قاطرة الثقافة

بريهان أحمد تكتب: ذاكرةُ أبي غائبة.. وجروحي وحدها الحاضرة

انتهيتُ من قراءة كتاب “أنا ذاكرة أبي” للكاتبة عبير إلهامي محمد، ولم تكن تلك القراءة مجرد عبورٍ على نصٍ أدبي، بل كانت اقتحامًا قاسيًا لمنطقة نفسية هشّة، أشبه بمختبرٍ داخليّ تُفكَّك فيه الروح وتُعاد صياغتها تحت ضغط الذاكرة والحرمان.

هذا الكتاب لا يلامس المشاعر فحسب، بل يضرب في صميم البنية الوجدانية للإنسان؛ حيث تتقاطع فيه مفاهيم الأبوة الغائبة مع ظاهرةٍ نفسية معقّدة يمكن وصفها بـ”اليُتم الوجودي”، ذلك اليُتم الذي لا يرتبط بغياب الجسد، بل بغياب الحضور العاطفي، فيكون الأب موجودًا ككيان بيولوجي، وغائبًا كوظيفة نفسية حامية. وهي تجربة تشكّلت بعمق في وجدان أبناء جيلَي الثمانينيات والتسعينيات، حيث نشأ كثيرون على تماسٍ مع هذا التناقض المؤلم.

يتناول النص كذلك حالة “إنكار النَّسَب” بوصفها جرحًا هويّاتيًا، لا يقف عند حدود العلاقة الأسرية، بل يمتد ليزعزع إدراك الفرد لذاته ومكانه في العالم. كما يُحلِّل، بجرأةٍ مؤلمة، نموذج الابنة الكبرى التي تتحوّل – تحت وطأة المسؤولية والفراغ الأبوي – إلى كائنٍ يُعيد إنتاج صورة الأب، حتى تكاد تفقد اتصالها بأنوثتها، وتتحوّل إلى بنية نفسية صلبة تُخفي هشاشةً عميقة.

وفي بعدٍ أكثر قسوة، يفتح الكتاب ملف “عقوق الآباء للأبناء”، وهو مفهومٌ قلّما يُناقش، إذ يكشف عن الأذى العكسي الذي يمارسه الأب تجاه أبنائه، وما يخلّفه ذلك من ندوبٍ نفسية مزمنة. هذه الندوب لا تُشفى تمامًا؛ بل تتحوّل إلى أنماط استجابةٍ راسخة، تظهر في كل انفعال، في كل خوف، في كل محاولةٍ للحب أو الهروب منه. إنها ليست مجرد تشققات في الذاكرة، بل إعادة تشكيل دائمة للبنية الشعورية.

تُجسّد المجموعة القصصية شروخ العلاقة بين الأب وابنته عبر صورٍ متعددة: العنف الجسدي، الإهانة، الإهمال… وكلها تُقدَّم في لوحات قصيرة مكثّفة، مشبعة بثقلٍ نفسيّ لا يُحتمل. وقد نجحت الكاتبة في ضبط إيقاع القصة القصيرة بإحكامٍ لافت، يستدعي إلى الذهن تقنيات “يوسف إدريس” في تكثيف اللحظة الإنسانية واختزالها دون الإخلال بعمقها.

ومن بين أكثر العبارات إيلامًا، تلك التي نُطقت على لسان الراوي:

أنا لا أتذكّر أبي… أهو مجردُ ظلٍّ عالقٍ في ذاكرةٍ شبحية؟

وكذلك العبارة التي تُجسّد ذروة الحنين الممزوج بالفقد، والتي يخشاها كل من حمل جرحًا مشابهًا:

.رحمك الله يا أبي… كم تمنّيتُ لو عرفتُك حقّ المعرفة

بعد أن أغلقتُ الكتاب، لم يكن البكاء مجرّد استجابة عاطفية، بل كان تفريغًا لضغطٍ نفسيّ تراكم عبر الصفحات. بكيتُ بحرقة، وبصدقٍ جارح، حتى إنني وجدتني أُفرغ غضبي على الكاتبة نفسها، وكأنها هي من أيقظت هذا الألم الكامن. ولعلّ هذا تحديدًا هو انتصار النص: أن يُجبر القارئ على مواجهة ذاته، لا أن يكتفي بمواساته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى