قاطرة الثقافة

إسحاق بندري يكتب: الإسكندرية كما وصفها إي إم فورستر

في خريف العام 1915، وصل الأديب البريطاني إدوارد مورجان فورستر إلى الإسكندرية للتطوع في منظمة الصليب الأحمر إبان الحرب العالمية الأولى. قضى فورستر معظم وقته في التجول واستكشاف سحر المدينة وآثارها. كتبَ بحسه الروائي عن المدينة الخالدة ليبعث أسطورتها إلى الحياة؛ أسطورة شيدها الاسكندر المقدوني، كما شهدت أيضًا النهاية الدرامية لمأساة كليوپاترا ومارك أنطونيوس. هي عاصمة مصر في العصر الإغريقي الروماني ومنارة العالم ممثلةً في فنار فاروس ومكتبتها الجامعة العظيمة. ينسج فورستر نسيجًا متعدد الألوان، تمتد خيوطه عبر قرابة ثلاثة آلاف عام من التاريخ العامر بصراعات السياسة والفكر واللاهوت، الذاخر بالأدب والعلوم والفنون.

تضم مقدمة كتبها الأديب البريطاني لورانس داريل؛ مؤلف الرواية الشهيرة “رباعية الإسكندرية”، والذي زار المدينة لأول مرة في العام 1941، حاملًا كتاب فورستر دليلًا إرشاديًّا يهديه إلى تاريخ المدينة ومعالمها. يصف داريل هذا الكتاب بأنه عمل فني صغير، لاحتوائه على أحد أجمل كتابات فورستر النثرية، حتى إن القارئ يشعر بما اختبره فورستر من مزيج متباين من المشاعر؛ بهجة الحياة في المدينة متعددة الألوان والأعراق رغم ما كابده فيها من الشعور بالوحدة والاغتراب، وربما الوقوع في الحب. وما إن فارقه هذا الشعور حتى وجد متعته في استكشاف المدينة.
يعقد لورانس داريل مقارنةً فارقةً بين قدومه للاسكندرية في عام 1941، بعد صدور كتاب فورستر بثلاثة وعشرين عامًا، وبعد ثمانية أعوام من وفاة الشاعر اليوناني السكندري قسطنطين كڨافيس، الذي كان أصدقاء فورستر. ومن العجيب أن داريل قد اكتشف أن شيئًا لم يتغير منذ إصدار الكتاب. ظل لمدة عامين يتجول عبر المدينة برفقة الكتاب، بل واستخدمه كمرجع لكتاب كان يود كتابته، بل ورأى أن هذا الكتاب يعادل في أهميته كتاب المستشرق إدوارد وليام لين عن القاهرة “عادات المصريين المحدثين وتقاليدهم”.
أما مع زيارته الثانية في عام 1977، فقد وجد أن الصورة قد اختلفت، إذ تبدلت سمات الإسكندرية ذات الطابع الكوزموپوليتاني المتعدد الأطياف اللغوية والعقائدية. اختفت كل تلك المظاهر بعد تطبيق سياسات التأميم، وما تبعها من رحيل معظم الأجانب من مصر كلها وليس الإسكندرية فقط. بحزنٍ بالغ، يصف إقامته في فندق سيسيل العريق وقد تجرد من فخامته وأناقته المعهودتين. كما يروي عن شقة كڨافيس التي تحولت إلى پنسيون، أما مقتنياته ومتعلقاته وكتبه، بالإضافة لمكتبه الذي سطر عليه أشهر قصائده: البربر، إيثاكا، عندما فارقت الآلهة مارك أنطونيوس، وقصيدته الخالدة عن الإسكندرية “المدينة”؛ فقد جُمِعَ كل ذلك في متحف يحمل اسمه في الطابق العلوي للقنصلية اليونانية. وللأسف، اكتشف داريل أن المدينة قد أصبحت مُحْبِطَةً له لدرجة لا تُحتَمَل بعد مرور ثلاثة عقود على زيارته الأولى لها. فبعد أن كان أمرًا طبيعيًا أن يستمع المرء في شوارعها إلى أحاديث بخمس لغات يتكلمها أطياف البشر فيها، إذا بهذه الرقائق المتنوعة قد اختفت وتآكل معها ما كان يميز المدينة المتنوعة الثقافات. وإن ظل بداخله أمل يتجدد في انبعاث مجدها من جديد.


أما كاتبنا فهو الأديب البريطاني إي إم فورستر (1 يناير 1879 ـ 7 يونيو 1970) فهو من أهم الأدباء البريطانيين في القرن العشرين. اتسمت كتاباته بإبراز العلاقات الشخصية، والعقد النفسية والاجتماعية والعرقية، التي تقف عقبة في طريق هذه العلاقات. ركز فورستر في رواياته على اتباع الدوافع الكريمة وانتقاد الفروق بين الطبقات المجتمعية والرياء الاجتماعي، كما رُشِّحَ أكثر من مرة لنيل جائزة نوبل في الأدب. وهو أحد المهتمين بالكتابة عما يُعْرَف بكوميديا الأخلاق Comedies of Manners وأشهر مؤلفاته:
A Passage to India, Howards End, A Room with a View, Where Angels Fear to Tread, Aspects of the Novel.
اتصف فورستر بجانب مغامر يتوق للرحلات. إذ ذهب في رحلة إلى الهند، قبل الحرب العالمية الأولى، وربما وضع في حسبانه أن يظل هناك بصورة مستمرة. ولكن مع اندلاع الحرب، وما سببته من إحباط وخيبة أمل، تطوع فورستر في منظمة الصليب الأحمر ووصل إلى الإسكندرية في العام 1915، وكانت مصر تخضع للاحتلال البريطاني وقتذاك. لم تزد خطته المبدئية عن قضاء ثلاثة شهور بالإسكندرية، ولكن مع تزايد شغفه بها، بفضل ما أحدثته فيه من أثر بالغ تبدلت خططه، كما تعرَّف على دائرة متنوعة من الأوروپيين الذين تقطعت بهم السبل هناك لظروف الحرب. وفي الأخير، جاءت الثمرة النهائية في كتابه عن الإسكندرية.
ينقسم الكتاب إلى جزأين؛ أولهما يشرح تاريخًا موجزًا الإسكندرية، والثاني عبارة عن دليل سياحي لمعالم المدينة. يتركز الجانب التاريخي في معظمه على تاريخ المدينة في العصر الإغريقي اليوناني والعصر المسيحي، ثم يتناول دخول العرب وينتقل إلى العصر الحديث. وربما يدلل ذلك على اهتمام فورستر بتاريخ المدينة القديم أكثر مما عايشه بها في مطلع القرن العشرين.
هذه الفصول القصيرة تقدم للقارئ لمحات موجزة عن تاريخ الإسكندرية عبر تلك العصور وما صاحبها من زخم ثقافي وأدبي وعلمي ولاهوتي، وأيضًا ما انطوى عليه كل ذلك من صراعات ومشاحنات. وما يذكره فورستر في متن النص يجب ألا نتعامل معه كحقائق مجردة؛ ففيها ما يستوجب التحقق من مصداقيته. فهو، على سبيل المثال، ينظر للمسيحية الشرقية بروح التعالي الغربي. أو وصفه، على جانب آخر، لإصلاحات محمد علي باشا بالسطحية لاعتقاده أنها لا تهدف إلا إلى إبهار الرحَّالة الغربيين. كما رأى أن إعجاب محمد علي قد اقتصر على جوانب القوة والتسليح في الحضارة الغربية وغابت عنه نواحيها الراقية.


في مقدمة الكتاب، يذكر فورستر أن الجزء التاريخي يستعرض نشاط المدينة خلال 2250 سنة عبر فصول قصيرة، بدايةً من إنشاء الإسكندرية على يد الإسكندر المقدوني، مرورًا بالتاريخ البطلمي، نهايةً بمأساة الملكة كليوپاترا التي يتحامل عليها، ثم العصر المسيحي فدخول العرب إلى مصر، مختتمًا بموجز عن العصر الحديث.
بدأ حلم المدينة في مخيلة الإسكندر الأكبر وهو في سن الخامسة والعشرين عندما أصدر أوامره لمهندسه دينوكراتيس بتخطيط مدينة يونانية حول نواة راكوتيس. أراد الإسكندر تشييد عاصمة جديدة لمملكته في مصر ليخلد أفضل ما في الحضارة الهلينية، وإن لم يمتد به العمر ليشهد المدينة في ذروة اكتمالها. من بعده، صعد أسرة البطالمة إلى السلطة، ومن أهم إنجازاتهم تشييد الفنار والمكتبة الجامعة التي حملت اسم الإسكندرية، وقد ضمت مبانيها قاعات محاضرات ومعامل ومختبرات وحديقة نباتية وأخرى للحيوانات.
في البداية، تكونت فكرة إنشاء المكتبة كنموذج لمكتبة أثينا، ولكن مكتبة الإسكندرية صارت في نهاية الأمر أكثر ثراءً. جاء تمويل نفقاتها من القصر الملكي، مع تولي أحد الكهنة مهمة الإشراف على الإنفاق. كانت مكتبة الإسكندرية نموذجًا للجامعات الحديثة، وإن لم يضطر الفلاسفة والعلماء والأساتذة العاملين للتدريس، إذ كان بإمكانهم الاكتفاء بمواصلة أبحاثهم ودراستهم فقط. أما المكتبة فقد احتوت على نحو خمسمائة ألف كتاب ومخطوطة، وكانت وظيفة أمين المكتبة من الوظائف مرموقة الشأن.
يرجح فورستر أن البطالمة وجهوا اهتمامهم إلى دعم النشاط العلمي بالمكتبة أكثر من النشاط الفكري أو الفلسفي. فقد استقدموا للمكتبة فلاسفة من الدرجة الثانية من تلاميذ أرسطو. يُرجِع فورستر سبب ذلك إلى مناهضتهم للفلسفة لما لها من أثر في ازدهار حرية الفكر والتعبير؛ أمر ستسفر نتيجته الطبيعية عن الكثير من التساؤل وشحذ الأذهان. ولذلك لم يبدر عن المفكرين أو الشعراء بالمكتبة ما يثير ضيق أرباب نعمتهم، ولم تزدهر مدرسة مكتبة الإسكندرية الفلسفية إلا بعد زوال حكم أسرة البطالمة.
أما السبق الأكبر فقد حدث في تقدم العلوم، بفضل دعم البطالمة وتقديمهم كل التسهيلات الممكنة. يرى فورستر أن الإنجاز العلمي الذي حدث في القرن الثالث قبل الميلاد لا يقل في أهميته للإنسانية عن منجزات القرن التاسع عشر.
ففي مجالي الرياضيات والجغرافيا، تمكن العالم إراتوستينيس من حساب قطر الأرض على نحو لا يبتعد كثيرًا عن الحسابات الحديثة. إذ لاحظ أن الشمس لا تلقي ظلًا في ظهيرة منتصف الصيف بأسوان على عكس الإسكندرية التي يوجد بها الظل. كما ظهرت فيها أيضًا نظرية دوران الشمس حول الأرض على يد كلاوديوس بطليموس، وهي النظرية التي تبنتها الأجيال المتعاقبة حتى فَنَّدها جالليليو. ويذكر فورستر أن عالِمًا آخر بالمكتبة اسمه أرسطرخس الساموسي قال بدوران الأرض حول الشمس، ولم يتبنَ أحد نظريته لأسباب نجهلها. ومن أهم الإنجازات أيضًا حساب التقويم الشمسي بدقة وتحديد موعد السنة الكبيسة. وفي الطب كان الطبيب إيراسيستراتوس أول من أدرك العلاقة بين الاضطرابات الجنسية وما تسببه من مشاكل نفسية، وكاد أن يتوصل إلى اكتشاف الدورة الدموية بفضل أبحاثه على تشريح الحيوانات وجثث المجرمين.
كما يعود الفضل إلى البطالمة في ابتكار عبادة سيراپيس. لم تخطر للمصريين أو اليونانيين فكرة أن دينًا ما على حق والآخر على خطأ، رأى كل طرف أن آلهة الطرف الآخر هي نفس آلهته ولكنها تتخذ أسماءً وأشكالًا مختلفةً. ومن ثم، افترض اليونانيون أن أوزوريس هو المقابل المصري لديونيسيوس. عندما قرر بطليموس سوتر ابتكار إلَه جديد لمدينة الإسكندرية اتجه إلى مزج العديد من العناصر المصرية واليونانية سويًا، لذلك دمج أوزوريس مع العِجْل آپيس إله ممفيس وقَدَّمَ منها سيراپيس، الذي خرجت صورته النهائية من أصول مصرية، ولكنه اتخذ شكلًا وملمحًا يونانيًا، إذ تدثر بثياب يونانية وكانت له لحية الإله زيوس.


أما مع دخول المسيحية إلى مصر، يذكر فورستر أن السُلْطات الرومانية لم تشغل نفسها بها كثيرًا، إلا عندما تعارضت تعاليمها مع قوانين الإمبراطورية التي عدَّت القيصر إلهًا. كما يورد نصًا لخطاب موجه إلى الإمبراطور هادريان من أحد الولاة وفيه يخلط بين المسيحيين وعبدة سيراپيس. بالإضافة إلى النزاع الذي كان يندلع بين المسيحيين والوثنيين في الإسكندرية؛ ولعل قصة الفيلسوفة هيپاتيا هي المثال الأشهر على ذروة هذا الصراع. يشكك فورستر فيما نُسِبَ إلى هيپاتيا من إنجاز فكري لم يصل لنا منه معظمه، ويظن أن في ذلك بعض المبالغة، كما يرجح أنها كانت في منتصف العمر عندما قُتِلَتْ.
بعد اعتناق الإمپراطورية الرومانية للمسيحية، تزايدت حدة الخلافات الداخلية بين المسيحيين. كثيرًا ما اتخذت هذه الخلافات طابعًا قوميًّا يرتدي ثيابًا دينية. كما تزايدت المجادلات اللاهوتية مع ظهور التفكير الغنوصي وهرطقة آريوس وخلافه مع البابا أثناسيوس واضع صيغة قانون الإيمان المسيحي التي استقر عليها مجمع نيقية، ثم الخلاف على طبيعة المسيح وتوصيفها بطبيعة واحدة ومشيئة واحدة أم طبيعيتين ومشيئتين. مما أدى في الأخير إلى انقسام العالم إلى شرق وغرب بعد مجمع خلقدونية المسكوني، بسبب تعقيد الخلاف القائم حتى يومنا هذا. غير أن الإسكندرية حفرت لنفسها اسمًا في تاريخ المسيحية ومجامعها المسكونية وتعليمها الفكري، سواء اتفقنا معه أو اختلفنا عليه.
يظهر جليًا أن ثمة سؤالًا عاصفًا للذهن شغل الجميع؛ بدايةً من الإغريق ثم اليهود الناطقين باليونانية الذين ترجموا العهد القديم إلى اللغة اليونانية، نهايةً بالمسيحيين وأصحاب نظرية الأفلاطونية الحديثة. مفاد هذا السؤال يتعلق بجوهر العلاقة بين الله والإنسان وكيفية توصيفها؛ فهل الله قريب من الإنسان أم بعيد عنه؟ فإن كان قريبًا فكيف يتسم بالأبدية والأزلية في نفس الوقت، وإن كان بعيدًا فكيف له أن يهتم بالإنسان؟ وكيف أثمر كل ذلك عن ظهور مفاهيم الحكمة Sophia أو الكلمة Logos .
الإسكندرية، التي وصفها القائد العربي عمرو بن العاص بأنها مدينة بها 4000 قصر, 4000 حمَّام، 400 مسرح، 1200 بائع خضروات، و40000 يهودي، أين ذهب كل ذلك المجد وتبدد عند مجيء فورستر إليها؟ لعله لم يجد ختامًا أفضل من قصيدة صديقه قسطنطين كڨافيس “عندما فارقت الآلهة مارك أنطونيوس” التي قال فيها:
“تَعَلَمْ فن الخسارة
لا تندب حظك الذي ضاع
ولا خطط حياتكَ التي أَخْفَقَت
ولا آمالكَ التي أُحْبِطَتْ
لا تيأس بلا جدوى
ولكن مثل من تهيأ لذلك منذ زمن طويل
وتحلَّ بالشجاعة
عليكَ أن تودعها
وَدَّعْ الإسكندرية التي ترحل
وحاذر أن تخدع نفسكَ
ولا تقل أبدًا:
لقد كان الأمر كله حلمًا وتوهمات
لا تستسلم أبدًا لتلك الأحلام الفارغة
وقُلْ لها وداعًا
وداعًا للإسكندرية التي تضيع منكَ”
ربما يجد القارئ المصري في كتاب إي. إم. فورستر عن الاسكندرية ما يتوجب التأكد والتيقن من صحته، ولكنه لن يفقد متعة قراءة هذا السرد النثري الممتع المفعم بروح الدعابة. وبين ما تحتويه صفحات الكتاب من معلومات مركزة عن موضوعات متنوعة ما بين التاريخ والفكر والثقافة واللاهوت، سيكتشف القارئ أنه بحاجة إلى مزيد من القراءة عن الإسكندرية ذات التاريخ المتعدد الرقائق الثقافية والعرقية والعقائدية، بكل تنوعاته، علاوةً على مراحل الصعود والهبوط التي شهدتها المدينة الملهمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى