قاطرة الثقافة

«نبض ميت».. قصة بقلم الكاتبة أمل نجيب

في أحد بيوت الريف، كانت تعيش أسرة فقيرة أنهكها الحرمان، وأصبحت الحياة بالنسبة إليها سلسلة متواصلة من الاحتياج والصبر. ومن هنا تبدأ الحكاية…

غرفة صغيرة تجمع أبًا وأمًا وبنتين وولدًا. لم تكن الحياة في أفضل حالاتها؛ فالأب رجل فقير لا يملك من الدنيا سوى قوته وسعيه اليومي، والأم، التي لا تزال في ريعان شبابها، كانت تتمنى أن تعيش مثل أي امرأة، لكنها وجدت نفسها أسيرة الفقر ومسؤوليات البيت والأبناء.

مع شروق الشمس، كان الأب يخرج بحثًا عن عمل يوفر به الطعام لأبنائه، بينما تبدأ الأم في إعداد الطعام وتنظيف الغرفة الصغيرة التي تجمع أفراد الأسرة جميعًا. ومع حلول المساء، يعود الأب متعبًا، فتضع له زوجته الطعام، ثم يجلسان قليلًا يتحدثان عن حياتهما.

قال الأب، وهو يزفر في تعب:

— هنفضل كتير في الهم ده؟ أنا تعبت… وبالعافية اللي بجيبه بيكفينا أكل. العيال ذنبها إيه؟ تنام على الأرض وتحس بينا في كل حاجة.

نظرت إليه زوجته وحاولت أن تخفف عنه:

— وإحنا في إيدنا إيه؟ خلينا نعيش لحد ما ربنا يفرجها. العيال هيشيلوا الهم ليه؟ كفاية اللي إحنا فيه.

ثم ابتسمت محاولة أن تخرج زوجها من أعبائه:

— يلا يا أبو العيال، مش هتنام ولا إيه؟

ضحك الزوج وقال:

— يا ولية، اهدَي… هو إحنا في إيه وإنتِ في إيه؟

ردت عليه:

— يلا يا راجل، العيال نامت… إنت هتتلكك؟

نهض الزوج، محاولًا إرضاء زوجته، بينما كانت إحدى ابنتيه مستيقظة، تستمع إلى كل كلمة، وتلتقط كل تنهيدة تخرج من صدر أبيها.

كانت «نورة» فتاة جميلة، يتحدث أهل القرية عن جمالها، لكنها في تلك الليلة شعرت بشيء لم تستطع تفسيره. لم تُظهر أنها مستيقظة، وظلت مغمضة العينين، بينما انحدرت دموعها في صمت على خديها.


جاء يوم جديد، لكن النوم لم يزر عيني نورة طوال الليل.

جلست أمام باب البيت، وشريط الأحداث يدور في رأسها. وفجأة، لمحته…

حب حياتها يمر أمامها.

نظرت إليه طويلًا، ثم تنهدت في سرها:

«إمتى تحس بيا وتاخدني من هنا؟ أنا عارفة إنك هتعوضني عن كل الذل اللي شفته».

كانت تحلم بأن يأتي يوم ينقذها فيه من حياتها البائسة، ولم تكن تعرف أن القدر يخبئ لها طريقًا آخر.


وأثناء عمل الأب، اقترب منه أحد أصدقائه، وكان رجلًا أرمل توفيت زوجته منذ ستة أشهر، وقال له:

— بقولك إيه، إنت عارف إن عندي شقة كاملة ومجهزة من كل حاجة، ومراتي بقالها ست شهور متوفية… أظن كفاية كده.

نظر إليه الأب وقال:

— طيب اصبر شوية يا أخي، على الأقل يعدي سنة على وفاة مراتك.

ضحك الرجل وقال:

— الحي أبقى من الميت، وطالما أنا لسه بصحتي، ما أتجوزش ليه؟ وعلى فكرة، هو ده الموضوع اللي أنا عايزك فيه.

— موضوع إيه؟

— عايز أتجوز بنتك. ومش عايز منك حاجة. أنا مقتدر، وبصراحة بنتك عجباني، وأنا شاريها. وأهو مش هغرمك حاجة، عشان عارف ظروفك.

تغير وجه الأب وقال:

— بنتي؟ وفرق السن اللي بينكم؟ كده أنا بظلمها.

رد الرجل بلا مبالاة:

— ظلم إيه؟ جواز البنت ستر. وأنا بقولك مش هخليها محتاجة حاجة. أنا جاي لك بالليل وعايز الرد.

لم يجد الأب ما يقوله، وانهمرت الدموع من عينيه.


عاد الأب إلى البيت ووجهه يحمل حزنًا ثقيلًا. نظر إلى نورة نظرة طويلة، وكأن عينيه تحملان كلامًا لم يستطع لسانه أن يقوله.

سألته:

— مالك يا أبويا؟ في إيه؟

أجابها:

— ولا حاجة يا بنتي… روحي جهزي الأكل وابعتِ لي أمك.

جاءت الأم، فسألته:

— مالك؟ في إيه؟

وحكى لها ما دار بينه وبين الرجل.

ظل الأب صامتًا للحظات، ثم قال:

— يعني عشان أنا فقير أظلم البنت؟

لكن الأم لم ترَ في الأمر ظلمًا، بل رأت فيه فرصة للخلاص من الفقر.

صفقت بيديها وقالت:

— ظلم إيه يا أبو؟! إحنا لاقيين ناكل؟ ده عريس لقطة! وربنا بعته لنا. شايل جهازها وفرشها جاهز. بلاش قلبك الحنين ده دلوقتي، اتصل بالرجل وخليه ييجي، وأهو همّ ينزاح عننا.

نظر إليها الأب في صدمة:

— إنتِ بتقولي إيه؟ أنا كنت فاكر إنك هتلطميني لما تسمعي الكلام ده!

ضحكت وقالت:

— ألطم إيه؟ ده يوم الهنا والسعد! أبواب الفرح اتفتحت لنا. بت يا نورة، تعالي… في حاجة حلوة هقولها لك.

جاءت نورة مسرعة:

— إيه يا أمي؟ في إيه؟

ابتسمت الأم وقالت:

— جالك عريس يا بنت!

أشرقت ملامح نورة، واعتقدت للحظة أن الرجل الذي أحبته هو من تقدم لها.

سألتها بفرحة:

— مين هو يا أمي؟

قالت الأم:

— صاحب أبوكي.

تجمدت نورة في مكانها، وارتعشت ملامحها:

— إنتِ بتقولي إيه؟ وهان عليكي يا أمي؟

ضحكت الأم:

— تهوني إيه يا بنت؟ إنتِ فاكرة نفسك بنت مين؟ أبوكي بالعافية بيأكلكم. احمدي ربنا، ده هيغنيكي!

لم تستطع نورة الرد.

خرجت مسرعة، وجلست أمام الباب، ورفعت عينيها إلى السماء، وانهمرت دموعها:

— يا رب… أنا عملت إيه في دنيتي عشان أترمي الرمية دي؟ حرام أُظلم بالشكل ده. أنا مش بإيدي حاجة… يا رب!


جاء العريس مساءً، وتم الاتفاق على كل شيء بسرعة شديدة. كان الرجل يقدم عروضًا مغرية، ويعد بالهدايا والراحة، بينما كان الأب يشعر في داخله بأنه يبيع ابنته، لكنه لم يجد القوة لمواجهة الفقر ولا زوجته.

وفي صباح اليوم التالي، جاء الرجل ليأخذ عروسته.

لم تكن هناك تجهيزات كبيرة أو احتفالات؛ فكل شيء تم على عجلة وبأقل التكاليف، نظرًا لكبر سن العريس ورغبته في إنهاء الأمر سريعًا.

خرجت نورة من بيت أبيها، وهي تشعر أن شيئًا من روحها بقي خلفها.


دخلت نورة بيت زوجها وهي ترتجف خوفًا.

أغلق الرجل الباب بعنف، فانتفضت من شدة الرعب.

نظر إليها، واقترب منها محاولًا تهدئتها:

— تعالي يا نورة، أفرجك على شقتك.

كانت ترتعش.

قال لها:

— اهدي يا بنت. مالك؟ يا خراب بيت جمالك! كل ده بقى ملكي أنا لوحدي.

تراجعت نورة إلى الخلف وقالت:

— أرجوك سيبني… أنا قد بنتك. هعيش لك خدامة تحت رجلك، بس ارحمني.

ضحك وقال:

— خدامة إيه؟ إنتِ برنسيسة، وهعيشك أحلى عيشة. بس سيبي نفسك، وإنتِ هتشوفي الهنا كله.

حاولت نورة الهرب منه، وهي تصرخ:

— ارحمني!

انقض عليها الرجل وأمسك بها بعنف:

— هو أنا دافع فيكي كل ده عشان تجري مني؟ شكلي كده الذوق مش هينفع معاكي!

ومن هنا بدأت مأساة نورة.


مرت الأيام ثقيلة، وتحولت حياة نورة إلى سجن مغلق.

وحين أفاقت بعد ليلة قاسية، وجدت فستانها ممزقًا وثيابها ملطخة بالدماء، بينما كان زوجها يجلس وكأن شيئًا لم يحدث.

نظرت حولها في ذهول، ولم تستطع استيعاب ما جرى.

دخلت الحمام، ودموعها لا تتوقف، ومنذ تلك اللحظة شعرت أنها دخلت سجنًا لا تعرف كيف ستخرج منه.

ومع مرور الوقت، ازدادت الحياة قسوة. كان زوجها يكبرها بسنوات كثيرة، وكانت الغيرة والشك يسيطران عليه، فينهال عليها بالضرب لأتفه الأسباب، حتى أصبحت نورة تعيش في خوف دائم.

مرت سنة وراء أخرى، حتى شاء القدر أن يسكن أحمد، حب نورة القديم، في البيت المجاور.


في أحد الأيام، لمحها أحمد.

ظل ينظر إليها للحظات، ثم قال:

— صباح الخير… أنا شفتك قبل كده، مش عارف صح ولا غلط، بس ملامحك مش ناسيها. كان في بنت جارتنا شبهك بالظبط.

ابتسمت نورة بحزن:

— ياااه… أخيرًا! أيوه، أنا يا أحمد. لما ملامحي مش ناسيها، مفكرتش مرة تكلمني ليه؟ كانت عينك دايمًا في الأرض.

ضحك أحمد:

— مين قالك إن عيني كانت في الأرض؟ إنتِ اللي كنتِ مراقباني؟

ضحكا معًا للحظات، وكأن سنوات الألم اختفت من حولهما.

قال أحمد:

— بصراحة، كنت بشوفك، وملامحك مكنتش بتروح من دماغي. بس أنا كنت لسه ببني نفسي. ولما ربنا كرمني، كلمت أبويا عشان أتقدم لك… لكن صدمتي كانت لما عرفت إنك اتجوزتي.

نظرت إليه نورة بعتاب شديد:

— إنت بتقول إيه؟! كنت عارف؟ وشايف حبي ليك وسكت؟ طيب ما لمحتليش؟ ما قلتليش كلمة واحدة تجبر بيها خاطري؟ لو كنت عملت كده، كنت حاربت الدنيا كلها عشانك يا أحمد. أنا مكنش في إيدي حاجة… كنت بنت مكسورة الجناح. أهلي ظلموني ورموني عشان الفلوس.

خفض أحمد عينيه وقال:

— ياااه… كل العذاب ده شفتيه؟ أنا آسف. بس كنت بخاف عليكي. لو كلمتك وحد شافنا، كان ممكن يعمل لك مشاكل. ولو كانت إيدي طايلة وقتها، مكنتش سبتك.

قالت نورة بصوت مرتجف:

— أيوه… أنا.


دارت الأيام والليالي، واقترب أحمد ونورة من بعضهما أكثر فأكثر، حتى فتح كل منهما قلبه للآخر.

عاد الحب القديم إلى الحياة، لكنه هذه المرة كان محملًا بسنوات طويلة من الوجع.

اتفقا على أن تطلب نورة الطلاق، حتى يتزوجها أحمد ويمنحها الحياة التي حُرمت منها.

وفي أحد الأيام، رن هاتف نورة.

كان زوجها.

— كنتِ فين يا هانم؟

— كنت في الحمام.

— وبتردي عليّ كمان؟! طيب أنا جاي لك، وأوريكي هتردي عليّ إزاي!

ثم أغلق الهاتف.

نظرت نورة إلى الهاتف وقالت:

— جسمي نحس عليك… ربنا ينتقم منك يا بعيد.


في ذلك اليوم، جاءت شقيقتها «سلمى» لزيارتها.

دخلت سلمى وسألت:

— هو جوزك فين؟

أجابتها نورة:

— متقلقيش، في الشغل.

قالت سلمى:

— الحمد لله. أنا مش عارفة إنتِ عايشة معاه إزاي. والله يا نورة أنا بخاف منه. لما بشوف نظرته بحس إن فيها حاجة مش مريحة.

قالت نورة:

— إنتِ عبيطة؟ طيب بس ييجي ناحيتك، هيكون آخر يوم في عمره.


عاد الزوج إلى المنزل فجأة، فوجد سلمى هناك.

توقف للحظات، ثم قال:

— إزيك يا سلمى؟ جيتي إمتى؟ واختك مقلتش ليه؟

ردت:

— جيت من غير ما أقول لها. بس غريبة إنك جيت بدري عن معاد شغلك.

ابتسم:

— لا أبدًا… أنا نسيت حاجة وجيت أخدها.

ثم نظر إلى سلمى نظرة طويلة لم تَرُق لنورة.

قالت سلمى:

— ماشي يا جوز أختي. لو معندكش مانع، ممكن أقعد مع نورة أسبوع هنا، مدام إنت هتبات في شغلك؟

أجابها:

— طبعًا، طبعًا… تنوري يا قمر.

ابتسمت سلمى بسخرية:

— قمر؟ ماشي يا جوز أختي.

خرج الزوج إلى عمله.

نظرت نورة إلى الباب، ثم بصقت في اتجاهه وقالت:

— يا رب ما يرجعك يا بعيد تاني.

اقتربت منها سلمى وقالت:

— حبيبتي يا نورة، ربنا يكون في عونك.

ردت نورة:

— سيبك من كل ده. أنا فرحانة أوي إنك هتقعدي معايا أسبوع بحاله. عايزة أحكيلك على كل اللي حصل معايا.

قالت سلمى:

— والله يا أختي أنا حسيت الشر في عينه عليكي، وده اللي خلاني أقول له إني هقعد هنا. بس بصراحة أنا بخاف منه، ونظرته ليا مش مريحة.

طمأنتها نورة:

— متخافيش يا حبيبتي. المهم تعالي نعمل لقمة، وأنا أحكيلك.

وأثناء إعداد الطعام، حكت نورة لشقيقتها عن أحمد، وعن الحب الذي لم ينتهِ رغم السنوات.

كانت عيناها تلمعان وهي تتحدث عنه.

نظرت إليها سلمى في دهشة:

— إنتِ بتقولي إيه يا نورة؟! جوزك لو عرف ممكن يقتلك. أوعي يكون حصل بينكم حاجة!

قالت نورة:

— متخافيش يا أختي. أحمد بيخاف عليّ أكتر من نفسه، وعمره ما تجاوز حدوده معايا. وأنا مستنية أطلق وأعيش حياتي بقى.

ابتسمت سلمى:

— ربنا يفرح قلبك يا أختي وينولك اللي في بالك. أنا هدخل أنام، تعبانة خالص.

— ماشي يا حبيبتي، ادخلي ريحي جسمك.


في المساء، رن هاتف نورة.

كان زوجها.

— نورة، إنتِ فين وبتعملي إيه؟ وسلمى فين؟

— أنا برتب البيت، وسلمى نايمة.

— طيب أنا عايزك تنزلي تجيبي حاجة حلوة لسلمى وفاكهة، وحاجة جديدة تفرحيها بيها.

تعجبت نورة:

— الكلام ده بجد؟

— طبعًا. يلا خلصي وانزلي وهي نايمة.

— حالًا.

نزلت نورة، بينما ظل الزوج يراقبها حتى تأكد من خروجها، ثم صعد إلى الشقة وفتح الباب في هدوء.

دخل غرفة سلمى.

توقف للحظات أمامها، ثم اقترب منها.

استيقظت سلمى على حركته، وما إن رأته حتى صرخت:

— ارحمني! ارحمني!

لكن صراخها لم يمنع الوحش من ارتكاب جريمته.


عادت نورة.

دخلت الغرفة، فوجدت شقيقتها غارقة في دمائها وملقاة على الأرض.

صرخت من هول الصدمة.

لم تشعر بنفسها إلا وهي تجري إلى المطبخ، وتلتقط سكينًا، ثم تعود إليه.

انهارت أمامها كل سنوات القهر والخوف والظلم.

وفي لحظة فقدت فيها السيطرة على نفسها، طعنته.

وقفت ويداها ترتجفان والدماء تلطخ أصابعها، ثم ركضت إلى شقيقتها واحتضنتها وهي تصرخ:

— جبت لك حقك… جبت لك حقك! ردي عليّ يا سلمى!

وصل الجيران على صوت الصراخ، وأبلغوا الشرطة.

جاءت الشرطة وبدأت التحقيق في الواقعة، بينما كانت نورة جالسة في حالة انهيار تام، عاجزة عن الكلام.


وصل أحمد إلى المكان، وعرف بما حدث.

ركض نحو نورة واحتضنها، وقال:

— ذنبك إيه عشان تدفعي من حياتك مرتين؟! مرة بسبب الفقر، ومرة بسبب الجشع والظلم. حسبنا الله ونعم الوكيل في كل اللي ظلمك… في أب وأم باعوا بنتهم عشان الفلوس.

ظلت نورة صامتة، تنظر إلى الفراغ، وكأن كل ما حدث لها يمر أمام عينيها من جديد.

لم تكن جريمة نورة وليدة لحظة واحدة، بل كانت نتيجة سنوات من الفقر والقهر والاستغلال، حين أصبح الإنسان بالنسبة للبعض مجرد صفقة، وأصبحت الحاجة مبررًا لبيع الأحلام والأرواح.

ذنب الإنسان الطيب أنه يظن أن الجميع مثله؛ فيعطي بغزارة، حتى يصبح فارغًا من كل شيء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى