Uncategorized

الخطاب البصري للرمز والزخرفة: تشكيل الهوية المكانية والذاكرة المادية

محمد عز الدين الحجار يكتب :

​حين ننتقل من فضاء العروض الأدائية والشفاهية التي تنقضي بانتهاء زمن العرض أو الأداء الحركي والصوتي، نجد أنفسنا في تماس مباشر مع التجلي الأكثر ثباتًا واستقرارًا للوعي الشعبي، وهو الفن اليدوي والحرفة التقليدية، فالحرفة الشعبية في المنظور الأنثروبولوجي وسوسيولوجيا الفنون ليست مجرد نشاط إنتاجي نفعي يهدف إلى سد حاجات معيشية أو تلبية متطلبات الاستعمال اليومي، بل هي نص بصري مادي ممتد تحفر عليه الجماعة شفراتها الجمالية، معتقداتها الروحية، وتصوراتها الكلية عن الوجود والجمال والمكان، فكل قطعة خشبية مشغولة بالصدف، وكل سجادة يدوية منسوجة على النول، وكل جدارية مزخرفة على بيوت القرى، هي بمثابة “وثيقة بصرية مادية” تحفظ للذاكرة الجماعية استمراريتها وتمنح المكان المصري والإقليمي هويته البصرية الفريدة في مواجهة موجات النمطية والتصنيع الكثيف.
​إذا قاربنا الفنون اليدوية من منظور سيميائي تفكيكي، نجد أن الزخرفة والرمز المطبوع على الخشب أو النسيج أو الخزف لا يعبر عن نزعة تزيينية مجردة أو رغبة في ملء الفراغ، بل يعمل كشفرة بصرية مشحونة بالمعاني والدلالات الإثنوغرافية، وإذا تقحصنا الرموز الشعبية الشائعة كـ”الكف”، و”السمكة”، و”العين”، والخطوط الهندسية المتشابكة، والنباتات المحورة، نجدها لا تمثل لغة بصرية وقائية ورمزية تعكس صراع الإنسان مع الطبيعة والمجهول، وتجسد محاولاته المستمرة لاتقاء السوء وتثبيت البركة في الفضاء المعيش، ولننظر هنا إلى صناعة السجاد اليدوي والكليم في القرى الشعبية على سبيل المثال، نجد أن النساج لا يتبع كراسة رسم جافة، بل يستدعي من ذاكرته البصرية الحية أشكالًا هندسية ونباتية متوارثة، حيث ترمز كل عقدة وكل تغير في ألوان الخيوط إلى حالة شعورية أو حدث بيئي، متحولة السجادة اليدوية من قطعة أثاث إلى خريطة رمزية تحكي تاريخ الأسرة أو القرية، وتجسد علاقة الصانع بالزمن والأرض.
​عودًا على بدء؛ تبدو الحرفة الشعبية كشكل من أشكال التلاحم العضوي بين المادة والجغرافيا، فالصانع الشعبي لا يستورد مادته الخام من فضاءات غريبة، بل يستخرجها مباشرة من قلب البيئة المحلية المحيطة به، مما يجعل الفن اليدوي امتدادًا بيئيًا ملموسًا، ففي مشغولات الخوص والجريد في الريف والواحات، وفي صناعة الفخار في قنا، وفي السيراميك التقليدي، نوقن أن الطين والرمل والنخيل، كتلًا تعبيرية تحمل روح الإقليم ونبض الأرض، وهذا الالتصاق بالمادة المحلية ينعكس بالضرورة على الهوية المكانية للمجتمع، فالبيت الشعبي المنشوع من الفخار أو المزخرف بالنخل والرموز الحرفية يفرض سلطة جمالية على البيئة المبنية، تجعل المكان معبرًا عن أهله ونمط حياتهم، ومقاومًا للتشوه البصري الذي تفرضه المواد الخرسانية الجاهزة القادمة من الحداثة النمطية.
​تكتسب الفنون اليدوية أيضًا أبعادًا سوسيولوجية عميقة تتصل بـ”طبيعة العمل” ورأس المال الاجتماعي؛ الحرفة الشعبية غالبًا ما تدار داخل أطر العائلة أو الورشة التقليدية التي تعتمد نظام “الأسطوات والصبيان”، وهو نظام لا يكتفي بنقل المهارة التقنية، بل ينقل معها قيم الحرفة، وأخلاقياتها، ورموزها السرية، وتقاليدها الشفاهية عبر الأجيال، وهذا النمط الإنتاجي يتصدى لظاهرة الاغتراب عن العمل التي صنعتها المصانع الحديثة والآلات الصماء، حيث يظل الصانع الشعبي مالكًا لفكره وأداته ومادته، ويصنع القطعة من بدايتها إلى نهايتها مشبعًا إياها بجزء من روحه وهويته الشخصية، وهو ما يمنح المنتَج الشعبي فرادته الجمالية الملموسة التي لا يمكن تكرارها آليًا بنسخ متطابقة، كما أن التحدي المعرفي والوجودي الذي يواجه الفنون اليدوية والحرف الشعبية في العصر الراهن يتمثل في خطورة تحويلها إلى مجرد “سلع فولكلورية” تستهلك في متاحف السائحين وتفرغ من مضمونها الاجتماعي والروحي الأصيل أو تركها لتندثر تحت ضغط الإنتاج الصناعي الرخيص والمستورد، بيد أن التحليل الأنثروبولوجي يؤكد أن حماية هذه الحرف لا تتأتى عبر حبسها في الواجهات الزجاجية للسياسة المتحفية، بل عبر إعادة إدماجها في الحياة اليومية والوظيفة المعمارية والجمالية للمجتمع، والاعتراف بها كخطاب بصري حي يشكل جدار الصد الأساسي للهوية المكانية ضد التنميط والمسخ المعماري البصري.

محمد عز الدين الحجار يكتب :ADHD
محمد عز الدين الحجار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى