د. مصطفى يونس احمد يكتب : كليات القمة فى مصر قراءات تاريخية ورؤى مستقبلية
د. مصطفى يونس احمد يكتب : كليات القمة فى مصر قراءات تاريخية ورؤى مستقبلية
بدأت أول أمس الأربعاء 5 أغسطس 2026م المرحلة الأولى من تنسيق القبول بالجامعات المصرية 2026م ، وهى تلك المرحلة التى يلتحق من خلالها طلاب الثانوية العامة المصرية (الغالبية العظمى من الملتحقين بالجامعات المصرية) بكليات : الطب والتمريض والصيدلة والهندسة والحاسبات بالنسبة للشعبتين العلميتين(علوم ورياضة) ،وكليات: الاقتصاد والعلوم السياسية والأعلام والألسن بالنسبة للشعبة الأدبية ، وهى تلك الكليات التى يطلق عليها فى وقتنا الحاضر “كليات القمة” .
ومع قناعتى الشخصية المتواضعة، وقناعات الكثيرين فى مصرنا الحبيبة بعدم وجود كلية أو تخصص يمكن أن نطلق عليه “كلية قمة” ؛ إذ أن كل الكليات والتخصصات لها أهميتها ولا غنى للمجتمع عنها ، كما أن اطلاق المصطلح على بعض الكليات يعنى وجود كليات أو تخصصات يطلق عليها ” كلية وسط” و” كلية قاع” فى المقابل ، وأن كلية الوسط تأتى فى مرتبة أقل من حيث الأهمية ، وكلية القاع تأتى فى المرتبة الدنيا منهما .
لكن الواقع يقول أن نظرة المصريين للكليات من حيث أهميتها (كليات قمة ) ، أو قلة أهميتها “حسب منظورهم ” قد تغيرت أكثر من مرة ، ولأكثر من سبب ؛ منها ما يعود إلى العائد المادي والوظائف ، وارتباط الكلية المباشر بفرص السفر للخليج أو الدخل المرتفع ، ومنها كذلك ما يعود للــ “برستيج الاجتماعي” ، ووجود ثقافة الألقاب مثل “الدكتور” و”المهندس” في وجدان العائلات المصرية ، ومنها آخيراً ما يعود لتوجهات الدولة المصرية وما تفرضه خطط التنمية الاقتصادية والتعليمية واستجابة التنسيق لذلك .
كليات القمة منذ عام 1908
ومع اتفاقنا على عدم صحة تلك التصنيفات إلا أن الواقع التاريخى يؤكد على تغير مفهوم “كليات القمة” منذ نشأة الجامعة المصرية عام 1908 م ( وإن كانت المدارس العليا التى تشبه الكليات قد بدأت منذ عهد محمد على ) بشكل ملحوظ ؛ فمع تلك مثلت كليتى الحقوق والآداب ذروة الوجاهة والمكانة الاجتماعية وسيادة الدولة وكانتا هما كليتى “القمة” بالمفهوم الشعبى المشار إليه بعاليه لفترة من الزمان ، وتمتعت كلية الحقوق – بصفة خاصة – بتلك المكانة نظراً لارتباطها بالقضاء والسياسة وتشكيل الحكومات والطبقة الراقية في مصر فى تلك الفترة “شبة الليبرالية”.
وفى النصف الثانى من القرن العشرين وتحديداً مع ثورة يوليو1952م ومع اتجاه الدولة نحو التصنيع ، ارتفعت أسهم كليتى الهندسة والطب لتصبحا رمزاً حقيقياً للتفوق العلمي والمادي لصاحبهما تماشياً مع سياسة مصر ونظامها، ومع الوقت والتغيرات السياسية والإجتماعية انضمت اليهما كليات مثل الاقتصاد والعلوم السياسية والإعلام بالنسبة للقسم الأدبي، بينما حافظت كليات القطاع الصحى (الطب- الصيدلة – التمريض).
والقطاع الهندسى (الهندسة – التكنولوجيا- بعض تخصصات الفنون) على صدارة القسم العلمي بمجاميع تنسيق مرتفعة جداً ، وصار الإلتحاق بها مطلباً أسرياً ملحاً لتحقيق الغايات العلمية والمادية والإجتماعية المرجوة ، وفى عالمنا المعاصر ومع ثورة التكنولوجيا والذكاء الإصطناعى اتجه مفهوم كليات القمة نحو كليات الذكاء الاصطناعي والحاسبات والمعلومات بفضل التغيرات الاقتصادية ومتطلبات سوق العمل الرقمي الحديث .
الخروج من أزمة كليات القمة .
وللخروج من كل ذلك ؛ يجب تفنيد ما يتوهمه أولياء الأمور في مصر ، وما يحلمون به لأبنائهم من مستقبل والقاب “ الدكتور” و”الباشمهندس” ، بينما لا يعيرون اهتماماً لبقية المجالات ، كما يجب العمل على تغيير نظرتهم إلى هذا المصطلح الـــ “غير منضبط” على أساس انه “يضر” المجتمع أكثر مما ينفعه ؛ إذ أنه بأعتبار أن ما يطلق عليه “كليات القمة ” تستقبل الطلاب الأعلى مجموعاً والأكثر تحصيلاً للدرجات ، فإن غير ذلك من الكليات تستقبل الأقل فالأقل فى المجموع مما يؤثر بلا شك سلباَ على معنويات الطلاب وأولياء الأمور على حد سواء ، وكذلك يؤثر على همتهم فى التعامل مع مقررات كلياتهم التى يلتحقون بها.
كما يجب توجيه انظارهم من خلال الإعلام وكافة الوسائل التوجيهية إلى أثر بعض الكليات التى لا يطلق عليها كليات قمة فى المجتمع ، وهى كثيرة مثل كليات (اللغة العربية ، دارالعلوم – الآداب – التربية) وهى تلك الكليات التى يعلم خريجوها (الطبيب والمهندس والكيميائى والصيدلى) بل ويعلم (السفير والوزير ورئيس الجمهورية) ، كما أن كلية الحقوق –مثلاً- والتى تقبل الحاصلين على 60 % فى الثانوية العامة (أقل أو أكثر قليلاً ) هى الكلية التى تخرج وكلاء النيابة والقضاة العاملين فى السلك القضائى، وهم من هم من ناحية الوجاهة الاجتماعية أو النفوذ الوظيفى أو غيرها من الاعتبارات.
علينا – بناء على ما تقدم – تقويم هذه الثقافة المجتمعية ، التى لا تتفق مع متطلبات ومقومات نهوض الدول وتقدم الشعوب، وإيجاد آلية منضبطة تقيس قدرات الطلاب العلمية ومهاراتهم الشخصية، وتوجههم إلى اختيار الكليات المناسبة دون أن يكون معيار القبول هو المجموع الكلى( معيار القبول الحالى بالكليات التى يطلق عليها «كليات القمة» هو الدرجات المرتفعة بالثانوية) ؛ ذلك أنه ينبغى أن تكون ميول الطالب وقدراته العلمية ومهاراته الشخصية وعدم معاناته من مشكلة تعوق عمله بعد تخرجه، محل اعتبار وموضع اهتمام، كما أن على أولياء توجيه ذويهم إلى اختيار الكليات التى توافق ميولهم ورغباتهم حتى لو كانت أقل كثيرا من مجموع درجاتهم.
حفظ الله مصر وطلابها وشعبها وقيادتها جميعاً ، ووفقهم جميعاً إلى ما فيه الخير.





