قاطرة الكلمة

د.مصطفى يونس أحمد يكتب : الذكاء الإصطناعي يهدد جامعات العالم بعد مئات السنين




قبل الاف السنين ظهرت مراكز تعليمية كبرى تعادل الجامعات المعاصرة ، مثل “بيت الحياة” فى منطقة “أون” (عين شمس حالياً) بمصرنا الحبيبة ، وهو تلك المؤسسة التى التي وجدت فى مصر قبل نحو 5000 عام ، وكان يدرس بها علوم الفلك، والهندسة، والطب، وتقسيم فصول السنة ، لكن منظمة “اليونسكو” وموسوعة “جينيس” للأرقام القياسية قد صنفتا جامعة “القرويين” في مدينة “فاس ” بالمغرب العربى ، والتي تأسست عام 859 م على يد “فاطمة الفهرية” كأقدم جامعة لا تزال تعمل في العالم ، وفى السياق ذاته يرى البعض أن المساجد الكبرى التى ظهرت فى العالم الإسلامي قد تحولت إلى منارة للتعليم العالي والمنهجي مثل جامع “الزيتونة” في تونس (737م) و”الجامع الأزهر” في مصر (970م) الذى لا تزال جامعته تعمل حتى الأن ، وفى أوروبا وتحديداً فى إيطاليا نشأت أول جامعة غربية بالمعنى المؤسسي الحديث وهي جامعة “بولونيا” عام (1088م) ، تلتها جامعة “أكسفورد” في إنجلترا عام (1096م).


وعلى ما تقدم وطبقاً للأراء السابقة، وباستثناء بيت الحياة الذى فى مصر القديمة، أوالمؤسسات التى ظهرت مشابهة له فى العالم، فإن الجامعات أو التعليم الجامعى المشابه للتعليم العالى أو الجامعى الحديث قد جاوز الألف عام من التعليم المنهجى والبحث العلمى المدقق.


وعبر كل تلك السنوات مثلت الجامعات حول العالم المصادر الأساسية والوحيدة تقريباً لإنتاج المعرفة والبحث العلمي الموثق من خلال التجربة البشرية البحتة والجهد الفردي أوالجماعي للباحثين ؛ إذ لعبت الجامعات والمراكز البحثية دوراً كبيراً فى : إنتاج ونقل المعرفة ، معتمدة فى ذلك على المختبرات ، والمكتبات الورقية والرقمية الأولى، والدراسات الميدانية لجمع البيانات وتحليلها بطرق إحصائية (يدوية أو ببرمجية بسيطة) ، كما لعبت أيضاً دوراً كبيراً فى التحكيم والموثوقية الأكاديمية، عندما تولت عبر لجانها العلمية ومجلاتها المحكمة عمليات التدقيق الصارم لضمان أصالة الأبحاث وخلوها من السرقات الفكرية بالطرق التقليدية ، كما كان لها دوراً كبيراً -كذلك – فى البحوث التطبيقية والمجتمعية؛ من خلال توجيه أبحاثها لحل مشكلات مجتمعية محددة (مثل الزراعة، والصحة، والصناعة) عبر الشراكة المباشرة مع القطاعات الإنتاجية دون الاعتماد على أدوات التنبؤ الذكي الآلي، كما لا ينكر كذلك دورها الكبير فى إعداد وتأهيل الباحثين، وتدريبهم على مهارات التفكير النقدي، وجمع المراجع، والتحليل اليدوي المباشر ، والذى كانت ثمرته بناء كوادر قادرة على البحث بمجهودها الإنساني الخالص .

لكن اليوم وبعد مئات السنين يشهد البحث العلمي في الجامعات والمعاهد العلمية والمراكز البحثية تحولاً جذرياً بفضل الذكاء الاصطناعي ينقل دور الباحث من جمع البيانات إلى التفسير والابتكار ؛ طبقاً لما يراه البعض ، والذين يرون – أيضاً – أن الثورة في أدوات البحث وتحليل البيانات بفضل الذكاء الاصطناعى سوف تفرض مستقبلاً جديداً على الجامعات والبحث العلمى ؛ إذا أنها ستؤدى إلى :

تسريع الاكتشافات ؛ وذلك لأن أنظمة الذكاء الاصطناعي باتت قادرة على تحليل ملايين الوثائق والأوراق البحثية في وقت قياسي، كما أنها ستقوم باقتراح الفرضيات؛ إذ سوف يساعد الذكاء الاصطناعى الباحثين في اكتشاف العلاقات الخفية بين البيانات ، كما سيساعد فى اقتراح فرضيات علمية جديدة لم تكن واضحة من قبل، كما أنظمة الذكاء الاصطناعى كذلك سوف تفرغ العقل البشري للتركيز على النقد، والتفسير العميق، وابتكار أسئلة بحثية جديدة بدلاً من إهدار الوقت في جمع البيانات اليدوي .


لكن رأياً آخر يشير إلى أن جامعاتنا في خطر وجودي جراء ثورة المعلومات وبرامج الــذكاء الاصطناعى الــAI ، ويستشهد أصحاب ذلك الرأى بنتائج تجربة ‏اجريت بجامعة “هارفارد” الأمريكية (تأسست عام 1636م) ، وخلاصة التجربة أنه تم تقسيم عدد (‏194) طالباً إلى مجموعتين لدراسة مادة الفيزياء، وقد تعلمت المجموعة الأولى في أرقى القاعات التفاعلية ، ومع أفضل الاساتذة والخبراء بالجامعة ، وتعلمت ‏المجموعة الثانية المادة نفسها بالمنزل وباستخدام AI Tutor فقط .


وكانت النتيجة فوز‏مجموعة الـ AI ، وسحق المنظومة التقليدية ‏، بل أن النتائج أظهرت أن الطلاب الذين استخدموا الـ AI تعلموا ضعفي ما تعلمه طلاب قاعات هارفارد النخبوية ، كما أظهرت النتائج أيضاً ‏تفوق ساحق لمن استخدموا الـ AI وتحقيقهم لنتائج أعلى بنسبة 30% في الاختبار النهائي ، كما أنهم قد حققوا ذلك فى زمن أقل ووقت أقصر بكثير من زملائهم الآخرين .


‏ ولم يكتف القائمين على الأمر أو على هذه التجربة بذلك بل وجدوا أن ‏الـ AI لم يعطِ الطلاب إجابات جاهزة ؛ إذ استخدم أساليب تربوية صارمة (كان يسأل ، ويوجه ، ويجبر الطالب على التفكير العميق ، مع تقديم توجيه فردي خالي من الأخطاء في اللحظة التي يتعثر فيها الطالب بنفسه) وهذا المستوى مستحيل توفيره داخل قاعة محاضرة بها عشرات الطلاب.
‏ والخلاصة : ‏أنه طوال أكثر من ألف عام، كانت الجامعات والمعاهد العليا والمراكز البحثية هي المكان الوحيد للحصول على التعليم العالى وتطوير البحث العلمى و اليوم أصبح هناك الذكاء الاصطناعى الــ AI ؛ فهل أصبح يهدد مكانة تلك الجامعات ؟!! أم ماذا ؟ .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى