الأدب الشعبي والمسرح الحديث: قرن من الحوار بين الذاكرة والخشبة
محمد عز الدين الحجار يكتب
لم يتشكل المسرح الحديث في العالم العربي بوصفه فنًا منفصلًا عن البيئة الثقافية التي نشأ فيها، بل كان نتاجًا لتفاعل معقد بين التأثيرات الوافدة من الخارج وبين عناصر التراث المحلي المتجذرة في الذاكرة الجماعية، ومع مرور الوقت، أدرك المسرحيون أن أي تجربة مسرحية تسعى إلى الاستمرار لا بد أن تستند إلى مصادر ثقافية قريبة من وجدان المجتمع، ومن هنا برز الأدب الشعبي بوصفه أحد أهم الروافد التي أسهمت في تشكيل هوية المسرح الحديث خلال القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين، فالحكايات المتوارثة، والسير الشعبية، والأغاني والطقوس الاحتفالية، لم تكن مجرد بقايا ثقافية من الماضي، بل كانت خزّانًا غنيًا بالصور والرموز والشخصيات التي استطاع المسرح أن يعيد اكتشافها وتوظيفها في صياغة رؤى فنية جديدة كعلي الزيبق وياسين وبهية وغيرهم، وخلال المائة عام الماضية، ظل هذا التراث يشكل مصدر إلهام دائم للمسرحيين، سواء على مستوى الموضوعات أو على مستوى الأشكال التعبيرية.
يُعرّف الأدب الشعبي في الدراسات الأنثروبولوجية والفولكلورية بأنه مجموع الإنتاج الثقافي الذي يتناقل شفاهيًا بين أفراد المجتمع عبر الأجيال ويشمل ذلك الحكايات والأساطير والسير البطولية والأمثال والأغاني والطقوس الاحتفالية، ويتسم هذا الأدب بكونه مجهول المؤلف، إذ يتشكل عبر تراكم التجارب الجماعية ويخضع لعمليات متواصلة من الإضافة والتعديل، ويشير عالم الفولكلور الأمريكي ريتشارد دورسون إلى أن الأدب الشعبي يمثل “ذاكرة الجماعة وخيالها الجمعي”، لأنه يعكس القيم والتصورات التي تشكل رؤية المجتمع للعالم، أما الباحث الروسي فلاديمير بروب فقد بيّن في دراسته الشهيرة مورفولوجيا الحكاية الخرافية أن الحكايات الشعبية تقوم على بنى سردية ثابتة تتكرر في ثقافات مختلفة، مثل رحلة البطل والصراع مع القوى المعادية والانتصار النهائي للخير؛ هذه البنية السردية، بما تتضمنه من صراع وشخصيات نموذجية، تجعل الأدب الشعبي قريبًا بطبيعته من الفن المسرحي، الذي يعتمد بدوره على الحركة الدرامية والتوتر بين الشخصيات، ولهذا وجد المسرحيون في الحكايات الشعبية مادة درامية قابلة للتحويل إلى نصوص وعروض مسرحية، ولعل من أبرزها، السيرة الهلالية، وموال حسن ونعيمة أو حتى استعارة من التاريخ الفرعوني كنص الفلاح الفصيح.
مع بدايات القرن العشرين ومرحلة التأسيس، ظهرت الفرق المسرحية الأولى متأثرة إلى حد كبير بالنماذج الأوروبية، سواء في بناء النصوص أو في تقنيات العرض، وكانت كثير من الأعمال المسرحية آنذاك عبارة عن ترجمات أو اقتباسات من المسرح الغربي، غير أن هذا التأثر لم يدم طويلًا من دون أن يثير أسئلة حول الهوية الثقافية للمسرح! فالمسرحيون والنقاد بدأوا يتساءلون عن إمكانية تطوير مسرح يعبر عن البيئة الاجتماعية والثقافية المحلية، بدل الاكتفاء بتقليد النماذج الأجنبية! ولعل هذه كانت بداية الاهتمام بالتراث الشعبي بوصفه مصدرًا غنيًا يمكن أن يمد المسرح بموضوعات وشخصيات قريبة من وجدان الجمهور، فالسير والحكايات الشعبية، تقدم نماذج درامية مليئة بالصراع والمغامرة! وتوفر عوالم رمزية تسمح للمسرح بطرح قضايا إنسانية واجتماعية بطريقة غير مباشرة.
