إبراهيم باشا حسن.. أول أستاذ للطب الشرعي في مصر
قصر العيني.. قصة 200 عام: قوة مصر الناعمة ومحرك النهضة الطبية في العالم
من بين القامات التي تحفظها ذاكرة متحف تاريخ الطب بقصر العيني، تبرز صورة الدكتور إبراهيم باشا حسن؛ أحد رواد الطب المصري الحديث، والرجل الذي ارتبط اسمه بتأسيس تدريس الطب الشرعي علمًا مستقلًا في مصر. فإذا كان كلوت بك قد أدخل بعض موضوعات الطب الشرعي ضمن دروس الطب الباطني، فإن إبراهيم باشا حسن كان أول من تولى أستاذيته كتخصص قائم بذاته، ووضع له مؤلفاته ومناهجه، رابطًا بين المعرفة الطبية وخدمة العدالة.
وُلد إبراهيم حسن بالقاهرة في فبراير عام 1844م، لأسرة تركية الأصل، وكان والده حسن رفعت أفندي. وقد ذاق اليتم مبكرًا بفقد والديه وهو في السابعة من عمره، غير أن تلك المحنة لم تُضعف عزيمته أو تطفئ شغفه بالعلم. التحق في بداية مسيرته بمدرسة الهندسة في بولاق، وعندما أُغلقت عقب وفاة عباس باشا الأول، تحول مساره إلى دراسة الطب، فالتحق بمدرسة قصر العيني عام 1858م، وأتم دراسته فيها عام 1862م.
بعد تخرجه، أُوفد ضمن بعثة حكومية إلى أوروبا لاستكمال تأهيله الطبي؛ فانتقل أولًا إلى ميونخ، ثم التحق بمدرسة الطب في باريس أواخر أغسطس عام 1863م. وفي عام 1869م، نال إجازة الدكتوراه في الطب عن أطروحته «فحص الجثة في الطب الشرعي»، التي حظيت بالاستحسان والتقدير. وقد صادف وجود الخديوي إسماعيل في باريس خلال تلك الفترة، فلفت نبوغ الطبيب المصري الشاب انتباهه، ومنحه وظيفة مدرس للطب الشرعي بمدرسة الطب في القاهرة، ثم أرسله إلى برلين لمزيد من التعمق والتخصص قبل عودته إلى الوطن.
استهل إبراهيم حسن مسيرته العملية طبيبًا شرعيًا لبوليس مدينة السويس، ثم نُقل إلى القاهرة، حيث عُيّن عام 1871م أستاذًا للطب الشرعي بمدرسة الطب، وطبيبًا للأمراض الجلدية بمستشفى قصر العيني. وبهذا التعيين، بدأ الطب الشرعي في مصر مرحلة جديدة بوصفه علمًا أكاديميًا مستقلًا له أستاذ متخصص ومناهج واضحة.
وفي العام نفسه، أصدر الطبعة الأولى من كتابه المرجعي «الدستور المرعي في الطب الشرعي»، الذي طُبع على نفقة نظارة المعارف العمومية، ليضع بين أيدي الأطباء والدارسين مرجعًا علميًا باللغة العربية يجمع بين المعرفة الطبية وتطبيقاتها القضائية والشرعية، ويؤسس لمدرسة مصرية رائدة في هذا المجال.
وفي أواخر عام 1875م، اختاره الخديوي إسماعيل طبيبًا للبيت الخديوي، ثم أصبح طبيبه الخاص، وظل مرافقًا له عقب مغادرته الحكم عام 1879م في تنقلاته بين إيطاليا وفرنسا وألمانيا وإنجلترا. وخلال مسيرته، توالت عليه الرتب والأوسمة؛ فنال رتبة البكباشي عام 1875م، والقائمقام عام 1877م، والبكوية عام 1878م، ورتبة المتمايز عام 1879م. كما منحه ملك إيطاليا رتبة فارس «شيفالييه»، ثم نال عام 1892م لقب «كومانداتور» من درجة التاج الإيطالي.
وفي عام 1888م، عاد إبراهيم حسن إلى مصر بعد أن استقر الخديوي إسماعيل في الآستانة، فأنعم عليه الخديوي توفيق بلقب «باشا»، وعُيّن مفتشًا لصحة مدينة القاهرة، وتولى مسؤوليات بارزة في مجالي الصحة العامة والطب الشرعي. وفي أغسطس عام 1890م، أُعيد إلى منصبيه أستاذًا للطب الشرعي وقانون الصحة العملية بمدرسة الطب.
وفي عام 1891م، مثّل الحكومة المصرية في المؤتمر الصحي الدولي بلندن، قبل أن يُعيّن في ديسمبر من العام نفسه ناظرًا لمدرسة الطب بقصر العيني. ولم تمنعه مسؤوليات الإدارة من مواصلة التدريس؛ إذ ظل يدرّس الطب الشرعي، وقانون الصحة العملية، والأمراض الباطنية، والعيادة الخارجية، جامعًا بين القيادة الأكاديمية والخبرة السريرية والعمل في مجال الصحة العامة.
وامتدت خبرته إلى مواجهة الأخطار الصحية الكبرى؛ فعندما هدد الطاعون الدبلي البلاد، اختارته الحكومة المصرية ضمن وفد طبي أُرسل إلى الهند لدراسة أسباب انتشار الوباء، وطبعت نظارة المعارف التقرير الرسمي الذي أعده الوفد، في دلالة على الثقة الكبيرة التي حظي بها علميًا ورسميًا.
وأثرى إبراهيم باشا حسن المكتبة الطبية بعدد من المؤلفات المهمة، من بينها «جامعة الدروس السنوية في الأمراض الباطنية»، و«روضة الآسي في الطب السياسي»، فضلًا عن مجلدين كبيرين في الأمراض الباطنية طبعتهما نظارة المعارف العمومية. وفي عام 1898م، توقف عن إلقاء دروس الطب الشرعي والأمراض الباطنية، واختير رئيسًا شرفيًا لمدرسة الطب تقديرًا لمكانته وعطائه الممتد.
ونظير خدماته الجليلة للطب والتعليم والصحة العامة، حصل على دبلوم ووسام وزارة المعارف الفرنسية، كما قُلّد عام 1899م الوشاح الأكبر للنيشان المجيدي. وفي أغسطس عام 1903م، أُحيل إلى المعاش بعد مسيرة حافلة امتدت لعقود، ظل خلالها طبيبًا وأستاذًا ومؤلفًا وإداريًا من الطراز الرفيع.
اعتاد إبراهيم باشا حسن بعد تقاعده قضاء فصل الصيف في أوروبا والشتاء في مصر، غير أن اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914م حال دون عودته إلى القاهرة، فبقي في أوروبا خلال سنواته الأخيرة، حتى توفي هناك في 4 يناير عام 1917م.
وهكذا، لم يقتصر إرث إبراهيم باشا حسن على كونه أول أستاذ للطب الشرعي علمًا مستقلًا في مصر، بل امتد إلى ترسيخ الصلة بين الطب والقضاء، وتطوير التعليم الطبي والصحة العامة، وإثراء المكتبة العربية بمراجع علمية رائدة. وظل اسمه شاهدًا على مرحلة صنعت فيها مدرسة قصر العيني روادًا جمعوا بين العلم والقيادة وخدمة الوطن، وأسهموا في بناء نهضة مصر الطبية الحديثة.




