د. مصطفى يونس أحمد يكتب : خيرنى تحيرنى “حيرة الأسرة المصرية بين الجامعات الحكومية والأهلية والخاصة
يقول المثل المصرى أو العربى القديم “من خيرك حيرك ” أو “اللي عايز تحيره خيره ” وهو مثل يعبر عن حالة التردد التي تصيب الإنسان عندما يوضع أمام خيارات متعددة تكون كلها جيدة ومقبولة، مما يصعب عليه عملية الاختيار ويجعله في حيرة من أمره .
والأمر كذلك عند الأسر المصرية التى لديها أبناء اجتازوا الثانوية العامة ، أو ما يعادلها من شهادات ؛ إذ خلق التوسع فى البرامج الجديدة والخاصة بــ “مصروفات” بالجامعات الحكومية ، وكذلك افتتاح العديد من الجامعات الأهلية ، والتوسع فى انشاء الجامعات الخاصة بما تضمه تلك التوسعات والافتتاحات من تخصصات جديدة تواكب وتؤهل لسوق العمل ، أقول أن ذلك كله قد خلق الكثير من الفرص والاختيارات امام هؤلاء الطلاب ، وهو أمراً “جيد” إلى حد كبير ، لا سيما إذا قيس بما كان متاحاً من فرص واختيارات وتخصصات قبل ذلك .
وفى الوقت الذى عكس فيه ما سبق تحولاً نحو تنويع مصادر التمويل وتقديم مسارات تعليمية مدفوعة بجودة متميزة ، ابقت الحكومة على مجانية التعليم العالي التى يكفلها الدستور، ولا تزال الجامعات الحكومية تقدم التعليم المجاني أو برسوم بسيطة .
ولا تزال الجامعات الحكومية تتميز بتكلفة مالية منخفضة ، وعراقة أكاديمية واعتراف واسع، وتجمعات طلابية ضخمة ، لكن ارتفاع حد التنسيق للقبول بها بشكل تنافسي شديد، وزحام وكثافة عالية داخل القاعات والمعامل، وأحياناً نقص في بعض الخدمات التكنولوجية الحديثة جعلها بعيدة المنال بعض الشيئ . اما الجامعات الأهلية ؛ فإنها تتميز بتنسيق أقل نسبياً من نظيرتها الحكومية، مع تبعيتها لإشراف الدولة ، كما أنها تضم برامج حديثة متطورة ومعامل مجهزة بشراكات دولية ، لكن مصروفاتها الدراسية مرتفعة مما يجعلهاعبئاً على الطبقة المتوسطة مقارنة بالحكومية ، وبالنسسبة للجامعات الخاصة ؛ فهى تتميز باستقلالية تامة، وتجهيزات فائقة الجودة وقاعات فخمة وكثافات طلابية قليلة، ومرونة أكبر في قبول المجاميع الأقل نسبياً ، لكنها الأغلى سعراً بفارق كبير، وتتطلب قدرة مالية مستمرة طوال سنوات الدراسة بجانب مصاريف الخدمات .
وامام ذلك أثير جدلاً ونقاشاً واسعاً بين منتقدى التحولات السابقة ومؤيدوها من المتخصصين وخبراء التعليم وغيرهم من المهتمين بالشأن العام ؛ إذ يرى المنتقدين أن ما حدث يمثل شكلاً من أشكال الخصخصة أو “تسليع التعليم”، لأنه يوجه جزءاً من طاقة وقدرات الدولة المالية نحو مسارات مدفوعة بدلاً من دعم وتوسيع الجامعات الحكومية المجانية بالكامل ، فى حين يرى المؤيدون أن الجامعات الأهلية تقدم خدمة تعليمية متقدمة تنافس الجامعات الخاصة لكن بتكلفة أقل، وتستوعب أعداداً إضافية من الطلاب بعيداً عن طاقة الجامعات الحكومية، دون المساس بحق القبول المجاني لمن يحصلون على المجاميع المطلوبة في التنسيق الحكومي الاعتيادي .
لكن الأمر عند الأسرة المصرية يختلف عنه عند المتخصصين ؛ إذ تضع الخيارات المتعددة بين الجامعات الحكومية، والأهلية، والخاصة في مصر الطالب وأسرته في حيرة بالغة، حيث تتعارض اعتبارات المجموع، والميزانية المالية، ومستوى التجهيزات الحديثة وسوق العمل .
ومع معرفة الأسر المصرية لمميزات التعليم الحكومى والأهلى والخاص وسلبياته ، ازداد ارتباكها ؛ إذ طغت الحسابات المادية على فكر تلك الأسر ؛ فمع إعلان تنسيق الجامعات الأهلية والخاصة بشكل منفصل ومستقل لأول مرة بالتزامن مع ارتفاع المصروفات الدراسية وضغط مجاميع الطلاب بالثانوية العامة أصبح ذلك الأرتباك واضحاً جلياً، مما جعل اختيار المسار التعليمي المناسب للأبناء أمراً شاقاً ومحفوفاً بالتوتر المالي والنفسي .
ذلك أن انفصال التنسيق وإعلان قواعد القبول بالجامعات الأهلية لأول مرة بشكل مستقل عن الخاصة أحدث تضارباً في المواعيد والقرارات ، كما أن المصروفات العالية وتكاليف الدراسة شكلت عبئاً مالياً ضخماً يرهق ميزانية الأسر بعد مشوار طويل من الدروس الخصوصية (فى الثانوية العامة ) ، كما خلق تفاوت الحدود الدنيا واختلاف نسب القبول بين الجامعات الأهلية الجديدة والجامعات الخاصة حيرة في تحديد الرغبات للطلاب ، وسط الخوف من ضياع الحلم التى سببتها صدمة المجاميع المرتفعة أو المنخفضة في الثانوية العامة ، مما وضع أولياء الأمور تحت ضغط اتخاذ قرارات سريعة ومكلفة.
وامام ارتفاع نسب القبول بكليات الطب والصيدلة والهندسة (التخصصات المطلوبة لسوق العمل والتى ينتظر خريجيوها عائداً مادياً عالياً منها ) بالجامعات الحكومية ، تصبح خيارات الأسرة المصرية ما بين الجامعات الأهلية التى يقصدها الطلاب الباحثين عن جودة تعليم حكومي بمصاريف قليلة نسبياً أو متوسطة مقارنة بالخاصة، وبتنسيق يبدأ بحد أدنى متغير حسب الكلية ، والجامعات الخاصة التى تلجأ لها الأسر العريقة أو القادرة لضمان تخصصات معينة، رغم الارتفاع الباهظ في المصروفات بالعملة المحلية أو الأجنبية .
هكذا تحيرت الأسر المصرية ما بين القبول بالأمر الواقع والدخول فى التخصصات الحكومية كلاً حسب مجموعه ، أو بذل المال فى البرامج ذات المصروفات ، وفى التعليم الاهلى والخاص والالتحاق بالتخصصات التى لم يستطيعوا الوصول إليه بمجموعهم ، أو التخصصات المطلوبة والمؤهلة لسوق العمل بشكل كبير ( لأنها تخصصات مختارة بعناية) ، ولا تزال تلك الحيرة مستمرة حتى يومنا هذا.
حفظ الله مصر وطلاب العلم فيها وشعبها وقادتها من كل مكروه وسوء.


