د. مصطفى يونس أحمد يكتب : إلى رؤساء جامعاتنا الموقرين كل منكم وزير تعليم عالي في جامعتة

ليس عمل رئيس الجامعة بالسهل أو الهين ؛ بل هو عمل يحتاج إلى الكثير من المؤهلات والمهارات ، ويتطلب مزيجاً فريداً من القيادة الأكاديمية، والخبرة الإدارية، والرؤية الإستراتيجية ؛ ذلك أنه ليس مجرد منصباً شرفياً، بل هو الإدارة التنفيذية العليا التي تقود الجامعة نحو تحقيق أهدافها.
وإلى جانب المؤهلات الأساسية (الدرجة العلمية / الدكتوراة – الرتبة أو الترقية الأكاديمية / الاستاذية) ، يجب أن يمتلك رئيس الجامعة سجلاً حافلاً بالبحوث العلمية المنشورة ، والخبرات الإدارية السابقة ( يفضل أن يكون قد تدرج في المناصب القيادية داخل الجامعة)، وأن يكون لديه من المهارات القيادية والإستراتيجية ما يمكنه من التخطيط الإستراتيجي، ورسم رؤية مستقبلية ترفع من تصنيف الجامعة المحلي والدولي ، وتواكب سوق العمل ، كما يجب أن تكون لديه القدرة على إدارة الأزمات (مالية – أكاديمية – طلابية…)، والتعامل بحكمة وسرعة مع الطارئ منها، وأن تكون لديه القدرة – أيضاً- على اتخاذ القرارات الحاسمة والشجاع والصعبة بناءً على البيانات المتاحة لديه ، وكذلك بناء على مصلحة الجامعة العليا.
إن المهارات الإدارية والمالية هى مهارات ذات أهمية كبيرة لمن يتولى ذلك المنصب ؛ من خلالها يمكن للمسئول فهم الميزانيات الضخمة، وتخصيص الموارد بكفاءة، وابتكار طرق لتمويل الجامعة بعيداً عن المصادر التقليدية (الشراكات والاستثمارات)، كما أن إدارة الموارد البشرية بكفاءة عن طريق قيادة وتحفيز آلاف الموظفين، والأكاديميين، والعمال، وخلق بيئة عمل جاذبة للكفاءات مهم جداً لذلك المسئول الذى يجب أن يكون – أيضاً- على دراية بإجراءات الحوكمة والتنظيم من أجل ضمان تطبيق القوانين واللوائح الجامعية بمرونة وعدالة لضمان سير العمل بانتظام ، إلى جانب كذلك أهمية تحليه بمهارات التواصل والعلاقات العامة مثل القدرة على الاستماع لجميع الأطراف (طلاب، أساتذة، إداريين) والتعبير عن رؤية الجامعة بوضوح ، وتمثيل الجامعة أمام الحكومة، ووسائل الإعلام، والمجتمع، والمؤسسات / الشركات لإبرام اتفاقيات تعاون وتدريب للطلاب ، وبناء التحالفات والاتفاقيات بتوقيع شراكات أكاديمية وبحثية مع جامعات عالمية ومراكز أبحاث دولية.
ورب قائل يقول أن تلك المؤهلات والمهارات وغيرها يجب أن تتوفر فى أى مسئول بارز فى الدولة ، وأقول له نعم يجب أن تتوفر كلها أو معظمها ، وإن كان لا يشترط الحصول على درجة الدكتوراة فى الوظائف القيادية ومنها (الوزراء) بقدر ما يشترط الحصول على مؤهل عالى ، إلا أن طبيعة العمل اليومى ( الغير عادى ) للسادة رؤساء الجامعات يتطلب توافر ذلك وأكثر ، فليس الأمر بالنسبة لهم مجرد الجلوس فى مكتب واجتماعات وتوقيعات ، بل يبدأ يوم العمل بداية من ركوب سيارة الجامعة ، وربما قبل ذلك ؛ نحن امام أول “رنة” تليفون صباحية ، أو رسالة من ( عميد كلية – وكيل كلية – مدير إدارة – شخص ما أرسل مذكرة – شخص ما يريد التحدث فى موضوع مهم – شخص ما يسأل عن قرار- شخص ما يبلغ بموقف حصل فى كلية) ، وبطبيعة الحال ليس شرطأ الرد على كل الرسائل فى حينها .
وأثناء الطريق تتم مراجعة اليوم وتطرح العديد من الأسئلة ، ما الأمور التى تنتظرنى ، ما الاجتماعات ، ما الملفات المهمة، ما القرارات التى لابد من اتخاذها ، ما الموضوعات التى تحتاج متابعة شخصية ، اثناء ذلك ربما يرن تليفون مرة أو مرات آخرى ، ربما مكالمة مهمة من نائب رئيس الجامعة ، ربما أحد عمداء الكليات سوف يشرح موقف يحتاج إلى تدخل وقتى ، ربما جهة ما من خارج الجامعة – ربما حدث طارئ ظهر فجأة… إلخ ، إلى أن يصل إلى مكتبه بإدارة الجامعة .
وهناك يجد احد فى انتظاره ، كما يجد العديد من الملفات ضمن ذلك الإنتظار ، والكثير من التقارير ، ويجد كذلك مكالمات وردت على الخط الأرضى تسأل عن وصوله ، والكثير والكثير من الموضوعات الخاصة بالكليات ، والإداريات ، والماليات ، والشكاوى ، والإلتماسات ، وهنا لابد من معرفة أن الكثير من تلك الملفات لا تحتاج إلى التوقيع وكفى ؛ بل تحتاج إلى دراسة، ومراجعة، ومقارنة بالقوانين واللوائح، وأحياناً الرجوع للمستشارين والإدارات المختصة .
وعندما تبدأ الاجتماعات بعد تناول المشروب الصباحى ؛ نجد هناك اجتماع مع نائب رئيس الجامعة، واجتماع مع العمداء أو مع أحدهم ، واجتماع لمناقشة ملف معين ، واجتماع مجلس مختص ، أو لجنة ، ومن الممكن أن تطول مدة أى اجتماع من تلك الإجتماعات عن الوقت المقرر له اضعافاً واضعافا ، ولا يخفى علينا مقدار المجهود الذهنى طيلة تلك الإجتماعات ، خاصة وأن بالجامعة الكثير من الكليات وليس كلية واحدة ، ولكل كلية احتياجاتها ومشاكلها وملفاتها، وهناك طلاب ، وأعضاء هيئة تدريس ، وموظفين ، ومستشفيات جامعية ، ومراكز ووحدات ، ومعامل ، ومشروعات وإنشاءات ، وبحث علمى ودراسات عليا ، وطلاب وافدين ، وعلاقات واتفاقيات وتعاون مع جامعات وجهات آخرى ، وفعاليات ومناسبات يلزم متابعتها ، وقرارات لابد من اتخاذها ، وطوارئ قد تحدث فى أى لحظة تؤجل جدول اليوم كله ، وتغير كل الترتيبات .
ورب قائل يقاطعنى بالقول أن كل الوظائف القيادية والمماثلة تتطلب ذلك وبها مثل تلك المجهودات وأكثر، وأقول له نعم ، بل وأزيد فى ردى عليه أننى قصدت ذلك بالضبط ، وأكمل أن الجهود السابقة بما فيها الطوارئ المشار إليها بعاليه تظهر قيمة المسؤول الحقيقى ، الذى يستطيع خلالها ترتيب الأولويات، ويسمع، ويدرس، وياخد القرار المناسب في الوقت المناسب ، الذى يراعى مصلحة الجامعة وفى نفس الوقت مصلحة من يصدر له القرار ى حدود اللوائح والقوانين والقرارات .
ورغم أن يوم عمله لم ينتهى بعد ؛ إذ أن هناك بعض الملفات المنتظرة ، ولا تزال هناك تليفونات واردة ، ورسائل ، وقد يدخل شخص ما بـــ “معلش يا دكتور… فيه موضوع صغير بس محتاج حضرتك” رغم أنه ذلك الموضوع الصغير سيأخذ ساعات وساعات من العمل ، إلا أننى أؤكد هنا على حقيقة أن نكف عن رؤية شكل ووجاهة المنصب فقط ، وأن نرى اليوم الطويل المليئ بالمسئوليات والقرارات والضغوط .
أخيراً وليس آخرا يبقى مطلوباً من رئيس الجامعة مهمة التطوير المستمر للعملية التعليمية ، وتحقيق أهداف الجامعة وأهداف التعليم العالى التى نص عليها دستور مصرنا الحبيبة ، ولذا نستطيع القول أن كلاً منهم هو بمثابة ” وزير تعليم عالى ” فى جامعته يقوم بما يقوم به وزير التعليم العالى من وضع السياسات العامة للجامعة ، وتطوير منظومتها التعليمية والإدارية وشئونها الأكاديمية …. الخ .
حفظ الله مصر وطلاب العلم فيها وشعبها وقادتها من كل مكروه وسوء .




