Uncategorized

محمد عز الدين الحجار يكتب: الجرافيتي بوصفه سيميولوجيا للمقاومة: من الجدار إلى إنتاج المعنى

محمد عز الدين الحجار
محمد عز الدين الحجار

في أعقاب ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١، لم تعد الجدران في المدن المصرية مجرد حدود عمرانية صامتة، بل تحوّلت إلى فضاءات كثيفة بالعلامات، تُنتج خطابًا بصريًا موازيًا للخطاب الرسمي، ومن هذا المنظور، يمكن قراءة الجرافيتي لا كمجرد فن عابر أو ممارسة شبابية مؤقتة، بل كنظام دلالي متكامل يندرج ضمن ما يمكن تسميته بـسيميولوجيا المقاومة؛ ذلك الحقل الذي لا تكتفي فيه العلامات بوصف الواقع، بل تدخل في صراع مفتوح على معناه.
ولنبدأ مع هذا التحول الذي وضعنا أمام إعادة لتعريف الجدار ذاته، من سطح محايد إلى وسيط، فالجرافيتي لا “يُضاف” إلى الجدار، بل يعيد تكوينه بوصفه مساحة تداول للمعنى, وحينها، لا يصبح السؤال: ماذا يُرسم؟ بل: كيف يتحوّل المكان إلى خطاب؟ فالجدار في الشارع ليس مجرد حامل للصورة، بل شرط من شروطها.، ووجوده في الفضاء المفتوح يجعله متاحًا لكل عين، خارج أي نظام رقابي مكتمل، وداخل إيقاع الحياة اليومية لذلك، فإن العلامة المرسومة عليه لا تُستهلك مرة واحدة، بل تُعاد قراءتها مع كل مرور، ومع كل سياق جديد، فتتحول إلى عنصر حي داخل النسيج الاجتماعي.
في فن الجرافيتي، لا تعمل الصورة بوصفها تمثيلاً للواقع، بل بوصفها علامة تحمل طبقات من الدلالة؛ بورتريهات الشهداء، والوجوه المكررة، وآثار العنف، كلها لا تشير فقط إلى أحداث، بل تعيد ترميزها، ولنقف هنا أمام “العين”، على سبيل المثال، نجدها لا تحيل فقط إلى إصابة جسدية، بل تتحول إلى اختزال بصري لعلاقة كاملة بين السلطة والجسد، كذلك الوجه لا يكون مجرد شخص، بل موقعًا لذاكرة جمعية تُستدعى كلما أُعيد رسمه أو المرور بجانبه.، وبهذا المعنى، الجرافيتي لا يقدّم الواقع كما هو، بل يعيد بناءه داخل نظام من العلامات القابلة للتكرار والتداول، حيث يصبح المعنى أكثر كثافة مما هو عليه في الحدث ذاته.
على خلاف كثير من تجارب فن الشارع التي تعتمد على السخرية أو الالتفاف الرمزي، اتجه الجرافيتي في مصر إلى التعبير الواقعي المباشر، فلم تكن العلامات تسعى إلى إخفاء معناها أو تشفيره، بل إلى تثبيته في أكثر صوره وضوحًا؛ وجه الشهيد، لحظة المواجهة، أثر العنف، وكلها تُعرض كما لو أنها ترفض أن تُختزل أو تُؤجَّل دلالتها، وعلينا هنا إدراك أن هذا الوضوح لا يعني البساطة، بل اختيارًا سيميولوجيًا حادًا، بهدف إلى تقليص المسافة بين الدال والمدلول، بحيث تصبح الصورة نفسها أقرب إلى “واقعة” منها إلى تمثيل، وفي هذا السياق، لا تتحقق المقاومة عبر تفكيك الرمز أو السخرية منه، بل عبر إصرار العلامة على حضورها المباشر، وعلى احتلالها الفضاء العام بوصفها حقيقة لا يمكن نفيها بسهولة، فهي لا تتهكم على السلطة بقدر ما تضع أمامها مرآة لا يمكن تجاهلها.
على عكس الفنون التي تسعى إلى الديمومة، يقوم الجرافيتي على هشاشة جوهرية؛ يُمحى، يُغطّى، يُعاد رسمه غير أن هذا الزوال لا يُفقد العلامة معناها، بل يضاعفه.، ففعل المحو لا يلغي الصورة، بل يدخل معها في علاقة صراعية، حيث يصبح الغياب نفسه علامة، وعندما يُعاد رسم ما تم محيه، لا يكون ذلك تكرارًا، بل إعادة إنتاج للمعنى داخل سياق جديد، بهذا الشكل، يتحول الجدار إلى مساحة زمنية بقدر ما هو مساحة مكانية، تتراكم عليها طبقات من الظهور والاختفاء، بحيث لا تُقرأ العلامة بمعزل عن تاريخها القصير والمكثف.
الجرافيتي لا يُنتج داخل عزلة فنية، بل داخل شبكة من العلاقات اليومية. المارّة، سكان الحي، المصورون، والوسائط الرقمية؛ جميعهم يشاركون في إعادة تداول العلامة، والصورة التي تُرسم على جدار في شارع جانبي يمكن أن تنتقل خلال ساعات إلى فضاءات أوسع، فتتحول من أثر محلي إلى رمز متداول، ومع كل إعادة نشر، لا تبقى العلامة كما هي، بل تدخل في سلسلة من التأويلات التي تعيد تشكيل معناها، وبهذا المعنى، لا يكون الجمهور متلقيًا، بل فاعلًا داخل العملية السيميولوجية، حيث يُستكمل إنتاج المعنى خارج لحظة الرسم نفسها.
عودًا على بدء؛ نقف هنا أمام مقاربة سيميولوجية مع الأراجوز الشعبي—كما في بعض القراءات المعاصرة— من منظور عمله كوسيط ثقافي ينتج خطابًا نقديًا داخل المجال الشعبي، نجد الجرافيتي يشتغل على منطق قريب، مع اختلاف الأداة، فكلاهما يتحرك خارج المؤسسات، وكلاهما يعتمد على وسيط بسيط (الجسد في الأراجوز، والجدار في الجرافيتي)، وكلاهما ينتمي إلى المجال اليومي لا إلى الفضاء النخبوي، غير أن الاختلاف الجوهري يكمن في طبيعة العلامة، فالأراجوز يميل إلى الصوت والحركة والمفارقة، بينما يميل الجرافيتي إلى الصورة والتثبيت والوضوح، ومن هنا، إذا كانت السخرية أداة مركزية في الأول، فإن التكثيف الواقعي يصبح أداة أساسية في الثاني، لكن في الحالتين، نحن أمام محاولة لإنتاج معنى خارج القنوات الرسمية، وإعادة صياغة العلاقة بين السلطة والمجتمع عبر وسائط تبدو بسيطة، لكنها محمّلة بطاقة دلالية عالية.
إجمالًا؛ إذا كانت السيميولوجيا تدرس كيف تُنتج العلامات المعنى، فإن الجرافيتي في هذا السياق يقدّم مثالًا حيًا على كيف يمكن للعلامات أن تصبح أدوات مقاومة، لإنه لا يواجه السلطة فقط على مستوى الخطاب، بل على مستوى أعمق، مستوى تحديد ما الذي يُرى، وما الذي يُتذكَّر، وما الذي يُنسى، ومن خلال هذا الاشتغال على الرؤية والذاكرة، يعيد الجرافيتي توزيع السلطة الرمزية داخل المجال العام، بحيث لا تبقى حكرًا على المؤسسات، بل تصبح محل تفاوض دائم، ومن هذا المنطلق، نجد أنفسنا أمام واقع لا يمكن محوه؛ الجرافيتي في مصر ما بعد ٢٠١١، لم يكن مجرد ظاهرة فنية عابرة، بل لحظة مكثفة أعادت فيها الجدران تعريف دورها داخل المدينة، ومن خلال هذا التحول، لم تعد الصورة مجرد تمثيل، ولا الجدار مجرد سطح، ولا الجمهور مجرد متلقٍ، بل أصبحوا جميعًا عناصر داخل شبكة دلالية معقّدة، تعمل على إنتاج معنى مقاوم، حتى في أكثر أشكاله وضوحًا ومباشرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى