الموسيقى الشعبية والمواويل: صوت الجماعة بوصفه مقاومة ثقافية وبنية للهوية السمعية
محمد عز الدين الحجار يكتب:-
حين يتجاوب الجسد الراقص مع طرب الإيقاع وتتمايل خطاه فوق فضاء الساحة الشعبية في تجلياته المختلفة، فإن الحركة لا تولد من فراغ صامت أو معزول بكل تأكيد، بل تتبع خطوات بنية صوتية بالغة العمق والتعقيد الهندسي والروحي في آن واحد، لذا إن أردنا الانتقال المنهجي من سيميولوجيا الجسد وحركيته إلى أنثروبولوجيا الصوت في دراسة المجال العام الشعبي، يُلزمنا التوقف الطويل والمتأمل أمام الجوهر الديناميكي للحركة وهي الموسيقى الشعبية والمواويل، فالصوت في الذاكرة الجماعية ليس مجرد نغمة جمالية عابرة أو ترف لا غاية منه، بل هو بمثابة وثيقة صوتية حية وجدارية تاريخية غير مرئية تحفر عليها الجماعة ملاحمها، آلامها، وانكساراتها، ومحاولاتها المستمرة لإعادة صياغة هويتها في مواجهة النسيان وأدوات السيطرة الثقافية والتغريب، لذا فإننا إذا فككنا البنية الموسيقية الشعبية تفكيكًا سيميائيًا، سنجد أن الآلة الموسيقية ذاتها تمثل علامة سيميائية كبرى مرتدة إلى البيئة المحيطة والنمط المعيشي والإنتاجي للجماعة، فالآلة الشعبية ليست أداة مصنعة على نحو عشوائي، بل هي امتداد عضوي للجغرافيا وسياقاتها الأنثروبولوجية، ويتضح هذا -على سبيل المثال- في آلة الربابة التي تعد شاعرة الصعيد بامتياز، إذ بتركيبتها البسيطة المستمدة تاريخيًا من ذيل الحصان وجلد الماعز وصندوق الخشب، تصدر نغمات مسترسلة وممتدة تحاكي بدقة امتداد الأفق وحرارة الفضاء المحلي؛ حيث يمثل صوتها المشروخ الركن السيميائي التأسيسي لشخصية الراوي، كما أنها الآلة الأقدر على حمل السير الطويلة كالسيرة الهلالية، حين يعمل أنينها المستمر والمنغم كخلفية صوتية محفزة في ذاكرة المستمع، وناقلة لشفرات الفروسية والحزن والشرف التي تشكل لاوعي الجماعة، وعلى النقيض من هذا السكون الممتد، تتبدى آلة السمسمية كقيثارة للمقاومة الساحلية في مدن القناة، بنغماتها السريعة، الحادة، والمبهجة التي تختزل علامات التكيف والصراع المتأجج على ضفتيها؛ حيث تحولت السمسمية عبر تاريخ هذه المدن من آلة للتسلية بين العمال والصيادين على ضفاف الميناء، إلى سلاح رمزي يلهب حماس المقاومين الشعبيين إبان فترات الحروب والتهجير القسري، غادية دليلًا واضحًا على حركية المدينة الساحلية وقدرتها على الاستجابة اللحظية للأزمة والرفض البصري والسمعي للانكسار، واستكمالًا لهذا الترابط الفطري بين الصوت والبيئة ننتقل مبحرين عبر آلات النفخ كالناي المزمار، خصوصًا هذه الثانية التي تمثل صوت الأرض والزراعة بارتباطها الوثيق بطقوس الجني والحصاد والزواج في الريف؛ حيث يعلن صوتهما النافذ والممتد بوضوح عن حدود الفضاء الاحتفالي، ممارسًا سلطة صوتية طاغية على المكان، ومعيدًا تثبيت الروابط العشائرية والقرابية تحت مظلة النغم المشترك.
عودًا على بدء، ننتقل إلى الموال الشعبي؛ ذلك الفن الذروة الأدبية والموسيقية للخطاب الشفاهي، فهو يتجاوز كونه قالبًا غنائيًا ليصبح تجليًا لفلسفة الوجدان الجمعي تجاه قضايا العدالة وتقلبات الزمن وأفعاله، وتظهر لنت البنية الفنية للموال بأشكالها المتنوعة لترتكز سيميائيًا على تقنية الجناس اللفظي والتلاعب بالمفردات، حيث يكمن المعنى العميق والسياسي أحيانًا خلف جداريات الرمز المزدوج والمعاني المبطنة التي لا تفهمها إلا الجماعة المستهدفة، وتبدأ المواويل غالبًا بآهة ممتدة ومشروخة، وهي ليست مجرد تعبير بيولوجي عن الألم الفردي، بل هي عتبة نصية وسيميائية تهيئ السامع للدخول في لحظة تطهيرية جماعية مشتركة تخفف من وطأة القهر الاجتماعي والنزوع نحو التهميش، وبالنظر والتمحيص في الأنثروبولوجيا التفكيكية للموال، نكتشف أنه يعمل كآلية نفسية واجتماعية للتخفيف من وطأة الضغوط الاقتصادية والسياسية، فالجماعة التي قد لا تملك وسيلة للمواجهة السلطوية المباشرة، تعيد إنتاج مظلوميتها التاريخية واليومية عبر الموال، محولة عجزها الآني إلى قيمة أخلاقية كبرى وهي الصبر والانتظار التاريخي للخلاص، مما يمنح الموال بعدًا نقديًا وسوسيولوجيًا يتجاوز حدود الطرب المجرد، ومع تعرضها -والموسيقى الشعبية- لمحاولات مستمرة من التهميش والإقصاء من قِبل المؤسسات الرسمية أو موسيقا النخبة التي كانت ترى في الفنون الشعبية درجات أدنى من التطور السلمي والموسيقي والنظري، إلا أن قوتها ظلت تكمن تحديدًا في طابعها الشفاهي المتوارث ومرونتها المذهلة في الانفلات من قوالب التدوين الصارمة والنوتة الموسيقية التي تسعى لتقييد النغم وحبسه في أطر أكاديمية جامدة، لذا احتفظت الموسيقى الشعبية بخصوصيتها الفذة؛ تتغذى على الطقس الاجتماعي اليومي المتجدد، وحاضرة بقوة في الأفراح، المآتم، الموالد، ومواسم الحصاد، وهذا التلازم الحتمي بين الصوت والحدث الاجتماعي يجعل من رصيد الأغنية الشعبية خندقًا دفاعيًا صامدًا للحفاظ على الخصوصية الثقافية للمجتمعات المحلية في عصر العولمة الجارف والاستهلاك السمعي السريع والمشوه.
إن العودة إلى الموال والآلة التراثية اليوم، يعد شكلًا من أشكال المقاومة الثقافية الهادفة إلى حماية السيادة السمعية للجماعات الشعبية وتثبيت حقها الأصيل في التعبير الذاتي عن هويتها المعرفية، وتأسيسًا على هذا النسيج الصوتي، التقط المخرجون والمسرحيون العرب الموسيقى والموال الشعبي ليكون المحرك السمعي والدلالي الأساسي للعرض المسرحي المعاصر. ففي تجارب مسرحية رائدة كالمسرح الملحمي العربي وفي عروض مخرجين وظفوا التراث بكفاءة، لم تعد الموسيقى مجرد مؤثر صوتي هامشي يوضع في الخلفية لملء الفراغ، بل تحول الموال إلى بنية درامية موازية للحوار ومفسرة له؛ يأتي المغني الشعبي أو الراوي ليقف فوق الخشبة حاملًا ربابته أو ممسكًا بآلته الإيقاعية، ليقطع الحدث الدرامي المتصاعد ويعلق عليه عبر موال يلخص الأزمة الأخلاقية للشخصيات أو يربط الحدث التراثي القديم بالواقع المعيش للمتفرجين في الصالة، وهذا التوظيف الذكي يكسر تمامًا الإيهام المسرحي التقليدي، ويفعل دور المتلقي ليحوله من مستهلك سلبي مستمتع بالنغم إلى شريك واعي يفكك دلالات الصوت والصورة معًا، مستدعيًا مخزونه الرمزي والجمعي المشترك لإنتاج المعنى النهائي للعرض، ومن هذا المنطلق علينا أن نؤكد على قيمة الموسيقى الشعبية والمواويل؛ حيث تمثل النبض الداخلي الذي يحفظ للجسد الراقص حركته المتزنة، وللحكاية الشفاهية بقاءها الحي في فضاء الذاكرة المشتركة ضد تجاعيد الزمن.





