بريهان أحمد تكتب: نزاع حلايب وشلاتين “على أوتار الباسنكوب” رواية لعبدالرحمن شاكر

في عام 2021 عقدتُ العزم على وضع خطةٍ بحثية تُعنى بدراسة العبودية والإبادة العرقية في الرواية العربية، من منظورٍ ثقافي يتخذ من نماذج مختارة روائيًا للفحص والتحليل السردي. وقد تناولتُ في تلك الدراسة طائفةً من الروايات التي استحضرت تاريخ الاستعباد وبلاد السواحل، مثل إرتريا، وفاتاتور، وبلاد النهرين، وطوكر، والنوبة، وغيرها؛ وذلك ابتغاء نيل الدرجة العلمية في الدكتوراه. وكان الغرض الأسمى من هذا الجهد تسليط الضوء على حياة القبائل ومسارات ترحالها، وما اقترف في حقها من اعتداءات شنّها قراصنة السواحل، وتجار العبيد، وشركات الاتجار بالبشر، خلال المدة الممتدة من عام 1881 إلى عام 1889.

ويُضاف إلى ذلك كشفُ المستور عن تاريخٍ طال عليه الصمت، تمثّل في قيام جانبٍ من الاقتصاد العثماني على تجارة العبيد من أصحاب البشرة السوداء. ومن خلال الاطلاع على المراجع والكتب البحثية الموثوقة والخرائط، تبيّن لي تاريخ تلك القبائل، ووقفتُ على أصول السحنات السودانية وتحوّلاتها، بدءًا من النوبة إلى الأراضي السودانية، فضلًا عن النزاع القائم في الدراسات السودانية حول تاريخ حلايب وشلاتين وأحقية الانتساب إليهما. ومن ثمّ، غدا التنويه بأهمية هذا التاريخ أمرًا لازمًا، لندرة البحث فيه، وقلّة من طرق أبوابه من الدارسين. ومن الناحية النقدية، تكشف الدراسة أن الرواية العربية حين عادت إلى هذه القبائل، لم تكن تستدعي الماضي للزينة السردية، بل لتفكيك خطاب الاستعلاء العرقي، وفضح ما مورس بحق الإنسان صاحب البشرة السوداء من تنميط وقهر ومحو رمزي. فالقبائل السودانية في النصوص المختارة تظهر بوصفها ضحية التاريخ تارة، وصاحبة مقاومة وصمود تارة أخرى، حاملةً لذاكرة الألم وحقّها المشروع في السرد والاعتراف. ومن هنا تتأكد أهمية البحث في هذا الحقل النادر، لأنه يعيد للمنسيّين أصواتهم، وللتاريخ صفحاته التي طواها الصمت.

تجدد اللقاء معيّ، وكأن الزمان يدور في حلقة دوران تاريخية وزمنية غريبة. أثناء تجولي في معرض القاهرة الدولي للكتاب لعام 2026، وتحديدًا يوم الجمعة، وقفت أمام دار كيان للنشر، فوجدت غلاف رواية جذابًا؛ إذ يتشح الغلاف بأفقٍ صحراويٍّ فسيح، تنساب فوقه زرقة السماء الصافية في تدرّج آسر يوحي بالرحابة والحرية. وفي قلب المشهد يقف رجلٌ من الخلف فوق صخرةٍ عالية، متشحًا بثوبٍ أبيض وسترةٍ داكنة، باسطًا ذراعه إلى السماء، رافعًا سيفًا يلمع كأنّه نداءٌ قديم للكرامة أو صرخةٌ في وجه العصور، وفي يده اليسرى آلة الباسنكوب. تحيط به جبالٌ شامخة ذات ملامح وعرة، تتوهج جوانبها بألوان الغروب الذهبية، فتمنح المكان مهابةً ودفئًا في آنٍ واحد، بينما تمتد الأرض القاحلة أمامه كصفحة تاريخٍ مثقلة بالأسرار والحكايات عن قبائل البجا التي سكنت حلايب وشلاتين. ويبدو الرجل وحيدًا، غير أنّ وقفته الممشوقة توحي بأنّه يحمل إرث أمةٍ كاملة، وأنّ خلف هذه العزلة بطولةً كامنة وصراعًا لم يخمد. أما العنوان، فقد خُطَّ بحروفٍ بيضاء كبيرة تنبض بالقوة والحركة، كأنها نُقشت على الهواء، فجاء منسجمًا مع روح المشهد، حيث يتعانق السكون مع التمرّد، والجمال مع الشموخ، ليقدّم غلافًا يثير الفضول ويدعو القارئ إلى اقتحام عالم الرواية منذ النظرة الأولى.

