قاطرة الثقافة

إسحاق بندري يكتب| عن عاشق القاهرة الخديوية.. عادل سيف كما عرفته

سواء كنت صعيديًا مثلي أو من أي مكان آخر، لا يكاد يختلف أحد على سحر القاهرة الخديوية؛ وسط البلد. ولا شك أن الحياة الثقافية والكثير من فعالياتها وأماكنها ترتبط بالنطاق نفسه. كنت أحاول الكتابة عن جولاتي في وسط البلد من قبل، ظننت نفسي خبيرًا بها، إلى أن تعرفت على أستاذ عادل سيف، لأكتشف أنني مجرد تلميذ صغير لا يعرف عن قاهرة إسماعيل سوى سطحها فحسب.


الأستاذ عادل سيف؛ مدون تاريخ القاهرة الخديوية الأمين وعاشقها كما أحب أن أطلق عليه.


في عام 2021 أصدر أستاذ عادل كتابه الأول “أماكن منسية في القاهرة الخديوية”، لم تسنح لنا الفرصة باللقاء في ذلك العام بسبب انعقاد فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب صيفًا جراء جائحة كورونا. إلى أن جاءت فرصة أول مقابلة في أواخر يناير 2022 في معرض الكتاب. ومنذ تلك المقابلة لم ينقطع التواصل بيننا، تقريبًا لا يكاد يمر شهر دون أن أتصل بأستاذ عادل، أو يتصل بي، وبالطبع نتقابل في القاهرة كلما زرتها. غالبًا ما نلتقي في كافتيريا نقابة الصحفيين بشارع عبد الخالق ثروت. تطل الكافتيريا على مشهد بانورامي للقاهرة من الطابق الثامن، قبالتها كنيسة قلب يسوع الكاثوليكية، وعلى بعد خطوات تقع نقابة المحامين ومقر الشهر العقاري. لا يضاهي متعة قراءة كتابات عادل سيف سوى الاستماع إليه وهو يتحدث عن معالم القاهرة الخديوية، وأرى نفسي محظوظًا لأنني رافقت أستاذ عادل في جولات ميدانية في أرجاء وسط البلد واستمعت إلى شرحه التفصيلي للعمارات والفيلات والمسارح والمقاهي، ما تبقى منها وما هُدِمَ بكل أسف.


بدأت الفكرة في ذهن أستاذ عادل بعد تقاعده؛ بدأ حياته بالعمل في مجال الصحافة في جريدة الجمهورية، وأعقب ذلك فترة من الاغتراب بالولايات المتحدة ثم المملكة العربية السعودية، ثم عاد إلى محبوبته ليجد أن منطقة وسط البلد التي نشأ بها قد تغيرت وتبدلت، والأسوأ أن ثمة معلومات مغلوطة كثيرة تنتشر بفعل وسائل التواصل الاجتماعي حول تاريخ القاهرة الخديوية ومعالمها، ومن ثم شرع في كتابة مقالاته المدققة المدعومة بخبرته وبحثه واستقصائه وجمعه لمواد وصور بالغة الندرة.
في أواخر عام 2022، كتبتُ مقالاً عن رواية “صحراء التتار” للأديب الإيطالي الشهير دينو بوتزاتي. تدور الفكرة المحورية للرواية حول ضياع العمر دون أن نشعر به في انتظار تحقق ما لا يحدث! بعد نشر المقال، اتصل بي أستاذ عادل، ظهر في كلامه بالغ التأثر بمضمون الرواية التي شاهد الفيلم المأخوذ عنها، لكنه أيضًا أثنى على المقال الذي أثار بعض أحزانه على سنوات عمره التي انقضت في الغربة مع تأجيل قرار العودة. يبدو أن عمل أستاذ عادل الطويل في مجال الصحافة لم يحقق له حلمه. التقينا بعد ذلك في أكتوبر 2022 في “زهرة البستان” وقال لي بنبرة صادقة إنه بدأ يتجاوز السبعين من العمر ولم يصدر له سوى كتاب واحد، وما زال في ذهنه الكثير من المشاريع المتعلقة بالقاهرة الخديوية.


ومع ذلك فأستاذ عادل سيف ليس ممن يضيعون الوقت في الرثاء للذات، ظل يعمل بجدية حتى لو تعرَّض لخطوة متعثرة! توالت إصداراته: “أماكن وذكريات من القاهرة الخديوية”، ثم أصدر العام الماضي “مسارح وملاهي القاهرة الخديوية” عن دار المرايا التي ستنشر له هذا العام “وش البركة المنسي”. حضرت معه ندوته في 2025 عن “مسارح وملاهي القاهرة الخديوية” في مقر المرايا؛ بحق كانت تلك الندوة من أجمل فعاليات العام الماضي، تجلى فيها كل جمال وسط البلد وروحها النابضة وأجواؤها الراقية!
يعرف عادل سيف كنائس وسط البلد أفضل مما يعرفها كثير من المسيحيين، كثيرًا ما توقفنا أمام كنائس صغيرة من كنائس الطوائف الأجنبية التي عاشت في القاهرة وشرح لي تاريخها. يحمل في نفسه تسامحًا صادقًا وروحًا محبة للناس بكل أطيافهم، ودائمًا يصلي كل فرض في وقته. أراه النموذج الأصدق للمصري الكوزموبوليتاني المعتز بأصوله، المنفتح على الحداثة والمدنية والآخرين. يصنف نفسه ضمن معسكر اليسار، ويؤكد أنه يناهض كل أشكال التزمت والدروشة والتعصب المقيت. ذات مرة في نقابة الصحفيين روى لي أن والدته الراحلة كانت تقول إن مجرد إيمان الإنسان بوجود الله هو أمر طيب حتى لو اختلفت القناعات والتصورات حيال ذلك!
التقينا آخر مرة يوم السبت 28 مارس 2026. اتفقنا على اللقاء بعد أن أنتهي من تسجيل حلقة في أحد برامج الفضائية المصرية. بمجرد أن غادرت مبنى ماسبيرو اتصلت بأستاذ عادل وتقابلنا في شارع 26 يوليو حوالي الساعة الثالثة بعد الظهر. اصطحبني في جولة طويلة حية في أرجاء الحي الأفرنجي الذي دَوَّن معالمه في أحدث كتبه “وش البركة المنسي”، لم أتصور أن أرجاء الرويعي وكل تلك الأزقة الضيقة تحوي كل ذلك التاريخ الذي شرحه بالتفصيل.


قبلها بعامين تقريبًا، سألني أستاذ عادل عن أدق ترجمة لاسم كنيسة الصعود المتاخمة للمركز الفرنسيسكاني للدراسات المسيحية الشرقية، كلمة assumption تعني إصعاد العذراء مريم وإن كان من الشائع أن الكنيسة معروفة بكنيسة الصعود وهي من أقدم كنائس اللاتين بالقاهرة. حكى لي عن أطلال كنيسة الأرمن الكاثوليك في حارة الأرمن قبل بناء المبنى الحالي بشارع صبري أبو علم، وأيضًا عن كنيسة تحمل اسم العذراء والأنبا بيشوي وكانت من قبل تابعة لليونانيين (الروم الأرثوذكس) وبعد ذلك أصبحت كنيسة قبطية، وعن مصنع روسوس، وأمور أخرى يطول الحديث عنها.


كانت هذه الزيارة الأخيرة هي أجمل وأطول جولة برفقة أستاذ عادل رأيت فيها كل تلك المعالم وأكثر، يكاد المرء يشعر أنه يتجول وسط حواري نابولي أو فينيسيا.


ارتكبت في هذه المرة غلطة صعيدية من العيار الثقيل، قطعنا شارع قصر النيل من نهاية تقاطعه عند شارع الجمهورية، لم يسبق لي المرور بقصر النيل من تلك النقطة، وعند اللوحة التي تحمل اسم الشارع قلت لأستاذ عادل: “دا قصر النيل بجد!”
تقبل الملاحظة بخفة دمه المعهودة وقال ضاحكًا: “إنت بتشككني في أعز ما أملك؟!”
اكتشفت أن التهور الصعيدي لا بد أن يفضحني في بعض الأحيان، كيف نسيت أنني في صحبة مؤرخ القاهرة الخديوية وأدق من يحفظ معالمها لا مجرد شوارعها!
ظللت ما تبقى من الأمسية أعتذر عن غلطتي غير المقصودة.


بعد تلك المقابلة الأخيرة تبادلنا اتصالات كثيرة، حدثني أستاذ عادل عن الأفكار الحالية التي يعمل عليها ضمن مشروعه عن القاهرة الخديوية.


كنا نخطط لجولة في مقابر اللاتين والإيطاليين المتاخمة لسور لمجرى العيون، كنت أريد أن أبحث عن مدفن أبوي جدتي، ولكن للأسف..


وأمور أخرى كثيرة ومواقف إنسانية عديدة جمعتني مع أستاذ عادل الأصيل المحترم، أرجو ألا تكون ذاكرتي قد خانتني ونسيت بعضها.
في آخر مكالمة، منذ حوالي عشرة أيام، قلت لأستاذ عادل إنني أعيد قراءة كتبه، وهي لا تزال أمامي على مكتبي حتى اليوم. لا أتعامل معها كمجرد قراءة للمعرفة والاطلاع، بل أختبرها بوصفها رحلة استرشادية يعود له الفضل في تجميع مادتها بحب وشغف.
وكأنه كان يشعر باقتراب الأجل المحتوم ويحاول أن يكتب ويبحث قدر الممكن! من المؤسف أن أعلم برحيل أستاذ عادل سيف، اليوم الأحد 19 يوليو 2026، هذا الحزن أكبر من الاحتمال!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى