مورفولوجيا الحكاية: كيف تُفكك الأنثروبولوجيا بنية النص الشعبي لتصنع الدراما؟
محمد عز الدين الحجار يكتب

لم تكن العودة إلى التراث في مسار المسرح العربي الحديث مجرد حنينعاطفي إلى الماضي أو رغبة مجردة في تزيين الخشبة بفولكلور بصرييغازل وجدان الجمهور، بل كانت في جوهرها عملية اكتشاف لبنية هندسيةشديدة الإحكام يمتلكها النص الشعبي، لأن الحكايات التي تناقلتها الأجيالشفاهية، والسير التي صاغها الوجدان الجمعي، لم تكن نصوصًا عشوائية،بل كانت تنطوي على “شفرات درامية” قابلة لإعادة الإنتاج فوق خشبةالمسرح، وهنا تلتقي الأنثروبولوجيا بالمسرح؛ يغدو التفكيك البنيوي للنصالشعبي هو الجسر المعرفي الذي يعبر فوقه المخرج والكاتب المعاصر لتحويل”الراوي” إلى “ممثل”، و”السامع” إلى “متفرج”.
في كتابه العمدة “مورفولوجيا الحكاية الخرافية”، أحدث الباحث الروسيفلاديمير بروب ثورة في كيفية النظر إلى الأدب الشعبي؛ إذ تجاوز القراءاتالسطحية التي تركز على مضامين الحكايات واختلافاتها الجغرافية، ليتجهنحو تشريح “البنية المرفولوجية” (الهيكلية) لها، وتوصل بروب إلى نتيجتينحاسمتين: الأولى هي ثبات العناصر الحكائية وتكرارها مهما تغيرت أسماءالشخصيات أو أمكنتها، والثانية هي أن الشخصيات في الحكاية الشعبيةلا تُعرّف بصفاتها النفسية، بل بـ”وظائفها الدرامية” داخل السرد، وفي هذا السياق حصر بروب هذه الوظائف في إحدى وثلاثين وظيفة ثابتة تشكلالهيكل العظمي لأي حكاية (مثل: التعدي، النقص، الاختبار، التحول،العودة)، واختزل الشخوص في سبعة أنماط رئيسية تحرك الصراع (البطل،المساعد، المانح، الخصم، الشخص المقود، الموجه، البطل الزائف)، هذهالهندسة الصارمة للحكاية الشعبية هي ما يجعلها قريبة بطبيعتها من الفنالدرامي؛ فالوظيفة عند بروب ليست سوى “فعل”، والدراما في جوهرهاليست سوى حركية الأفعال وتصادمها.
عودًا على بدء؛ حين التقط المسرحيون العرب في النصف الثاني من القرنالعشرين هذا الخزان الثقافي الغني، واجهوا تحديًا بنيويًا: كيف تتحولالحكاية القائمة على “العنعنة” والسرد الشفاهي الممتد إلى زمن مسرحيمكثف محكوم بالجدار الرابع وبالمواجهة الحية؟ الاجابة تكمن في إعادةتنظيم “الوظائف البروبية” داخل قالب الحوار والصراع الدرامي، ففيالحكاية الشعبية التقليدية، يسير الزمن بشكل خطي متتابع يرويه الوجدانالجمعي عبر راوٍ عليم، أما في المسرح الحديث، يتم فك هذا الخط وإعادةصياغته في مشاهد بصرية متصارعة، ولنأخذ على سبيل المثال تجربةاستلهام “سيرة علي الزيبق” أو “حسن ونعيمة”، نجد أن الكاتب المسرحيهنا لا ينقل الحكاية حرفيًا، بل يأخذ وظيفة “النقص” أو “الغدر” الكامنةفي النص الشعبي ويحولها إلى أزمة درامية تفجر الصراع فوق الخشبة،فشخوص الحكاية الذين كانوا مجرد ظلال في خيال المستمع يصبحونكتلًا بشرية تتحرك، تتكلم بلغة مرنة تجمع بين بساطة اليومي وعمق الرمزالمعاصر؛ إنها عملية تحويل الأنثروبولوجيا الثابتة (البنية) إلى سوسيولوجيامتحركة (العرض المسرحي) تستدعي قضايا السلطة، والعدالة، والحرية فيالزمن الراهن.
وهنا يتسلل إلى عقولنا سؤال جوهري: لماذا يتفاعل الجمهور العربي بحماسشديد مع العروض المسرحية المستندة إلى الأدب الشعبي؟ إن التفسيرالسيميائي والأنثروبولوجي يذهب إلى أن المتفرج لا يكتشف حكاية جديدة،بل يعيد قراءة “خزانه الرمزي المشترك” مع الجماعة، فبنية الحكاية الشعبية(رحلة البطل، مواجهة الظلم، الانتصار النهائي للخير أو الشهادةالتراجيدية) هي بنى مغروسة في الوعي واللاوعي الجمعي للمجتمعاتالعربية، لذا عندما يُعرض “موال حسن ونعيمة” أو تُستدعى “السيرةالهلالية” فوق المسرح، فإن العلامات السيميائية (الكلمة، النغمة، الحركة) تشتغل كـ”مفاتيح معرفية” تفتح أبواب الذاكرة المشتركة، وهذا اللقاء بين بنيةالنص الجاهزة في ذهن المتفرج وبنية العرض الحية على الخشبة يخلق حالةمن التواطؤ الثقافي الجمالي، حيث يصبح المتفرج شريكًا في إنتاج المعنى،وليس مجرد مستهلك سلبي له.





