Uncategorized

نيڤين شحاتة تكتب: من يدفع فاتورة التعليم؟.. من «السبلايز» والرحلات إلى “غول ” الجامعات الخاصة

نيڤين شحاتة تكتب: من يدفع فاتورة التعليم؟.. من «السبلايز» والرحلات إلى "غول " الجامعات الخاصة

متى أصبحت فاتورة تعليم الأبناء بهذا الثقل؟ ومتى تحولت رحلة الأسرة مع التعليم من حلم بمستقبل أفضل للأبناء إلى معركة يومية مع المصروفات والالتزامات والقروض؟

من المدرسة التي تطلب مصروفات، إلى «السبلايز» والزي والأنشطة والرحلات، وصولًا إلى الجامعات الخاصة التي أصبحت مصروفاتها في بعض التخصصات والبرامج أرقامًا مرهقة، يبدو أن ولي الأمر أصبح أمام فاتورة تعليم لا تنتهي.

وتأتي واقعة المدرسة التي حصلت على بطاقات أولياء أمور وما أثير بشأن استخدامها في الحصول على قروض، لتفتح ملفًا أكبر بكثير من تفاصيل الواقعة نفسها: من يحمي الأسرة المصرية من الاستنزاف المالي باسم تعليم الأبناء؟

من بطاقة ولي الأمر إلى الإشراف المالي والإداري

واقعة الحصول على بطاقات أولياء الأمور وما أثير حول استخدامها في الحصول على قروض تظل تفاصيلها ومسؤولياتها محل فحص من الجهات المختصة، ولذلك يجب انتظار نتائج التحقيق وعدم إصدار أحكام مسبقة.

لكن الواقعة تطرح سؤالًا مهمًا حول حماية بيانات وأموال أولياء الأمور. فبطاقة ولي الأمر ليست مجرد قطعة بلاستيكية، وإنما ترتبط ببياناته وأمواله وخصوصيته، وأي استخدام لها يجب أن يكون واضحًا ومشروعًا وبموافقة صريحة.

وفي هذا السياق، جاء قرار وزارة التربية والتعليم بوضع المدرسة تحت الإشراف المالي والإداري، وهو إجراء يعكس أهمية الرقابة على الشؤون المالية والإدارية داخل المدرسة، ويساعد على فحص الإجراءات وتحديد المسؤوليات.

ووضع المدرسة تحت الإشراف المالي والإداري لا يعني إغلاقها أو تعطيل الدراسة، لكنه يعني عمليًا تقييد جانب من صلاحيات الإدارة وإخضاع قراراتها المالية والإدارية لمتابعة ورقابة الجهة التعليمية المختصة.

وبمعنى أبسط، تصبح المدرسة تحت «عين الرقابة»، إلى أن تتضح الصورة كاملة، ويصبح الهدف الأساسي هو حماية حقوق الطلاب وأولياء الأمور وضمان سلامة الإجراءات.

لكن إذا كانت واقعة البطاقات قد فتحت بابًا للحديث عن حماية ولي الأمر، فإن هناك ملفًا أكبر يطرق أبواب كل بيت تقريبًا: فاتورة التعليم المتصاعدة.

«السبلايز» والرحلات.. فاتورة تتوالد طوال العام

لم يعد ولي الأمر يدفع المصروفات الدراسية وينتهي الأمر.

هناك الكتب، والأدوات، و«السبلايز»، والزي المدرسي، والأنشطة، والرحلات، ومستلزمات أخرى قد تظهر تباعًا خلال العام.

وقد تبدو بعض هذه البنود بسيطة إذا نظرنا إليها منفردة، لكن المشكلة تظهر عندما تتجمع كلها فوق دخل الأسرة في وقت واحد.

والأصعب أن الأسرة قد لا تستطيع منذ بداية العام أن تعرف بالضبط كم ستدفع في النهاية.

وهنا يجب أن تكون هناك شفافية حقيقية؛ لأن ولي الأمر من حقه أن يعرف التكلفة المتوقعة كاملة، وليس فقط المصروف الأساسي، حتى يستطيع ترتيب ميزانية أسرته دون مفاجآت.

ثم يأتي «غول الجامعات الخاصة»

إذا استطاعت الأسرة أن تعبر سنوات المدرسة، فإنها قد تجد نفسها أمام اختبار أصعب بكثير عندما يصل الابن إلى الجامعة.

الجامعات الخاصة أصبحت بالنسبة لكثير من الأسر معركة مالية جديدة.

فالمشكلة ليست فقط في ارتفاع المصروفات، وإنما في أن بعض الأسر أصبحت تواجه أرقامًا كبيرة للغاية، خصوصًا في بعض الكليات والتخصصات والبرامج، إلى جانب مصروفات المواصلات والكتب والمستلزمات وربما السكن.

وهنا يتحول حلم الابن في الالتحاق بتخصص يحبه إلى حسابات مرهقة على مكتب الأب والأم:

كم سندفع؟

هل نستطيع الاستمرار أربع سنوات؟

ماذا لو زادت المصروفات؟

وماذا عن باقي الأبناء؟

وهل نضطر إلى الاقتراض؟

أسئلة أصبحت حاضرة في بيوت كثيرة.

ولا يمكن أن نلوم أبًا أو أمًا على رغبتهم في توفير أفضل فرصة تعليمية لأبنائهم، لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح بقوة هو:

هل من الطبيعي أن تستهلك سنوات الدراسة الجامعية مدخرات الأسرة أو تدفعها إلى الاقتراض المستمر؟

التعليم استثمار، نعم، لكن الاستثمار لا يعني أن تتحول الأسرة إلى أسيرة للديون.

الأبناء لا يجب أن يكونوا سببًا في إنهاك الآباء

الأصعب أن ولي الأمر غالبًا لا يستطيع أن يقول «لا».

عندما يتعلق الأمر بمستقبل ابنه، يصبح الرفض صعبًا، ويشعر الأب والأم أن أي تقليل في الإنفاق قد يعني التضحية بمستقبل الابن.

وهنا تحديدًا يجب أن تكون هناك مسؤولية مجتمعية وأخلاقية.

لا تجعلوا خوف الأب على مستقبل ابنه بابًا مفتوحًا لاستنزاف الأسرة.

المدرسة لها تكاليفها، والجامعة لها تكاليفها، لكن الأسرة أيضًا لديها طاقة محدودة.

ولا يجوز أن تصبح القدرة على الدفع معيارًا لجودة الأب أو الأم.

نحتاج إلى «الرفق بولي الأمر»

نحن بحاجة إلى ثقافة جديدة في التعامل مع الأسرة، عنوانها:

الرفق قبل الربح

الرفق لا يعني إلغاء حقوق المدارس أو الجامعات أو تجاهل تكاليف التعليم، وإنما يعني الشفافية في تحديد المصروفات، وعدم تحميل الأسرة أعباء غير ضرورية، ومراجعة البنود الإضافية، وإتاحة حلول عادلة للأسر التي تواجه ظروفًا مالية صعبة.

كما يجب أن يعرف ولي الأمر منذ البداية التكلفة الحقيقية والمتوقعة للعام الدراسي، والأفضل أن يعرف كذلك طبيعة الزيادات المحتملة في السنوات التالية، خصوصًا في الجامعات التي تستمر الدراسة فيها عدة سنوات.

فالأسرة تحتاج إلى التخطيط، وليس إلى المفاجآت.

حماية بيانات ولي الأمر أيضًا مسؤولية

ولا يمكن أن نتحدث عن حقوق أولياء الأمور دون الحديث عن حماية بياناتهم ومستنداتهم.

واقعة بطاقات أولياء الأمور تذكرنا بأن الثقة بين الأسرة والمؤسسة التعليمية مسؤولية كبيرة.

ولي الأمر عندما يسلم مستندًا أو بيانات للمدرسة، يفعل ذلك على أساس أنه يثق في استخدامها في الغرض المحدد، ولذلك يجب أن تكون هناك ضوابط صارمة تمنع إساءة استخدام أي بيانات أو مستندات مالية أو شخصية.

نحتاج إلى ميثاق واضح

ربما آن الأوان لوضع «ميثاق للرفق بولي الأمر» يضمن الشفافية والوضوح في المصروفات، ويحمي بيانات الأسر، ويضع قواعد واضحة للأنشطة والرحلات والمستلزمات، ويضمن وجود رقابة فعالة على الأمور المالية والإدارية.

وفي الجامعات الخاصة، تصبح الحاجة أكبر إلى الوضوح؛ لأن الأسرة لا تدفع مبلغًا بسيطًا ليوم أو شهر، وإنما تلتزم بمصاريف قد تمتد لسنوات.

ولي الأمر من حقه أن يعرف: كم سيدفع؟ وماذا سيحصل في المقابل؟ وما الزيادات المتوقعة؟ وهل هناك بدائل؟

هذه ليست أسئلة رفاهية، وإنما حقوق طبيعية للأسرة.

من يدفع الفاتورة؟

في النهاية، القضية ليست حربًا على التعليم الخاص، ولا اعتراضًا على حق المدارس والجامعات في الحصول على مقابل عادل لخدماتها.

القضية هي التوازن.

فالمدرسة لها حقوق، والجامعة لها حقوق، لكن ولي الأمر له حقوق أيضًا.

والأسرة التي تنفق معظم دخلها على التعليم قد تضطر إلى التضحية باحتياجات أخرى، أو اللجوء إلى القروض، أو تأجيل خططها، أو استنزاف مدخراتها التي كان من المفترض أن تكون سندًا لها في المستقبل.

ولهذا، فإن واقعة بطاقات أولياء الأمور يجب ألا تمر باعتبارها واقعة منفصلة عن الواقع الاقتصادي الذي تعيشه الأسر.

المطلوب ليس فقط معرفة ماذا حدث، وإنما أن تكون الواقعة جرس إنذار لإعادة النظر في العلاقة بين المؤسسة التعليمية والأسرة.

ولي الأمر ليس «ماكينة دفع»، والتعليم ليس سباقًا في من يستطيع أن يدفع أكثر، والطفل لا يجب أن يكون هو الطرف الذي يدفع ثمن الضغوط المالية.

من «السبلايز» والرحلات إلى مصروفات الجامعات الخاصة.. فاتورة التعليم أصبحت بحاجة إلى وقفة حقيقية.

نريد تعليمًا قويًا ومتميزًا، لكننا نريد معه شفافية ورقابة ورحمة بأولياء الأمور.

فإذا كان التعليم يبني مستقبل الأبناء، فلا ينبغي أن يهدم في طريقه استقرار الآباء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى