د.عبير بسيوني تكتب : تفعيل دبلوماسية اللغة العربية بإقامة رابطة عالمية للعروبة
اللغة هي الوعاء الاجتماعي والثقافي والسياسي والدبلوماسي، وتعد الدبلوماسية في حد ذاتها لغة مستقلة بمصطلحاتها وادواتها وطريقتها النمطية في المراسلات والمفاوضات وبما تحويه من فنون للحوار وللمفاوضة وللإتيكيت والمراسم وغيرها من أدوات لتسهيل التواصل وحل النزاعات دون إثارة.
ولأهمية اللغة في الدبلوماسية من نقل روح الأمة بما تساهم فيه من إظهار القيم والثقافة الوطنية فقد تطورت اللغة الدبلوماسية لتصبح بعض اللغات هي بنفسها مجالا للدبلوماسية وجزء من الدبلوماسية الثقافية كفرع منها معروف باسم الدبلوماسية اللغوية Language Diplomacy.
اللغة الفرنسية
وأكبر مثال على ذلك اللغة الفرنسية، والذي أنشأت لها مجالا خاصا لممارسة الدبلوماسية فكانت اول من انشأ “الرابطة الفرنسية” Alliance Francaise ومنظمة الفرانكفونية الدولية، وهي منظمة تعنى بتعزيز التعاون السياسي والثقافي والاقتصادي بين الدول الناطقة باللغة الفرنسية حول العالم (تصم 93 دولة)، تأسست في 20/3/1970، ومصر عضو مؤسس فيها.
وقد استضافة مصر جامعة سنجور (الجامعة الدولية الناطقة بالفرنسية وهي الزراع التعليمي للتعاون الجامعي بين دول الفرانكفونية)، وكان للمصري دكتور/ بطرس غالي اول سكرتير عام منتخب للمنظمة (1997-2002).
وعنها قال الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتران: إن «فرنسا لم يبق لها من أدوات ريادتها العالمية إلا لغتها، التي هي اليوم محور نفوذها في ثلاث قارات كبرى”.
ودبلوماسية اللغة العربية هي نوع متميز من انواع الدبلوماسية اللغوية. واللغة العربية لغة الوطن والمكون الأساسي للهوية والانتماء. وهي محور تفاعلات التواصل بين أفراد المجتمع لتشكل شخصيته المستقلة.
اللغة العربية لغة تواصل واتصال
اللغة العربية لغة التواصل والتفاهم والاتصال، وحباها الله بأن جعلها لسان قرآنه الكريم، فقد انتشرت بانتشار الإسلام في بقاع العالم. والناطقون بالعربية من غير العرب، أحبوها، وتعلق بها المسلمون وأبدعوا فيها.
وقد صُنفت العربية بين اللغات السّتَ بالأمم المتحدة منذ1973، وفي أكتوبر 2012 قررت اليونسكو تكريس يوم 18 ديسمبر يوما عالميا للغة العربية، وظلت تحتل مرتبة مميّزة بين اللغات العالمية، فحافظت على كيانها وموقعها وأهميتها لم تتراجع.
وعلى مر القرون، كانت اللغة العربية وسيلةً لنقل العلوم والفلسفة والأدب، مما ساهم في تشكيل الهوية الثقافية للعالم العربي. وتُعتبر واحدةً من أكثر اللغات انتشارًا.
حيث تعد العربية من أقدم اللغات السامية، وهي لغة شعائر إقامة الصلاة للمسلمين ولدى عدد من الكنائس المسيحية، وبها كتبت أهم الأعمال الدينية والفكرية اليهودية، وأكثر لغات المجموعة السامية متحدثينَ، يتحدث بها أكثر من نصف مليار شخص من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي فهي جسر للتواصل السياسي والاقتصادي والثقافي والدبلوماسي، مما يجعلها ضروريةً لكل من يتعامل مع القضايا السياسية والإعلامية، سواء داخل العالم العربي أو خارجه، وبما يشكل الرأي العام.
وأثّرت العربية في كثير من اللغات الأخرى في العالم الإسلامي، كالتركية والفارسية، والكردية والأوردية والماليزية والإندونيسية والألبانية، وبعض اللغات الأفريقية كالهاوسا والسواحلية. والحرف العربي هو الحرف الذي اعتمدته معظم اللغات أو اللهجات المكتوبة (حوالي30 لغة)، وغير المكتوبة (التجرينية، والعفرية، والأورومية، وغيرها من بين 700 إلى 1000 لغة إفريقية محلية).
لكن مع دخول المستعمر الأوروبي إلى القارة الإفريقية، حصل تراجع في استخدام اللغة العربية والحرف العربي فيها. وتأثرت بعض اللغات الأوروبية وخاصة المتوسطية باللغة العربية أيضا خاصة كالإسبانية والبرتغالية والمالطية. لهذا تُدرس اللغة العربية في كثير من الدول الإسلامية والدول الأفريقية، كما تدرس في إسرائيل، وفي أهم الجامعات الأميركية.
وتُعد اللغة العربية ثاني لغة في كوريا الجنوبية. والصين تهتم بتعليم اللغة العربية على مستوى الجامعات وقد ساعد انتشار اللغة العربية وتصفحها في إدراج اللغة العربية في استخدامات الكومبيوتر والانترنت.
وتشير “دبلوماسية اللغة العربية” إلى استخدام اللغة العربية كأداة دبلوماسية رسمية وغير رسمية (بالدبلوماسية الثقافية وبالدبلوماسية العامة والاعلامية) لبناء جسور تواصل ثقافي وسياسي بين الدول والشعوب، ولتعزيز النفوذ الثقافي عبر الأدب والاعلام والتعليم، ولتعميق الهوية اللغوية بدعم استمرارية التراث في المحافل الدولية بتسهيل التواصل الدبلوماسي مع مجتمعات ناطقة بالعربية أو مهتمة بها، فهي أداة دبلوماسية ناعمة لتعزيز الحوار الثقافي وتقوية العلاقات الدولية.
والفكرة هي أن تعليم العربية لغير الناطقين بها لا يساعدهم على التحدث فقط، بل يفتح لهم نافذة على الثقافة والفكر العربي، مما يبني جسور تفاهم عميقة بين الشعوب. وتُمارس هذه الدبلوماسية بشكل عملي من خلال مبادرات وجمعيات متخصصة تهدف إلى نشر وتعزيز مكانة اللغة العربية عالمياً كأداة للحوار والتواصل.
تحديات تفعيل دبلوماسية اللغة العربية
إلا أن تحديات تفعيل دبلوماسية اللغة العربية كثيرة ورئيسية أهمها التنوّع اللهجي (حيث ان فروق اللهجات قد تعيق التواصل الموحد وتستلزم سياسات لغوية مرنة) إضافة إلى ضعف الموارد والتمويل المخصصة لبرامج الدبلوماسية اللغوية الفعّالة وكذلك ضعف التنسيق بين الجهات المعنية مثل وزارات الخارجية، الثقافة، والتعليم والمؤسسات الخاصة لتحقيق أثر متكامل وعدم اتخاذ خطوات عملية لتفعيل دبلوماسية اللغة بتحديد أهداف واضحة (كنشر اللغة، دعم التعليم، أو تعزيز صورة الدولة كراعية للغة العربية).
وبناء محتوى موجه (كبرامج تعليمية، وقنوات وبرامج ومنصات رقمية بالعربية تستهدف جماهير خارجية، وإنتاج إعلامي بالعربية الفصحى المبسطة)، واقامة شراكات دولية (بالتعاون مع جامعات ومؤسسات ثقافية لتوسيع الانتشار)، وبدعم برامج التعليم والتبادل الأكاديمي (بالمنح الدراسية، ودورات اللغة، وبرامج التبادل الطلابي والأكاديمي)، واقامة الفعاليات الثقافية (معارض كتب، مهرجانات سينمائية وموسيقية، مؤتمرات لغوية).
ثم قياس الأثر لتلك الخطوات (خاصة مؤشرات مثل عدد المتعلمين، التغطية الإعلامية، ومؤشرات الرأي العام).
ومن أهم الهيئات العاملة في مجال دبلوماسية اللغة العربية:
1-منظمة الإيسيسكو (مركز اللغة العربية) والتى تقوم ببناء قدرات تعليم العربية خارج العالم الإسلامي من خلال إطلاق دورات تدريبية للمعلمين في اليابان، بوركينا فاسو، تايلاند، وغيرها، وبرنامج “مشكاة” للتطوير المهني.
2- المنظمة العربية للدبلوماسية (AOD) وهي منظمة بتونس نشأت في تونس لمنطقة شمال افريقيا والشرق الأوسط تتبنى الدبلوماسية الثقافية وتمكين الشباب بتنظيم مؤتمرات وبرامج تدريبية عملية للشباب لتعزيز الحوار والسلام عبر الثقافة.
3- الجامعات والمعاهد المتخصصة في اللغة العربية وعلى رأسها الأزهر الشريف ومجامع اللغة العربية، واهمها مجمع اللغة العربية بالقاهرة-ثاني أقدم مجمع للغة العربية نشأ 1932 ويقيم مؤتمرا سنويا للغة يدعو له الآلاف- وكلية دار العلوم في مصر ومراكز دولية بالجامعات مثل:
مركز فيرتكس لتعليم العربية بجامعة فيرتكس- وهي جامعة امريكية وبالمملكة المتحدة تعتمد على دمج الذكاء الاصطناعي في التعليم، والتركيز على الدبلوماسية الثقافية، ومعهد الخرطوم الدولي للغة العربية، والمراكز الثقافية للغة العربية، كما قامت مصر بإنشاء مراكز ثقافية لتعليم اللغة العربية منها مركزين في نيجيريا وحدها.
والفرص متوفرة لنشر دبلوماسية اللغة العربية وفتح مجالات لتتمدد في العالم، وممكن أن يكون لها حضور فاعل في الدول الأفريقية، لتؤدي دورًا في الاستثمار الثقافي، وتجدد صلاتها التاريخية وتحيي حضور الثقافة العربية،مما جعل البعض يطالب بإقامة منظمة دولية-مكملة لجامعة الدول العربية- بإسم رابطة عالمية للعروبة ذات بُعد ثقافي عالمي تبنى على توسيع دائرة العروبة إلى المفهوم اللغوي والثقافي، لا بالمفهوم القومي الخاص وإنما من المنظور اللغوي والثقافي الأوسع الذي يربط المتحدثين بها، فيحافظ أهلها–على سبيل المثال لا الحصر- في حواضر تومبكتو (مالي) على اللسان العربي حتى الآن.
ومن هنا كلمة سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الوزراء لدولة الإمارات ووزير الخارجية والتعاون الدولي ورئيس مجلس التعليم والتنمية البشرية والمجتمع، على حسابه ب«تويتر»:”عندما نعبر بالعربي فإننا نقول للعالم: إننا فخورون بلغتنا، هي هوانا وهويتنا، بها عشقنا وافتخارنا، وبها تعبدنا وتعلمنا”.
س





