قاطرة الثقافة

بريهان أحمد تكتب: «ابن التراب» رحلة بين ظلمة القبر وضجيج الشك الإنساني

رواية “ابن التراب” للكاتب الشاب فادي ياسر تأتي بوصفها تجربة سردية مشحونة بالتأمل الوجودي، تتقاطع فيها الأسئلة الكبرى حول الحياة والموت مع نزعات إنسانية قلقة، في عملٍ يحاول أن يُمسك بتلابيب الروح وهي تواجه حقيقتها العارية.

يقدّم الكاتب شابًا ساخرًا من الحياة، ممدوح أيوب عبدالإله أخنوخ، لا بوصفه بطلًا تقليديًا، بل كمرآة مضطربة تعكس هشاشة الإنسان أمام الفقد، وتعرّي التناقض بين ما نعيشه وما نؤمن به.

منذ اللحظة الأولى، يعتمد السرد على مفارقة صادمة: موت الأب يتبعه موت الابن في اللحظة ذاتها، وكأن الرواية تقيم توازيًا وجوديًا بين الفقد واللحاق، بين النهاية والبداية. هنا لا يتوقف النص عند الحدث، بل ينفذ إلى عالم القبر بوصفه فضاءً سرديًا، حيث الظلمة ليست مجرد غياب للضوء، بل حضور كثيف للأسئلة. ومن خلال تقنية الفلاش باك، يعود البطل إلى ماضيه، فتتشابك الأزمنة ويصبح السرد أكثر انسيابية، ينساب بخفة رغم ثقل الموضوع، ويمنح القارئ مساحة للتأمل دون أن يثقله بالتقريرية.

تطرح الرواية قضايا اجتماعية مؤلمة، أبرزها صراع العائلة على الميراث وأكل الحقوق، في تصوير واقعي يكشف عن انهيار القيم أمام سطوة المادة. لا يُدين النص بقدر ما يفضح، ولا يصرخ بقدر ما يترك القارئ يواجه قبح الحقيقة بنفسه. وهذا ما يمنح العمل بعدًا نقديًا يتجاوز الحكاية إلى مساءلة المجتمع.

أما على المستوى الفلسفي، فتغوص الرواية في ثنائية الحياة والموت، مقدّمة رؤية تتأرجح بين اليقين والشك. يظهر ذلك بوضوح في تناولها لفكرة الإلحاد والتشكك، حيث يرسم الكاتب شخصية قارئ نهم، يسعى وراء الحقيقة بشغف، لكنه يتعثر في متاهات الفكر حين يغيب اليقين. وهنا تتجلّى براعة النص في عرض الفكرة دون وعظ مباشر، بل عبر صوت داخلي ساخر، يوازن بين الجدية والتهكم.

وفي تناولها لفكرة الزواج، تفتح الرواية بابًا جدليًا واسعًا، إذ تطرح – على لسان  الراوي – رؤية تعتبر الزواج قيدًا أو “خدعة بشرية”، وهو طرح قد يُفهم في سياق الحرية الفردية، لكنه يصطدم بثوابت دينية وأخلاقية. وهنا يحضر الحديث النبوي الشريف ليعيد التوازن الأخلاقي للفكرة، حيث قال النبي ﷺ:

 “أترضاه لأمك؟” قال: لا. قال: “ولا الناس يرضونه لأمهاتهم. أترضاه لابنتك؟” قال: لا. قال: “ولا الناس يرضونه لبناتهم”

رواه الإمام أحمد وغيره، وصححه الألباني

هذا الحديث لا يقدّم فقط ردًا على فكرة إباحة الزنا، بل يؤسس لمنطق أخلاقي قائم على التعاطف والقياس الإنساني، وهو ما كان يمكن للرواية أن تعمّقه بصورة أكثر توازنًا.

أما عن النهاية، فهي من أكثر عناصر الرواية تميزًا؛ إذ جاءت ذكية ومفاجئة، تعكس روح الكاتب الساخرة وقدرته على إغلاق الدائرة السردية بإحكام، دون أن يفقد النص طابعه التأملي. ومع ذلك، يظل العمل – كونه التجربة الثانية للكاتب – في حاجة إلى تطوير لغوي يعزز ثراء المعجم، إضافة إلى تكثيف الحوارات لتخفيف بطء السرد في بعض المواضع.

في المجمل، تُعد “ابن التراب” عملًا جديرًا بالقراءة، ليس لأنه كامل، بل لأنه صادق في قلقه، جريء في طرحه، ومشحون بأسئلة لا تبحث عن إجابة بقدر ما تبحث عن قارئ يجرؤ على التفكير. إنها رواية تضعك وجهًا لوجه أمام نفسك، وتتركك تتساءل: أيّنا ابن التراب حقًا؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى