محمد عز الدين الحجار يكتب :سيميولوجيا المقاومة: الأراجوز كمنصة إعلامية وأداة لنقد السلطة
في قلب الحارة المصرية، وتحت ضجيج الأسواق والموالد، انبعث صوت حاد، معدني، لا يخطئه سمع! إنه صوت “الأراجوز”، تلك (العروس) الخشبية التي لم تكن يومًا مجرد أداة لإثارة ضحكات الأطفال، بل كانت عبر التاريخ “مؤسسة إعلامية شعبية” متكاملة.
ومن منظور الأنثروبولوجيا الثقافية يمثل الأراجوز ما يسميه العالم “جيمس سكوت” بـ “النصوص الخفية” المساحات التي يخلقها المقهورون للتعبير عن سخطهم بعيدًا عن أعين الرقابة المباشرة، أو من خلال تمويه هذا السخط في قالب هزلي.
ولنبدأ حديثنا عن “الأمانة” (القطعة المعدنية التي يضعها اللاعب في فمه) التي نجدها المكون السيميائي الأهم في عرض الأراجوز، وبنظرة أنثروبولوجية، نرى أن هذا الصوت العابر من خلالها، يؤدي وظيفتين جوهرية:
أولًا نزع الصفة البشرية؛ عندما يتكلم الأراجوز بصوت غير بشري، فإنه ينفصل عن “اللاعب” الذي قد يُحاسب قانونيًا أو سياسيًا، كما أن هذا الصوت يمنح العروسة حصانة “المجنون” أو “الطفل”… مما يتيح له سقفًا من الحرية لا يملكه أي خطيب أو كاتب.
ثانيًا من منظور (التغريب البريختي) يعمل الصوت الحاد كأداة لتنبيه الوعي؛ يكسر الإيهام بالواقعية ويجعل المشاهد يدرك أن ما يقال هو “رسالة” مشفرة تتطلب فك الرموز، وليس مجرد ثرثرة!.
وهنا يجب أن نقف متأملين كيف نجح الأراجوز قبل عصر الصحافة المطبوعة والإعلام الرقمي، أن يصبح “الصحفي الاستقصائي” الأول في القرية والشارع المصري، بل ويقدم يوميًا نشرة أخبار؛ فقد كان لاعب الأراجوز “الأرزقي” ينتقل من قرية إلى أخرى، حاملًا معه أخبار العاصمة، قرارات الضرائب الجديدة، وحكايات الفساد! كان يقوم بعملية “إعادة صياغة” للخبر الرسمي ليصبح خبرًا شعبيًا محملًا بوجهة نظر المظلومين.
وفي خضم هذا أرى ضرورة الوقوف على التفاعلية والارتجال التي يقدمها، فعلى عكس الإعلام الحديث ذو الاتجاه الواحد، يعتمد الأراجوز على “الرجوع اللحظي”؛ الجمهور يصرخ، يعلق، ويشارك في “العلقة” التي ينالها الظالم، وهذا التفاعل يحول العرض من مجرد فرجة إلى “تظاهرة اجتماعية” مصغرة يعبر فيها المجتمع عن رأيه الجمعي.
عودًا على بدء؛ لا يمكننا تفسير قوة الأراجوز في نقد السلطة من دون العودة لنظرية “ميخائيل باختين” حول “الكرنفالية، حيث يرى باختين أن المجتمعات تحتاج لمساحات زمنية ومكانية تُقلب فيها الموازين؛ حيث يصبح الفقير ملكًا، والملك مَضحكة
فالسلطة تعيش على الهيبة والوقار، والأراجوز يقوم بـ “تدنيس” هذا الوقار عن طريق السخرية عندما يظهر “العمدة” في العرض ببطن منفوخ وعقل خاوٍ، أو يظهر “الشاويش” مرتعشًا أمام ذكاء الأراجوز، فإن الصورة الذهنية المرعبة للسلطة تتكسر في وجدان الجمهور، كما مثّلت “النبوة” أو العصا التي يحملها الأراجوز أداة “العدالة الشعرية”.
ففي الواقع، لا يستطيع الفلاح ضرب الملتزم أو المحصل، لكنه في فضاء الأراجوز يراه يُضرب ويُهان، وهذا النوع من العنف الرمزي يعمل كمصرف للشحنات الغاضبة، ويمنع المجتمع من الانفجار المفاجئ، وفي الوقت ذاته يحافظ على “جذوة الرفض” مشتعلة.
وفي هذا السباق تعتبر نمرة “الأراجوز والخواجة” من أعمق اللوحات التي جسدت الصراع السياسي الثقافي، حين يظهر “الخواجة” بلغة عربية مكسرة وعنجهية فارغة، محاولًا فرض سيطرته، هنا يتحول الأراجوز إلى مدافع عن “الهوية الثقافية”.
هنا يسخر من ملابس الخواجة، من عاداته، ومن محاولاته لاستغلال الأرض، وفي هذا الإطار خلال ثورة 1919 -هلى سبيل المثال- كانت عروض الأراجوز تُستخدم لبث الحماس الوطني، فكانت الشخصيات الكارتونية (بالمفهوم الحديث) تجسد رموز الاحتلال البريطاني.
وكان الأراجوز يلقنهم دروسًا في “الجدعنة” المصرية، مما كان يرفع الروح المعنوية للجماهير التي كانت لا تزال تفتقر لوسائل تواصل منظمة، ولم يتوقف دور الأراجوز عند السلطة أو الاستعمال! بل امتد إلى “السلطة الاجتماعية” و”الدينية” الزائفة، من خلال شخصية “الشيخ” المنافق أو “التاجر” الجشع، فكان الأراجوز يمارس دور “المصلح الاجتماعي”؛ يكشف زيف التدين القشري، ويسخر من البخل والجبن.
ومن ولاية مختلفة، يجب الإشارة -في سياق اجتماعي خالص- إلى أن على رغم من اتشاح العروض بالأفكار الذكورية في بعض الأحيان، فإنها ناقشت قضايا تعدد الزوجات، والغيرة، وتسلط الحماة، مقدمةً نقدًا لاذعاً لمنظومة العلاقات الاجتماعية التي تفتقر للإنسانية.
سوسيولوجيًا؛ ينتمي الأراجوز لنمط أنثروبولوجي عالمي، هو “المخادع”، هذا النمط (مثل جحا في التراث العربي، أو هيرميس في اليونان) هو الشخصية التي تكسر القواعد لكي تكشف زيفها، فالأراجوز لم يكن يملك جيشًا ولا مالًا، فقط لسانه وعصاه الخشبية.
مما كرس لـ”أسطورة المستضعف” الذي ينتصر بدهاء عقله، وتري الأنثروبولوجيا السياسية في هذا النموذج وسيلة لتعزيز “الثقة بالنفس” لدى الطبقات الشعبية المهمشة، وإقناعهم بأن “القوة” ليست قدرًا محتومًا، وأن “العقل” يمكنه الالتفاف على أقسى القوانين، ومع دخول الراديو ثم التلفزيون، تراجع دور الأراجوز كجهاز إعلامي أساسي، لكنه لم يمت، بل “تحور” وتناسخ في أشكال أخرى.
وبعيدًا عن المسرح السياسي، حين استلهم كبار المسرحيين المصريين (مثل يوسف إدريس في “الفرافير”) شخصية الأراجوز لكسر الجمود المسرحي الغربي، محولين إياها إلى فلسفة وجودية تعبر عن صراع “السيد والعبد”، يحضرني هنا مثالًا آخر، حين انتقلت روح الأراجوز إلى ريشة فنانين مثل “صلاح جاهين” و”بهجت عثمان”، ففي رأيي، ظهرت هذه الشخصيات الكاريكاتيرية التي تنقد الحكومة في الصحف كنموذج مختلف.
دعونا نطاق عليه مصطلح: الـ”أراجوزات مطبوعة”، ولعل ما يؤيد هذا المنظور، ما يراه بعض الباحثين من أن (الكوميكس والميمز) على الإنترنت هي الامتداد الرقمي للأراجوز؛ نفس السخرية الحادة، نفس الرغبة في كسر الهيبة، ونفس الروح الجماعية في التعليق على الحدث السياسي فور وقوعه.
ختامًا؛ عندما أدرجت اليونسكو “الأراجوز المصري” على قائمة التراث غير المادي الذي يحتاج لصون عاجل، لم يكن ذلك من قبيل “النوستالجيا” فقط، بل اعترافًا بأن هذا الفن يحمل “جينات” الشخصية المصرية، لذا أرى أن تحويل الأراجوز إلى مجرد “لعبة أطفال” في الحفلات التنكرية يقتل وظيفته الأساسية كأداة نقدية، فالأراجوز الحقيقي يجب أن يظل “مشاغبًا”، “ناقدًا”، و”مزعجًا” للسلطة أيًا كانت، كما أن هناك أهمية بالغة للحفاظ على هذا الفن من حيث “تقنيات الأداء” و”القاموس اللغوي” الشعبي الذي يمثل طبقة مهمة من طبقات اللغة المصرية، ويبقى الأراجوز .
الحقيقة المُرة المغلفة بالسكر- هو الوسيلة التي اختارها المصريون ليقولوا من خلالها “لا” من دون أن يُسجنوا، وليضحكوا على آلامهم كي لا يغرقوا فيها! لذا فإن من منظور الأنثروبولوجي.
سيظل الأراجوز حيًا ما دام هناك ظلم يحتاج لنقد، وما دامت هناك سلطة تحتاج لمراجعة، وما دام هناك “إنسان بسيط” يحتاج لأن يشعر بأنه، ولو للحظة فوق خشبة المسرح، أقوى من جلاده، فهو ليس مجرد (عروسة خشبية)، بل هو “صوت الضمير الشعبي” الذي قرر أن يرتدي بدلة حمراء ويمسك عصاه، ليذكرنا دائمًا بأن السخرية هي أعلى درجات المقاومة، وبأن “الحق” يمكن أن يُقال بضحكة، فتكون الضحكة أقوى من الرصاص.