عودًا على بدء؛ تميزت الحكايات الشعبية بقدرتها على تقديم بنية درامية واضحة، وهو ما جعلها قابلة للتكيف مع متطلبات المسرح، فالحكاية غالبًا ما تبدأ بوضع أولي يختل نتيجة حدث معين، ثم تتطور عبر سلسلة من الصراعات حتى تصل إلى حل نهائي، وقد أوضح فلاديمير بروب أن الشخصيات في الحكايات الشعبية تؤدي وظائف محددة داخل البناء السردي، مثل البطل والمساعد والخصم، وهذه الوظائف الدرامية يمكن بسهولة تحويلها إلى شخصيات مسرحية تتحرك على الخشبة، ولهذا السبب لجأ كثير من المسرحيين -مثل نجيب سرور وعبد الرحمن الشرقاوي…- إلى إعادة صياغة الحكايات الشعبية داخل بنية المسرح الحديث! فبدل أن تُروى الحكاية بصيغتها التقليدية، يتم إعادة تنظيمها في شكل مشاهد وحوارات وصراعات درامية تتناسب مع طبيعة العرض المسرحي؛ هذا التحويل لم يعني مجرد نقل الحكاية إلى الخشبة، بل تضمن أيضًا إعادة تفسيرها في ضوء قضايا العصر، لذا شاهدنا العديد من القصص القديمة تتحول إلى إطار رمزي يعكس صراعًا اجتماعيًا أو سياسيًا في الزمن الحاضر، في تجارب مسرحية شهيرة كما ذكرنا سابقًا.
ولعل العديد من الباحثين والنقاد ذهبوا إلى أن أحد أهم أسباب حضور الأدب الشعبي في المسرح الحديث هو قدرته على خلق علاقة مباشرة مع الجمهور، فالمتفرج الذي يعرف الحكاية أو يسمعها منذ طفولته يشعر بالقرب منها عندما تُعرض على خشبة المسرح، كما أن اللغة الشعبية تمتاز بمرونتها وبساطتها، وهي لغة قادرة على التعبير عن التجربة اليومية للناس وعندما يستخدم المسرح الأمثال أو الأغاني أو العبارات المتداولة في الحياة اليومية، يشعر الجمهور بأن العرض يعبر عن عالمه الخاص، وقد أشار عدد من الباحثين في علم الاجتماع الثقافي إلى أن الفنون التي تنجح في الوصول إلى جمهور واسع هي تلك التي تستند إلى مرجعيات ثقافية مشتركة، وفي هذا الإطار، يتيح الأدب الشعبي للمسرح أن يتواصل مع المتفرج على أساس تجربة ثقافية مشتركة.
لم يقتصر تأثير الأدب الشعبي على مستوى الموضوعات فقط، بل امتد أيضًا إلى الشكل المسرحي نفسه، فالتقاليد الشعبية في السرد والأداء ألهمت المسرحيين بأساليب جديدة في بناء العرض، ولنأخذ على سبيل المثال: الحكواتي، الذي يقدم الحكاية بطريقة تجمع بين السرد والتمثيل، وهو يستخدم صوته وحركاته وإيماءاته ليخلق عالمًا دراميًا كاملًا أمام الجمهور، وقد استلهم المسرح من هذه الشخصية فكرة الراوي الذي يقود الأحداث ويشارك في تمثيلها في الوقت نفسه، كما أن الطقوس الاحتفالية والأغاني الشعبية أدخلت إلى المسرح عنصر الجماعة والاحتفال، ففي بعض العروض يتحول المسرح إلى فضاء احتفالي يتداخل فيه الغناء والرقص والموسيقى مع الأداء التمثيلي، وقد لاحظ الباحثون في دراسات الأداء أن هذا النوع من المسرح يعيد إحياء العلاقة القديمة بين الفن والطقوس الشعبية، وهي علاقة كانت حاضرة في كثير من الثقافات التقليدية قبل ظهور المسرح بوصفه فنًا مستقلاً.
