة علوم البيطرة والصيدلة.
ولم يكن اختيار قصر العيني موقعاً للمشروع الجديد وليد الصدفة، بل جاء مبنياً على عبقرية جغرافية ومعمارية استثنائية وجدها كلوت بك في هذا المبنى الذي كان قائماً بالفعل؛ فالقصر في أصله يعود إلى العصر المملوكي حيث بناه الأمير “أحمد بن العيني”، وتميز بتصميم مربع الشكل يتألف من طابقين فوق طابق أرضي مبني من أقبية مقوسة واسعة، استغلها كلوت بك ومحمد علي كامتياز عسكري لتتحول إلى مستودعات ومخازن عملاقة تتسع لتجهيزات جيش بأكمله.
وفي قلب هذا البنيان، كانت تمتد ساحة فسيحة جداً وصحن مغروس بالأشجار يبعث الراحة في نفوس المرضى والمترددين.
أما أجنحة القصر، فقد طُوّعت لتصبح على شكل صف مزدوج من القاعات الفسيحة يفصل بينها ممر طويل ممتد، وينقسم كل جناح إلى أربع قاعات كبرى، تتسع كل واحدة منها لخمسين سريراً، مما أتاح طاقة استيعابية هائلة لم تعرفها المنطقة من قبل.
ولضمان تكامل العملية التعليمية والعلاجية، خُصص الجناح الجنوبي للمبنى ليكون مجمع العلوم والتجهيزات، وانقسم إلى أربعة مبانٍ سكنية منفصلة تماماً لتأمين الخصوصية والنظام؛ حيث خصص المبنى الأول للمدرجات العلمية ومختبرات الكيمياء وغرف الفيزياء والتاريخ الطبيعي، بينما خصص الثاني لمبيت الطلاب وغرف طعامهم، واحتوى الثالث على الصيدلية المركزية العمومية، وتُرِك الرابع للمطابخ والحمامات والمغاسل الشاملة.
وقد عُوِّضت المدرسة عن حديقتها النباتية القديمة باقتطاع جزء غني من أراضي جزيرة الروضة المواجهة للمستشفى، وهي الجزيرة المشهورة آنذاك بحسنها وجمالها ومنافستها لمنتزهات أوروبا، لتصبح حديقة نباتية طبية تمد الصيدلية المركزية بالأعشاب الطبية النادرة ومحط إعجاب الزوار الأجانب، الا انه يقال في بعض المدونات انه لم يكتمل.
ومن خلال هذا التطويع المعماري الفريد للمبنى الأثري، يتضح أنه كان من المتعذر العثور على مكان في عموم القاهرة أصلح من هذا القصر ولا أحسن منه موقعاً لوضع المدرسة الطبية فيه، لما حققه هذا النقل من مزايا استراتيجية وعلمية واجتماعية غيرت وجه التاريخ الطبي.
فقد أصبح المستشفى على مسافة قصيرة جداً من مركز الحامية العسكرية بالقاهرة، مما جعل نقل الجنود المصابين والجرحى أثناء الحروب أمراً غاية في السهولة والسرعة، حيث أتيح اختصار الطريق الموصل إليه براً، أو عبر شريان النيل الذي كان ينقل الجرحى والمصابين بواسطة السفن بيسر وسلاسة، دون الحاجة لقطع مسافات صحراوية طويلة ومرهقة للوصول إلى الرعاية كما كان الحال في أبو زعبل.
وعلاوة على ذلك، نجح القرار في توحيد الجهود الطبية؛ فبعد أن كان المرضى ومصابو الحروب موزعين ومشتتين بين مستشفى أبي زعبل والمستشفى العسكري بالأزبكية، أصبحوا جميعاً مجتمعين تحت سقف واحد في قصر العيني، مما أحدث طفرة في التعليم الإكلينيكي للطلاب الذين أتيحت لهم فرصة نادرة للممارسة المباشرة ومتابعة أعداد ضخمة ومتنوعة من الحالات المرضية يومياً نتيجة قرب المستشفى من العاصمة والشعب.
لكن الأثر الأعمق والأكثر دلالة على تحول قصر العيني إلى محرك للنهضة العالمية وقوة مصر الناعمة، تمثل في ذلك الجسر المعرفي الذي مُدَّ بين الطب والعلوم الدينية.
فقد أصبح بمقدور طلاب العلوم الدينية الذين يفدون إلى مصر من مختلف أنحاء العالم الإسلامي والبلاد الشرقية لدراسة الشريعة في الجامع الأزهر، أن يحضروا في أفواج وجماعات إلى مدرسة الطب بقصر العيني ليسمعوا ما يُلقى فيها من دروس ومحاضرات علمية وتشريحية، لينقلوا بعد عودتهم إلى مواطنهم ما اقتطفوه من ثمار العلوم الطبية الحديثة.
وبهذه الكيفية، وبفضل الانتقال إلى قلب القاهرة بجوار الشعب، لم يعد انتشار العلوم الطبية مقتصراً على الداخل المصري، بل تحول قصر العيني إلى منارة تشع بنور العلم على سائر الأقطار والبلدان المحرومة منها، صانعاً نفوذاً علمياً وحضارياً عابراً للحدود، ومؤكداً أن قصر العيني عام 1837 لم يشهد مجرد انتقال جغرافي لمدرسة، بل شهد ولادة المحرك الأساسي للحداثة الطبية في الشرق الاوسط.





