«قلوب تحت الأنقاض» قصة بقلم الكاتبة أمل نجيب

حكاية فتاة عاشت تحت ضغط الحياة والعائلة، ومرت بظروف لا يستطيع أحد استيعابها أو تحملها. كانت تتمنى أمنية بسيطة: أن تحب وتُحَب، وأن تعيش مع حب حياتها. ومن هنا تبدأ حكايتنا مع نانسي، الفتاة التي تنتمي إلى عائلة ميسورة ماديًا، لكنها أحبت يوسف، المهندس البسيط، واختاره قلبها رغم الفارق في المكانة الاجتماعية.
في الصباح الباكر، جلس الأب إلى مائدة الطعام ينتظر أبناءه ليتناولوا الإفطار معهم، بينما كانت الأم تقف مع الخدم وتشرف على إعداد الطعام.
دخلت نانسي قائلة:
- صباح الخير يا بابي.
الأب:
- صباح النور يا حبيبتي، آخرتك في النوم يعني؟
نانسي:
- فين دا؟ أنا صاحيه بدري أهو.
وضَحكت مع والدها، ثم جلست إلى المائدة بجوار شقيقتها ريهام.
دخلت الأم أثناء جلوسهم، ولاحظت ابتسامة على وجه نانسي، فسألتها:
- نانسي، يا ترى إيه سبب الضحكة الحلوة دي؟
نانسي، بارتباك شديد:
- ضحكة إيه يا ماما؟ أنا عادية خالص.
نظرت ريهام إلى والدتها وقالت:
- دي فرحة الحب يا ماما.. ههههه.
نانسي:
- إيه اللي إنتِ بتقوليه يا ريهام؟ حب إيه؟
ثم همست لشقيقتها:
- ماشي، اصبري عليّ كده.. تكسفيني قدامهم؟
ريهام:
- قال ماما مش عارفة يعني!
ردت الأم بابتسامة:
- يا حبيبتي، ربنا يسعدك ويفرحك بكل اللي في بالك.
وأثناء حديث الأم، دخل أسامة، الأخ الأكبر لنانسي وريهام.
أسامة:
- هو إيه اللي أنا بسمعه ده؟ حب إيه وكلام فارغ إيه؟ على جثتي لو خدتِ الإنسان ده. ابن عمك طلب إيدك وأنا موافق جدًا.
الأب:
- أسامة، إنت إزاي تتكلم كده وأنا موجود؟ إنت اتجننت؟
أسامة:
- لا، ما اتجننتش. بس إنت عارف إن ابن أخوك شريك في الشركة بتاعتنا، ولو بنتك رفضته هيسحب نصيبه، وهنخسر كل حاجة عشان حب وكلام فارغ.
الأب:
- سعادتك أختك عندي بكنوز الدنيا، وبعدين مش إنت اللي تقول هي تاخد مين.
أسامة، بصوت مرتفع:
- أنا أخوها وأعرف مصلحتها، وأنا اللي كبرت الشركة دي على كتفي. ومش هسمح لحد، حتى لو كنت إنت يا بابا، إنه يقف قدام مصلحتي.
ثم خرج غاضبًا.
أسند الأب يده إلى المائدة من شدة التعب، ووضع يده على قلبه. أسرعت نانسي وريهام ووالدتهما للاطمئنان عليه.
نانسي، وهي تبكي:
- أنا آسفة يا بابا.
الأب:
- لا يا بنتي، ما تعتذريش. أنا طول ما أنا عايش مش هخلي حد يتحكم فيكي إنتِ وأختك. سيبك من اللي حصل يا نانسي. عيد ميلادك بعد كام يوم، وعايزين نفرح وننسى أي كلام اتقال.
ثم احتضن ابنته، بينما كانت نظرات الحزن تملأ وجهه.
ذهب أسامة إلى الشركة، حيث كان ابن عمه مجدي شريكًا له بالنصف، وكان مجدي أيضًا يريد الزواج من نانسي، بينما كان يوسف، حبيبها، يعمل مهندسًا في الشركة.
جلس أسامة إلى مكتبه في حالة من الغضب الشديد.
نظر إليه مجدي وقال:
- إيه يا عم؟ مالك؟ داخل وبوظك شبرين في إيه؟
أسامة:
- مفيش حاجة. الهانم مش عايزاك وعايزة يوسف باشا.
مجدي بغضب:
- نعم؟ يوسف ده مين؟ الموظف اللي عندنا؟ ده أنا ألبسه مصيبة وأطرده بره الشركة خالص.
أسامة:
- أعملك إيه بقى؟ أنا أول مرة أقف قدام أبويا وأزعق.
مجدي:
- وإيه رأي عمي في كلام بنته؟
أسامة:
- هو بيرفض ليه طلب؟ دي حاجة بقت مقرفة.
في تلك اللحظة، طرق الباب ودخل يوسف.
يوسف:
- أستاذ أسامة، الورق ده محتاج إمضتك.
أسامة:
- أنا مش فايق لحاجة دلوقتي. اطلع بره.
يوسف:
- هو حضرتك زعلان مني في حاجة؟
أسامة، والغضب واضح على وجهه:
- وإنت مين عشان أزعل منك؟ إنت حتة موظف، لا طلعت ولا نزلت.
يوسف:
- حضرتك بتكلمني كده ليه؟ وبعدين أنا كبير المهندسين في الشركة، وعشان خاطر والدك اللي ليه أفضال عليّ مش هزعل منك. عن إذنك.
مجدي:
- يخربيت البرود! إيه البني آدم ده؟
أسامة:
- بقولك إيه؟ اطلع من دماغي دلوقتي وروح مكتبك.
خرج يوسف، والحزن واضح على ملامحه. لاحظته سارة، التي كانت تحبه بشدة، بينما كان قلبه متعلقًا بنانسي.
اقتربت منه سارة وقالت برقة:
- مالك يا يوسف؟ في إيه؟
لاحظ يوسف طريقتها في الكلام، فقال:
- لو سمحتِ يا أستاذة سارة، ورانا شغل.
سارة:
- في إيه؟ أنا شفتك مضايق وحبيت أطمن عليك.
يوسف:
- شكرًا، لو سمحتِ روحي شوفي شغلك.
سارة:
- هو في إيه يا يوسف؟ كل ما أقرب منك بتحاول تبعدني ليه؟
يوسف:
- لأني باختصار بحب وقلبي متعلق بحد تاني، وإنتِ عارفة مين كويس. يارب تكوني فهمتي وتوفري كل اللي بتعمليه ده.
اشتد غضب سارة وحزنها، بينما خرج يوسف من الشركة متوجهًا إلى منزله.
وأثناء جلوس أسامة ومجدي في الشركة، بدأ الاثنان في التفكير في طريقة تجعل نانسي تكره يوسف.
قال أسامة:
- يوسف مشي، ولازم نلاقي حل. والأستاذ أكيد بابا عزمه على حفلة عيد ميلاد الهانم.
مجدي:
- طيب والحل؟ هي عمالة تتعقد ليه؟
أسامة بانفعال:
- عشان إنت قاعد تحبّل في السكرتيرة، وحتى مش هاين عليك تلاعب نانسي بالكلام. هو أنا هعمل كل حاجة لوحدي؟
مجدي:
- ما هي كل ما بتشوفني كأنها شافت عفريت.
أسامة:
- مفيش حل غير حاجة واحدة.. سارة.
مجدي:
- أوعى يكون اللي في دماغي.
أسامة:
- ممكن تسكت؟ نادِ لي سارة بسرعة.
أمسك مجدي الهاتف واتصل بسارة، التي كانت لا تزال غاضبة من يوسف.
مجدي:
- تعالي، مستر أسامة عايزك.
سارة:
- حاضر يا فندم.
دخلت سارة مكتب أسامة، ولاحظ تغير ملامحها، فقال:
- مالك يا سارة؟ شكلك مضايق ليه؟
سارة:
- لا أبدًا يا مستر أسامة. خير حضرتك؟ طلبتني تؤمر بحاجة؟
أسامة:
- اقعدي. طيب، تحبي تكوني المديرة الخاصة بتاعتي؟ وكل الموظفين محدش يعمل حاجة غير تحت إشرافك، وكمان هزود مرتبك أضعاف وهديكي مكافأة كبيرة. إيه رأيك؟
لمعت عينا سارة من الفرحة:
- وهو ده عرض يترفض؟ بس ليه كل ده؟
أسامة:
- استني على رزقك، وهفهمك كل حاجة. دلوقتي، إيه رأيك في يوسف؟
ارتبكت سارة:
- ماله؟ في حاجة؟
أسامة:
- بصراحة عايز منك خدمة، وساعتها أبواب الرزق هتتفتحلك.
سارة:
- طيب وإيه دخل يوسف في كده؟
أسامة:
- الحكاية تخص يوسف يا سارة. وكل الموضوع إني عارف إنك معجبة بيه وبتعملي المستحيل عشان توصلي له، وهو مش معبرك. يا حرام!
سارة بغضب:
- حضرتك ليه بتقولي الكلام ده دلوقتي؟
أسامة:
- هفهمك، وهخلي يوسف يبقى ليكي إنتِ وبس.
سارة:
- وأنا هعمل كل اللي هتطلبه مني.
جاء يوم الحفلة، عيد ميلاد نانسي، وبدأ جميع الحاضرين في الإعجاب بجمالها. وقفت نانسي وسط الحضور، وعيناها تتجهان نحو الباب، وفجأة دخل يوسف وفي يده هدية.
جرت نانسي نحوه، وعيناها تلمعان من الفرح:
- اتأخرت ليه يا يوسف؟
يوسف:
- بصراحة المواصلات، وكمان لحد ما جبتلك هدية تليق بالملكة.
نانسي:
- وأنا كنت مستنية منك هدية؟ كفاية أشوفك قدامي.
يوسف:
- من غير ما تطلبي، كل حاجة تبقى تحت رجلك.
تبادلا ابتسامة جميلة، وفي تلك اللحظة بدأت موسيقى هادئة. مد يوسف يده إلى نانسي ليرقصا، وأثناء الرقص، وفي غمرة نسيانهما لكل من حولهما، أسندت نانسي رأسها على كتف يوسف.
نظر إليها وقال:
- إنتِ ليا وبتاعتي، ومحدش هياخدك مني.
ضحكت نانسي.
وفي تلك اللحظة دخل أسامة ومجدي، فتوجه أسامة نحوهما ودفع يوسف، ثم صفع نانسي.
همّ يوسف بالرد على أسامة، لكنه تمالك أعصابه وقال:
- أنا في بيتك وبتعمل كده، لكن أنا هطلع أحسن منك ومش هرد عليك عشان خاطر أبوك، هو اللي رباني، وأنا مش هرد تربيته بإهانتك.
أسامة:
- أبويا ده إيه؟ أنا هنا الكل في الكل. محدش له حكم عليّ، واللي أقوله يتنفذ من غير نقاش.
الأب:
- إنت بتقول إيه يا قليل الأدب؟
ثم صفع ابنه.
اشتد غضب أسامة، فدفع والده ليسقط على الأرض. أسرع يوسف ونانسي وكل الموجودين إليه.
أسامة أخذ مجدي وغادر المكان.
صرخت نانسي وريهام والأم:
- الحقونا! اطلبوا الإسعاف!
وفي تلك اللحظة، انقلب عيد الميلاد إلى حالة من الحزن الشديد.
بعد خروج أسامة ومجدي من المنزل، اتصل أسامة بسارة:
- عايزك دلوقتي.
وبعد المكالمة، حضرت سارة، وجلسوا في مكان بعيد، واتفقوا على تنفيذ خطتهم.
في أثناء وجود يوسف في المستشفى مع نانسي، رن هاتفه.
يوسف:
- ألو، مين؟
سارة، بصوت مخنوق:
- الحقني يا يوسف.
يوسف:
- في إيه يا سارة؟ أنا في المستشفى مع أبو أستاذ أسامة، وحالته حرجة.
سارة:
- أرجوك الحقني. أنا ماليش حد وتعبانة جدًا ومش قادرة.
ثم أغلقت الهاتف.
يوسف:
- سارة؟ سارة؟ في إيه؟
نهض مسرعًا.
نانسي:
- شفت في إيه يا يوسف؟
يوسف:
- أحكيلك لما أرجع.
نانسي:
- ماشي يا يوسف، خلي بالك من نفسك.
ركب يوسف سيارة أجرة وتوجه إلى منزل سارة. صعد السلم وقلبه يخفق من الخوف، وطرق الباب.
فتحت سارة الباب، ثم تظاهرت بالإعياء وسقطت بين يديه. حملها يوسف إلى الداخل ووضعها في غرفة النوم حتى تستريح.
تنفست سارة ببطء وقالت:
- عطشانة.
ذهب يوسف وأحضر لها كوبًا من الماء.
شربت وقالت:
- شكرًا ليك يا يوسف، إنت أنقذتني. وآسفة، ملقتش غيرك أستنجد بيه.
يوسف:
- المهم إنك بقيتي كويسة.
سارة:
- آه.
يوسف:
- الحمد لله. أمشي أنا.
سارة:
- ممكن نشرب حاجة مع بعض؟
رفض يوسف، لكنها أصرت:
- من فضلك، متكسفنيش.
يوسف:
- بسرعة يا سارة عشان مستعجل.
دخلت سارة وأعدّت له عصيرًا وضعت فيه منومًا، ثم قدمته له. شرب يوسف العصير، وبعد وقت قصير فقد وعيه.
اتصلت سارة بأسامة وقالت:
- كل اللي طلبته حصل. يلا اطلع.
دخل أسامة ومجدي، واستغلوا حالة يوسف، ثم التقطوا صورًا توحي بوجود علاقة غير لائقة بينه وبين سارة، وأرسلوها إلى نانسي.
وبمجرد أن فتحت نانسي الصور، ظهرت على وجهها علامات الصدمة، وانهمرت دموعها، ودار في ذهنها سؤال واحد:
«إزاي وليه يا يوسف تعمل فيا كده؟»
في تلك اللحظة، بدأ يوسف يستعيد وعيه، بينما جلست سارة بجواره وهي تبكي وتقول:
- ليه عملت فيا كده؟ حرام عليك!
يوسف، وهو يشعر بالدوار:
- دماغي.. أنا عملت إيه؟
ثم نظر إلى سارة، وفوجئ بما حدث، وقال:
- إيه اللي حصل؟ أنا معملتش حاجة!
سارة:
- أنا ائتمنتك على نفسي، وإنت تتهجم عليّ؟
يوسف:
- محصلش! إنتِ بتقولي إيه؟
سارة، وهي تبكي:
- منك لله.
لم يتذكر يوسف شيئًا مما حدث، فارتدى ملابسه وخرج مذهولًا من المكان. وبينما كان يغادر، تذكر صورة نانسي وهو يرقص معها، وتذكر وعده لها بأنه لن يسمح لأي شيء أن يبعدهما عن بعضهما.
خرج من منزل سارة محطمًا، لا يعرف ماذا حدث، ولا كيف وصلت الأمور إلى هذه الحالة.
عاد إلى المستشفى، وقرر أن يخبر نانسي بكل ما حدث. وما إن رآها حتى امتلأت عيناه بالدموع.
اقترب منها وقال:
- عمي حصلت له حاجة؟
رفعت نانسي يدها وصفعته، وقالت:
- كنت أتوقع أي حاجة من أي حد غير إني أشوفك في الوضع ده. اسمعني يا يوسف، كل اللي بينا انتهى. أنا في لحظة كنت هفقد أبويا، وخسرت أخويا عشان الحب. يلعن أبو الحب اللي يوجع القلب! من اللحظة دي إنت في طريق وأنا في طريق. ومن فضلك اطلع بره حياتنا كلنا.
يوسف، بحزن:
- إنتِ بتظلميني ومتعرفيش إيه اللي حصل. وأنا والله ما عملت حاجة.
نانسي:
- خلاص، مبقتش عايزة أفهم حاجة. ابن عمي أولى بيا.
تراجع يوسف خطوات إلى الخلف من شدة الصدمة، وعيناه ممتلئتان بالدموع، وقال:
- نانسي، حتى لو إنتِ هتقدري تنسيني، أنا مش هنساكي.
ثم أضاف:
- وكل اللي هقدر أقولهولك يا نانسي إني هصمت، لأني لا أملك الكلام. اللي جوايا أكبر من كل اللي ممكن يتحكي. ويفضل في داخلنا شعور لا يراه أحد ولا يفهمه أحد، لكنه يعيش معنا كل أيام حياتنا.
وتنتهي الحكاية على موسيقى حزينة.