في النصف الثاني من القرن العشرين، بدأ المسرحيون يستخدمون التراث الشعبي بطريقة أكثر احترافية، فلم تعد الحكاية الشعبية مجرد مادة تُعرض على المسرح، بل أصبحت إطارًا رمزيًا يسمح بطرح قضايا معاصرة -كما ذكرنا- فالقصة التي تبدو في ظاهرها حكاية قديمة قد تحمل في باطنها إشارات إلى صراعات اجتماعية أو سياسية يعيشها المجتمع في الحاضر، وهذا الاستخدام الرمزي للتراث يمنح المسرح قدرة على الجمع بين الخيال والأسطورة من جهة، وبين النقد الاجتماعي من جهة أخرى، وقد أشار بعض النقاد إلى أن هذه التقنية تسمح للمسرح بطرح أسئلة حساسة حول السلطة والعدالة والحرية من دون أن يفقد طابعه الفني أو يتحول إلى خطاب مباشر.
مع نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، شهد المسرح تحولات كبيرة نتيجة تطور التقنيات الفنية وتغير طبيعة الجمهور. ومع ذلك لم يختف حضور الأدب الشعبي، بل أخذ أشكالًا جديدة تتناسب مع هذه التحولات، فبعض العروض الحديثة أعادت قراءة الحكايات الشعبية من زاوية نقدية، محاولة الكشف عن القيم الاجتماعية الكامنة فيها أو إعادة تفسيرها في ضوء قضايا مثل الهوية الثقافية والذاكرة الجماعية، كما أن العديد من المخرجين -مثل كرم مطاوع وحسن الجريتلي وعبد الرحمن الشافعي…- لجأوا إلى دمج العناصر الشعبية مع تقنيات العرض الحديثة، مثل الوسائط الرقمية والإضاءة المتقدمة؛ هذا المزج بين التراث والتكنولوجيا يعكس محاولة لخلق لغة مسرحية تجمع بين الماضي والحاضر، وتؤكد أن التراث ليس مجرد مادة محفوظة في الكتب، بل طاقة ثقافية قابلة للتجدد، بعد مرور أكثر من قرن على تطور المسرح الحديث، يبدو واضحًا أن العلاقة بين الأدب الشعبي والمسرح لم تكن علاقة عابرة، بل كانت حوارًا مستمرًا بين الذاكرة الثقافية والإبداع الفني، فالمسرح بطبيعته فن يعتمد على الحكاية وعلى حضور الإنسان أمام جمهور حي، وهذه العناصر نفسها هي التي يقوم عليها الأدب الشعبي! ولهذا لم يكن غريبًا أن يجد المسرح في التراث الشعبي أحد أهم مصادره.
إن الحكايات التي تناقلها الناس عبر الأجيال، والأغاني التي رافقت مناسباتهم واحتفالاتهم، والطقوس التي شكلت جزءًا من حياتهم اليومية، كلها تحولت مع الزمن إلى مادة فنية قادرة على إلهام المسرح وتجديد لغته، وهكذا يمكن القول إن الأدب الشعبي لم يكن مجرد خلفية ثقافية للمسرح الحديث، بل كان أحد العناصر التي ساهمت في تشكيل هويته الجمالية والفكرية! فمن خلال هذا التراث استطاع المسرح أن يبني جسورًا بين الماضي والحاضر، وأن يحول ذاكرة المجتمع إلى طاقة إبداعية متجددة، وفي هذا الحوار المستمر بين التراث والابتكار، يظل المسرح شاهدًا على قدرة الثقافة الشعبية على البقاء والتجدد، مهما تغيرت الأزمنة وتبدلت أشكال التعبير الفني.




