محمد عز الدين الحجار يكتب :مسرح الشارع: بين إعادة إحياء المسرح الشعبي وكتابة تاريخ جديد
هناك لحظات في تاريخ المدن لا يمكن قراءتها من خلال خرائطها الرسمية، ولا عبر تقارير مؤسساتها الثقافية، ولا حتى من خلال بياناتها الإحصائية الصلبة. لحظات تتشكل بصمت، في الشوارع الجانبية، على أرصفة غير متوقعة، في ميادين صغيرة لا تلتفت إليها العدسات كثيرًا، واحدة من هذه اللحظات بدأت تتبلور في مصر منذ عام ٢٠١٠، حين أخذت مجموعات شبابية صغيرة على عاتقها نقل المسرح خارج جدرانه، وإعادة طرح سؤال بسيط في ظاهره، عميق في أثره: ماذا يحدث عندما يعود الفن إلى الشارع؟
لم يكن الأمر مجرد تجربة فنية جديدة، ولا موضة عابرة في سياق المسرح المستقل، بل كان تحولًا تدريجيًا في علاقة الفن بالمجتمع، وفي علاقة الشباب بالمدينة، وفي علاقة المواطن بالمجال العام نفسه، عندما صار الشارع فجأة، مكانًا يمكن أن يُحكى فيه، لا مجرد مكان يُمرّ عبره.
في مصر، ظل المسرح طويلًا مرتبطًا بمكان محدد: (خشبة، ستارة، جمهور يجلس في صفوف، وممثلون يؤدون أمامهم)، هذا الشكل، رغم أهميته التاريخية والجمالية، ظل يحمل في داخله نوعًا من المسافة الاجتماعية بين الفن والناس! فالمسرح، بهذا المعنى، كان حدثًا يُقصَد، لا تجربة تُصادَف.
لكن مع ظهور فرق مسرح الشارع الشبابية، تغيّر هذا الترتيب تمامًا، لم يعد الجمهور يذهب إلى المسرح، بل صار المسرح هو الذي يذهب إليه؛ صار ممكنًا أن تتوقف فجأة في طريقك إلى العمل، أو أثناء عودتك إلى المنزل، فتجد نفسك داخل عرض مسرحي من دون أن تخطط لذلك! هذا التحول البسيط ظاهريًا كان في الحقيقة تغييرًا جذريًا في معنى التلقي الثقافي، فحين يدخل المسرح إلى الشارع، لا يغير مكان العرض فقط، بل يغير طبيعة العلاقة بين الفن والحياة اليومية، ليصبح العرض جزءًا من إيقاع المدينة، لا استثناءً منه.
ما يميز تجربة مسرح الشارع الشبابي في مصر منذ ٢٠١٠ أنها لم تبدأ بقرار مؤسسي، ولا بخطة ثقافية رسمية، بل بدأت بمبادرات صغيرة، غالبًا بلا ميزانيات، وبلا تصاريح واضحة، وأحيانًا بلا جمهور متوقع! بدأت لأن مجموعة من الشباب شعرت أن لديها ما تريد قوله، لكنها لم تجد المكان المناسب لقوله داخل المؤسسات التقليدية، واللافت في هذا الجيل أنه لم ينتظر الاعتراف، ولا الدعم! ولم ينتظر أن يُدعى إلى المسارح! فقط اختار ببساطة أن يصنع مسرحه بنفسه، وفي المكان الذي يعيش فيه! وهنا تحديدًا تكمن أهمية التجربة، فهي لم تكن فقط تجربة فنية، بل كانت أيضًا تجربة اجتماعية في إعادة امتلاك المجال العام.
في المدن الكبرى، يتحول الشارع عادة إلى فضاء للحركة السريعة، للمرور، للضوضاء، للوظيفة اليومية، لكنه نادرًا ما يُنظر إليه بوصفه مساحة للتفكير أو التعبير أو الحوار، وهنا نجد أن ما فعلته فرق مسرح الشارع هو إعادة تعريف هذا الفضاء؛ حين يقف ممثل في ساحة صغيرة ليحكي قصة عن البطالة، أو عن الهجرة الداخلية، أو عن العنف الرمزي، أو عن العلاقات داخل الحي، فإنه لا يقدم عرضًا فقط، بل يعيد ترتيب علاقة الناس بالمكان الذي يقفون فيه، ليتحول الرصيف -فجأة- إلى منصة، والميدان إلى مساحة نقاش، والجمهور العابر إلى مشارك محتمل في حدث ثقافي حي، وهذه اللحظة، مهما بدت عابرة، تحمل أثرًا طويل المدى في إدراك الناس لمدينتهم وتفاصيلها الخاصة، وأحسبني منهم.
ليس من المصادفة أن يبدأ انتشار هذه الفرق في هذا التوقيت تحديدًا! فبداية العقد الثاني من الألفية كانت لحظة إعادة اكتشاف واسعة للمجال العام في مصر؛ الناس خرجت إلى الشوارع لأسباب سياسية واجتماعية وثقافية مختلفة، لكنها في الوقت نفسه اكتشفت أن الشارع يمكن أن يكون مكانًا للفعل الجماعي، لا مجرد مساحة عبور، وحينها وجد المسرح نفسه يعود إلى موقعه الطبيعي القديم: وسط الناس! والأهم أن هذه العودة لم تكن استعادة للماضي بقدر ما كانت إعادة ابتكار له، فمسرح الشارع الجديد لم يكن نسخة حديثة من الأراجوز أو شاعر الربابة، رغم تأثره بهما، بل كان محاولة لصياغة لغة أدائية معاصرة تستجيب لتحولات المدينة الحديثة.
من أكثر ما يميز مسرح الشارع أنه لا يخاطب جمهورًا محددًا مسبقًا، فالجمهور هنا ليس طبقة اجتماعية بعينها، ولا فئة عمرية بعينها، ولا حتى أشخاصًا قرروا مسبقًا مشاهدة عرض مسرحي، بل قد يكون عاملًا في طريق عودته من عمله أو طفلًا يلعب في الشارع أو امرأة تنتظر وسيلة مواصلات، والمؤكد أن هذا التنوع غير من طبيعة الخطاب نفسه! فالعرض لم يعد يمكنه الاعتماد على لغة نخبوية، ولا على إشارات ثقافية مغلقة، بل يحتاج إلى أن يكون قادرًا على التواصل المباشر والسريع مع أشخاص مختلفين تمامًا في خلفياتهم وتجاربهم، وهو المشهد الذي يتحول فيه المسرح إلى أداة مشاركة، لا مجرد أداة عرض.
أحد أهم التحولات التي أحدثها مسرح الشارع الشبابي هو إعادة تعريف دور الفنان نفسه، فلم يعد الفنان مجرد ممثل يؤدي نصًا مكتوبًا، بل أصبح وسيطًا ثقافيًا، ومنشطًا اجتماعيًا، وأحيانًا منظمًا لمبادرات محلية، وربما يكون ذلك نتيجة منطقية لما يحدث في كثير من الحالات، حين لا ينتهي العرض بانتهاء الأداء، بل يمتد ظله لحوار مع الجمهور أو ورشة صغيرة للأطفال أو نقاش حول قضية طرحها العرض! بهذه الطريقة يتحول المسرح إلى عملية مستمرة، لا حدثًا مؤقتًا، وقد ففتح هذا النوع من الممارسة أمام الفنان دورًا جديدًا داخل المجتمع؛ دورٌ أقرب إلى الفاعل المدني منه إلى المؤدي التقليدي.
عودًا على بدء، وعلى الرغم من أهمية هذه التجربة، فإنها ما تزال تعمل داخل ظروف غير مستقرة! ومعظم فرق مسرح الشارع الشبابية لم تمتلك موارد ثابتة، ولا بنية تنظيمية طويلة المدى، ولا دعمًا مؤسسيًا واضحًا، والكثير منها ظهر لفترة ثم اختفي أو تغيرت تشكيلاته سريعًا، ولربما كانت هذه الهشاشة -إن اعتمدنا هذا الوصف- نفسها أحد أسباب حيوية التجربة، لأنها سمحت بمرونة كبيرة، وبقدرة على التجريب، وبالتحرك خارج القوالب التقليدية للمؤسسات الثقافية، إذن، فالمشكلة ليست في الهشاشة نفسها، بل في غياب الإطار الذي يسمح بتحويل هذه الطاقة إلى بنية ثقافية مستدامة.
السؤال الحقيقي الذي تطرحه تجربة مسرح الشارع الشبابي ليس سؤالًا عن المسرح فقط، بل عن المدينة نفسها. أي مدينة نريد؟ مدينة تُستهلك فيها المساحات العامة بسرعة أم مدينة تُستخدم فيها هذه المساحات لإنتاج معنى مشترك؟ فحين يتحول الشارع إلى مكان يمكن أن يحدث فيه عرض أو حوار أو تجربة فنية جماعية، فإنه يجعل من المدينة محيطًا أكثر قابلية للحياة؛ تصبح أقل قسوة، وأكثر إنسانية، وأكثر انفتاحًا على سكانها، ولربما يكفي -من وجهة نظري- هذا التحول أن يكون هو الإنجاز الأكبر لهذه الفرق؛ لم تغيّر المسرح فقط، بل ساعدت، ولو قليلًا، في تغيير طريقة رؤيتنا للمدينة.
مع اقتراب الحديث من نهايته، أرى أن التحدي الآن ليس في إثبات أهمية مسرح الشارع، بل في التفكير في مستقبله! كيف يمكن دعم ما تبقى من فرق أو استيلاد جديد، من دون أن تفقد استقلالها؟ كيف يمكن إدماجها في السياسات الثقافية من دون أن تتحول إلى برامج بيروقراطية؟ كيف يمكن الحفاظ على روح المبادرة التي بدأت بها التجربة؟! والإجابة عن هذه الأسئلة ليست سهلة_بكل تأكيد- لكنها ضرورية! لأن ما بدأ منذ ٢٠١٠ لم يكن مجرد مرحلة عابرة في تاريخ المسرح المصري، بل كان إشارة إلى إمكانية بناء علاقة جديدة بين الثقافة والمجتمع، علاقة تبدأ من الشارع، لكنها لا تنتهي عنده، خصوصًا في المدن متعددة الطبقات الثقافية، كالقاهرة والإسكندرية، حيث يتغير كل شيء بسرعة! فلربما يكون وجود مجموعة صغيرة من الشباب تقف في زاوية شارع لتقدم عرضًا مسرحيًا بسيطًا هو أحد أكثر أشكال الأمل هدوءًا وجمالًا… وأكثرها تأثيرًا.
re