- العنوان عتبة الدخول للنص:
يستدعي عنوان الرواية “على أوتار الباسنكوب” لكاتبها الشاب عبدالرحمن شاكر، آلةً تراثية ذات جذور سودانية ونوبية، بما تحمله من رمزية تتجاوز كونها أداة موسيقية إلى وعاءٍ للذاكرة الشعبية. وهي آلة وترية تُشبه الطنبور في بنيتها، وتقوم غالبًا على خمسة أوتار، وإن اختلف عددها تبعًا للبيئة والصانع. ولا يختار الكاتب هذا الاسم اعتباطًا، بل يجعل من الأوتار استعارةً لتشابك المصائر وتعدّد الأصوات داخل النص، وقسّم فصول روايته الخمسة تبعًا لأوتار هذه الآلة الوترية: “الوتر الأول (جبل علبة يبعث نغمة الحياة) – الوتر الثاني (يبعث نغمة الحب في حميثرة سوف ترى) – الوتر الثالث (يبعث نغمة الألم – الرحيل) – الوتر الرابع (يبعث نغمة الحلم – كالبجا) – الوتر الخامس (يبعث نغمة الفرح – العودة)”. فكل وترٍ يبدو كأنه نبرة من نبرات الألم أو الحنين أو المقاومة. ومن ثمّ يتحول العنوان إلى مفتاح جمالي يربط السرد بإيقاع الهوية ووجدان المكان، أضف وسم الغلاف بالعلامة الحمراء المكتوب عليها ” رشحت الرواية للقائمة الطويلة لجائزة كتارا 2024 فئة الرواية غير المنشورة” وبكل شفافية الرواية تستحق؛ لأنها عملا بحثيًا غارق في التفاصيل التاريخية التي لا تنفصل عن تقنيات السرد عالية الجودة.

- بارعة السرد.. وتصاعد الأحداث.. وتسلسل الحبكة الروائية:
تفتتح الرواية مشهدها الأول من سفح جبل علبة، ذلك الموضع الذي لا يبدو مجرد مكان جغرافي، بل يتجلى بوصفه بوابةً رمزية يدخل منها القارئ إلى عالم تتعانق فيه الأسطورة بالتاريخ، والطبيعة بالذاكرة. فالجبل هنا شاهدٌ صامت على تعاقب الأزمنة، وحارسٌ قديم لأسرار الأرض وسير القبائل، ومن علُوّه تبدأ الحكاية كأنها انبثاق صوتٍ خرج من صخر القرون؛ ليعيد سرد ما حاول النسيان طمسه. ومن هذا الأفق يولد طاهر في أقصى جنوب شرق مصر، على أرض حلايب، حيث تعيش قبيلته؛ قبيلة البجا التي اعتادت أن تُعرّف نفسها بالأرض والعادات، لا بالحدود ولا بالهويات. هناك، في تلك الأودية، كانت الحياة تسير على نغمات الباسنكوب وإيقاع المطر؛ إن هطل عاشوا، وإن غاب بدأ اليأس والترحال.

وتنصرف الرواية بعد ذلك إلى رسم ملامح الأعراف القبلية، فتقدّم صورة دقيقة للبنية الاجتماعية التي نسجت حياة الناس في تلك الربوع بين الجبال. فهي لا تكتفي بذكر العادات والتقاليد، بل تكشف كيف تحولت تلك المواضعات إلى قوانين أخلاقية غير مكتوبة، تنظّم العلاقات، وتحفظ التوازن، وتصوغ معنى الشرف والانتماء. ومن خلال هذا التناول، يكتسب المجتمع القبلي حضوره الإنساني الكامل، بعيدًا عن الصور النمطية التي كثيرًا ما اختزلته في البداوة أو الهامشية. ولهذا يبدو انقسام القبيلة لاحقًا أكثر قسوة، إذ لم ينقسم الناس وحدهم، بل انقسمت الخيمة الواحدة بين البقاء والرحيل بحثًا عن الماء والعشب، وتصدّعت الروابط أمام ضغط القرار السياسي.

وفي منحى آخر، تتناول الرواية كيفية اختيار شيوخ القبائل، فتبرز قيمة الحكمة والمهابة والخبرة بوصفها أسسًا للقيادة، لا مجرد النسب أو القوة. ثم تمتد إلى منطقة حلايب وشلاتين، فتستدعي تاريخ الاتفاقيات والنزاعات الإدارية والسياسية التي تعاقبت عليها بين الإدارة المصرية والسودانية، كاشفةً أن الأرض لم تكن مجرد مساحة متنازع عليها، بل موطنًا للناس، ومسرحًا لذاكرة ممتدة أرهقتها الحدود الحديثة وصراعات الدول. وتبلغ هذه التحولات ذروتها حين تبدلت الأحوال برحيل السودان وتولّي مصر حكم المنطقة، فلم تعبأ القبيلة في البدء بما يدور بين الحكومات، حتى وصل التغيير إلى خيامهم؛ فطُلب منهم استخراج هويات إن أرادوا البقاء في أوديتهم، أو الرحيل جنوبًا.

كما تمنح الرواية مساحة ثرية لتاريخ البجا وشعوبهم، فتستحضر روايات النسب القديمة التي تربطهم بذرية نوح عليه السلام ، بما تحمله هذه السرديات من نزوع إلى تأصيل الجذور وإضفاء الهيبة التاريخية. وتلتفت كذلك إلى لغتهم البجاوية “البداويت”، بوصفها خزينةً للهوية ووعاءً للوعي الجمعي، في مواجهة محاولات التهميش أو الذوبان. فاللغة هنا ليست أداة تواصل فحسب، بل حصنٌ ثقافي يقاوم الفناء ويصون الذاكرة من التبدد، ولهذا يصبح الصراع في الرواية صراعًا على البقاء الرمزي بقدر ما هو صراع على الأرض.

أما خط السير الممتد من حلايب إلى قرية الجاهلية ثم أبرق ثم يوب، فيأتي داخل الرواية كرحلة تتجاوز التنقل المكاني إلى اكتشاف الذات والموروث. فكل محطة تبدو كأنها فصل من كتاب الأرض، يحمل نكهته الخاصة، وأسماءه، ووجوهه، وأحزانه. وهكذا يتحول الطريق إلى سردية موازية، تمضي بالشخصيات كما تمضي بالقارئ نحو فهم أعمق للمكان، حيث الجغرافيا ليست تضاريس صامتة، بل ذاكرة تمشي على قدمين. وفي قلب هذه الرحلة يقف طاهر في المنتصف؛ يرى طريقًا ترفضه عائلته، لكنه يُجبَر على الخضوع لقرارهم، ليبدأ رحلته الطويلة مع التجنيد، والمواجهة، والرحيل، ومحاولات الهروب، فقط ليُثبت لهم، مع مرور الوقت، أن قرارهم لم يكن صائبًا، ويجبرهم بحيلة ذكية على التراجع والعودة إلى قراره.
- النزاع القائم بين مصر والسودان والاتفاقية الثانية عام 1899 وتمزيق الانتماء:
لا تتعامل الرواية مع النزاع القائم بين مصر والسودان بوصفه حدثًا سياسيًا عابرًا، بل تنفذ إلى جوهره الإنساني، حيث يصبح الخلاف على الخرائط سببًا لارتباك المصائر وتمزق الانتماءات. فهي تستدعي جذور المسألة منذ الاتفاقية الثنائية بين مصر وبريطانيا عام 1899، حين رُسمت الحدود وفق اعتبارات الإدارة الاستعمارية أكثر مما رُسمت وفق حركة الناس وامتداد القبائل. ومن هنا بدا المثلث الحدودي، وفي القلب منه حلايب وشلاتين، منطقةً تتنازعها الأوراق الرسمية، بينما ظل أهلها يرونها وطنًا سابقًا على الترسيم، وأوسع من القرارات.
وتكشف الرواية أن الإدارة التي أُنيطت في مراحل مختلفة بالحكومة السودانية لم تُنهِ التوتر، بل عمّقت الإحساس بأن الأرض تُدار من فوق، بينما أهلها يعيشون أسفل وطأة القرارات. لذلك يجيء الموقف القومي لاحقًا، حين اختار الرئيس جمال عبد الناصر إيقاف مسالك الدماء ورفض محاربة الأشقاء، بوصفه لحظة وعيٍ أدركت أن الأخوّة بين الشعبين أرسخ من نزاع سياسي طارئ، وأن البنادق لا تصلح للفصل فيما تعجز عنه الحكمة. وهكذا تمنح الرواية السياسة بُعدًا أخلاقيًا، فلا تجعلها صراع سيادة فحسب، بل اختبارًا للضمير والتاريخ.

وفي موازاة هذا الخط السياسي، تعود الرواية إلى شعب البجا، لا باعتبارهم هامشًا في النزاع، بل جوهر الحكاية وروح المكان. تستحضر الروايات الشفوية التي تربطهم بذرية نوح، بما في ذلك من نزوع إلى تأصيل القدم والرسوخ، وتصفهم بأنهم من أقدم شعوب إفريقيا، قومٌ ذاق الرومان على أيديهم ويلات الهزائم، فتركوا في التاريخ أثر المقاتل الحر الذي لا ينحني. وبهذا التناول، تعيد الرواية الاعتبار لشعب كثيرًا ما ذُكر في الهوامش، بينما هو في الحقيقة أصلٌ من أصول الجغرافيا والتاريخ.
كما تلتفت إلى لغتهم البجاوية، تلك اللغة التي تبدو في النص أشبه بنهرٍ سري يجري تحت رمال الصمت، حاملةً ذاكرة الأجداد وأسماء الأمكنة وأناشيد البقاء. فاللغة هنا ليست وسيلة تخاطب، بل راية هوية، ومقاومة ناعمة في وجه الذوبان. ومن خلال شخصيات مثل حمزة البكري وعبد الحكيم والشيخ بريكان، تمنح الرواية لهذه البيئة وجوهًا نابضة، فيغدو الأشخاص امتدادًا للأرض، وتغدو الأرض مرآةً لصلابتهم وحنينهم.
أما خط السير الممتد من شلاتين إلى حلايب ثم القرى المتناثرة على الطريق، فيتحول إلى رحلة داخل الجسد الجغرافي للمنطقة. كل محطة تحمل طبقة من التاريخ، وكل اسم ينهض من التراب كأنه شاهد على زمن لم يمت. وهكذا لا يصبح الطريق مجرد انتقال بين أماكن، بل عبورًا بين هويات متشابكة، حيث تتجاور مصر والسودان في الوجدان، وتظل القبائل أصدق من الحدود، وتبقى الأرض أكبر من كل نزاع.
- بين الوطن والرحيل وحلم العودة :
في الوتر الرابع، نغمة الحلم – كالبجـــا ، ترتفع الرواية من مستوى الحكاية الفردية إلى أفق الصراع الجمعي، حيث يتجاور الحلم مع القلق، وتتماس الرغبة في الاستقرار مع قسوة الواقع الحدودي. هنا يصبح التوتر القائم بين الجيشين المصري والسوداني أكثر من مجرد احتكاك عسكري؛ إذ يتبدّى بوصفه انعكاسًا لارتباك تاريخي طويل، جعل الأرض الواحدة ساحةً لتعدد الولاءات وتضارب الرايات. فالرواية لا تنشغل بسطح النزاع، بل تنفذ إلى أثره العميق في نفوس البسطاء الذين وجدوا أنفسهم فجأة بين قوتين، دون أن يُسألوا إلى أي جهة ينتمون.

وتزداد هذه المأساة وضوحًا حين ترصد الرواية الانتقال القاسي بين الهويات، والصراع الذي نشأ بين القبائل البجاوية والحدود المصطنعة التي فرضتها الدولة الحديثة. فالقبائل التي عاشت قرونًا تتحرك بحرية بين الأودية والجبال، أصبحت مطالبة بأن تختار هوية ورقية تختزل وجودها الواسع. وهكذا يتحول سؤال الجنسية إلى جرحٍ وجودي: هل يكون الانتماء إلى الأرض، أم إلى الوثيقة؟ وهل تستطيع الأوراق الرسمية أن تمحو ذاكرة القبيلة التي سبقت الخرائط والحدود؟
ومن خلال شخصية ظاهر بن غياث بن عبد الحكم، تكثّف الرواية هذا التمزق الإنساني؛ إذ تصوّر محاولته الهرب نحو الحدود السودانية، قبل أن يجد نفسه مجندًا قسرًا، مسلوب الإرادة، مأخوذًا إلى معركة لا تخصه. وتغدو قصته صورة رمزية لإنسان البجا الذي سُلب حق الاختيار، وأُجبر على حمل السلاح ضد منطقه الفطري القائم على السلم والترحال. فالتجنيد هنا ليس إجراءً عسكريًا فحسب، بل انتهاكٌ لبنية اجتماعية كاملة، تقوم على الاستقلال، والعيش الحر، والانصات إلى إيقاع الطبيعة لا أوامر الثكنات.
وتقدّم الرواية وصفًا بالغ الحساسية لحياة البجا، أولئك الذين يعيشون بين أودية الجبال والخيال، لا يملكون هويات واضحة، ولا يخرجون من عزلتهم إلا لضرورة قاهرة. إنهم بشرٌ خارج الحسابات الحديثة: لا تأمين صحي، ولا تمثيل سياسي، ولا حضور في انتخابات المجالس والرئاسة. ولهذا يبدو اختيار الجنسية المصرية، أو الرحيل جنوبًا نحو السودان، قرارًا مشوبًا بالمكاسب والخسائر معًا؛ فالبقاء يمنح بعض الاستقرار، لكنه يهدد الروح القديمة، والرحيل يمنح امتدادًا قبليًا، لكنه قد يضعهم غرباء في أرض جديدة.

وتكشف الرواية بذكاء عن مزايا الرحيل وعيوبه، فتشير إلى أن مغادرة جبل علبة قد تخلّصهم من عناء الترحال القاسي، لكنها لا تضمن قبول المجتمع الآخر لهم، كما أن تركهم مصر قد يدفعهم إلى ذوبان هويتهم بين بجا السودان وبجا إرتريا. وفي المقابل، فإن البقاء في رأس حدربة تحت الإدارة المصرية يمنحهم شكلاً من الاستقرار القانوني، لكنه لا يداوي الجرح الأعمق: جرح الانقسام الداخلي بين الإنسان وأرضه.
أما الوتر الخامس، نغمة الفرح والعودة، فيأتي كخاتمة وجدانية تعيد للروح توازنها بعد طول شتات. فالرواية تفتح باب الحوار حول القبائل والترحال، وتدين التجنيد القسري الذي فُرض على البجا داخل الجيش السوداني، بوصفه مناقضًا لعقائدهم وعاداتهم وتقاليدهم. ثم تمضي نحو ذروة رمزية حين تعلن العودة إلى أرض الوطن، باعتبار الأرض بجاوية الأصل، لا سودانية ولا مصرية، بل سابقة على هذا التصنيف كله.
وفي لحظة الاعتراف الأخيرة، يعود البطل إلى أهله وقبيلته بعد قسوة الرحيل والمنفى، فتغدو العودة انتصارًا للذاكرة على القهر، وللإنسان على الحدود. ولا تغفل الرواية كذلك عن الإشارة إلى تهريب الأسلحة عبر الأودية والممرات الخفية، وإلى رفض القبائل البجاوية لهذه التجاوزات القانونية، في تأكيد واضح أن أهل المكان ظلوا أوفى للأرض من تجار الحروب، وأصدق من سماسرة الفوضى. وهكذا تنتهي الرواية وقد جعلت من البجا رمزًا للكرامة، ومن العودة نشيدًا أخيرًا للفرح المستعاد.
وفي ختام هذه الرحلة السردية، لا يسع القارئ إلا أن يعلن افتتانه بالشخصيات التي صاغها الكاتب بمهارة وصدق إنساني نادر. فقد جاءت شخصية طاهر نابضة بالحياة، ممتلئة بالصراع الداخلي والعناد النبيل، حتى بدا بطلًا يحمل همّ الأرض والهوية والحب معًا. أما قصته مع مسك، ابنة الشيخ ركن الدين، فقد أضفت على الرواية مسحة وجدانية آسرة، حيث جاء الحب بينهما كزهرة تنبت في تربةٍ قاسية، تمنح السرد دفئًا وعذوبة وسط صخب النزاعات والترحال.
ولا تقلّ علاقة الصداقة المتينة بين طاهر وعبدون أثرًا وجمالًا، إذ قدّمت الرواية نموذجًا نادرًا للوفاء والمؤازرة، حيث يصبح الصديق سندًا في وجه القسوة، ومرآةً يرى البطل فيها ذاته حين تشتد عليه العواصف. ومن أجمل ما يلفت الانتباه في هذا العمل ذلك الحس الثقافي الدقيق في إطلاق الأسماء؛ إذ يُنادى الغريب باسم موطنه أو منطقته، بينما يُذكر البجاوي باسمه ونسبه، في إشارة عميقة إلى مركزية الأصل والانتماء في الوعي الجمعي لتلك البيئة.
لقد بذل الكاتب – عبد الرحمن شاكر- جهدًا واضحًا في تشييد هذا العالم الروائي، سواء في بناء الشخصيات، أو استحضار التفاصيل التراثية، أو نسج الخلفية التاريخية والسياسية دون افتعال. فجاءت الرواية ثرية بالمعلومات، نابضة بالمشاعر، ومشدودة الخيوط من أول صفحة إلى آخرها. وهي بحق رواية تستحق القراءة، لا لما تحمله من قيمة معرفية وإنسانية فحسب، بل لأنها أيضًا لا تخلو من عنصر التشويق، وتبقي القارئ أسير صفحاتها حتى النهاية.





