قاطرة الكلمة

محمد عز الدين الحجار يكتب : دراما رمضان: حين تتحول الشاشة إلى مرآة للقلق الاجتماعي

مع إنتهاء الموسم الدرامي الرمضاني، اصبح من الواضح أن مسلسلات هذا الشهر الفضيل لم تعد مجرد مادة ترفيهية تُستهلك بعد الإفطار، بل سعت خلال السنوات الأخيرة إلى أن تصبح أحد أهم الفضاءات التي يُعاد فيها إنتاج الواقع الاجتماعي والنفسي للمجتمع! وفي الموسمين الأخيرين، بدا واضحًا أن الدراما لم تعد تكتفِ بسرد الحكايات، بل اقتربت بشكل لافت من مناطق حساسة تمسّ بنية الأسرة، والعلاقات الإنسانية، والهشاشة النفسية للأفراد! هذا الاقتراب المكثف يطرح سؤالًا جوهريًا: كيف تؤثر هذه الأعمال في المشاهد نفسيًا؟ وهل تسهم في الوعي، أم تعيد إنتاج القلق؟

مع هيمنة القضايا الاجتماعية الثقيلة على خطوط السرد الدرامي، خاصة ما يتعلق بالطلاق، والخيانة، والضغوط النفسية، وأزمات الهوية! فقد تناولت عدة أعمال تفكك الأسرة وما يترتب عليه من صراعات قانونية ونفسية، وهو ما يعكس انتقال الدراما من الحكايات الرومانسية التقليدية إلى مناطق أكثر تعقيدًا وواقعية! وهذا التحول لا يمكن فصله عن السياق الاجتماعي! فالفن، وفقًا لمدارس علم الاجتماع الثقافي، لا يبتكر موضوعاته من فراغ، بل يعيد صياغة ما يعيشه المجتمع بالفعل، وهذا الموسم لم تعد المشكلة تكمن في طرح القضايا، بل في كثافة حضورها وتكرارها داخل موسم واحد، وهو ما قد يؤدي إلى ما يمكن تسميته بـ”التشبع النفسي السلبي”فحين يشاهد المتلقي عشرات الحلقات التي تدور حول الانفصال والصراع الأسري، قد لا يتعامل معها بوصفها حالات فردية، بل كصورة عامة عن الواقع، وهو ما يؤثر على إدراكه للعلاقات الإنسانية.

عودًا على بدء، فإن من الناحية النفسية، تلعب الدراما دورًا مزدوجًا. فهي من جهة تتيح للمشاهد فرصة التفريغ الانفعالي، حيث يتعاطف مع الشخصيات ويُسقط عليها مشاعره الخاصة، ومن جهة أخرى، قد تساهم في تعزيز القلق إذا قدمت صورة قاتمة ومتكررة عن الواقع، وهو ما ظهر بشكل واضح، حيث ركزت العديد من الأعمال على الأزمات النفسية العميقة، مثل الاكتئاب، والصدمة، والضغوط الناتجة عن العلاقات المعقدة، وقد أظهرت بعض الشخصيات صراعات داخلية حادة، كما في نماذج تعيش انهيارات عاطفية أو تعاني من اضطرابات نفسية نتيجة تجارب قاسية، و هذا النوع من الطرح له تأثيران متناقضان، أحدهما إيجابي لأنه يمنح المشاهد شعورًا بأنه ليس وحده في معاناته، والآخر سلبي لأنه قد يرسخ الإحساس بأن الأزمات النفسية هي القاعدة لا الاستثناء، وتؤكد دراسات في علم النفس الإعلامي أن التعرض المستمر لمحتوى مشحون عاطفيًا قد يؤدي إلى ما يسمى بـ”العدوى الانفعالية”، حيث تنتقل مشاعر القلق أو الحزن من الشاشة إلى المتلقي.

وعلى الرغم من أهمية ما استمرت الدراما الاجتماعية في تقديمه هذا العام، من مساهمة في كسر الوصمة المرتبطة بالصحة النفسية، مع ظهور شخصيات في بعض الأعمال تلجأ إلى العلاج النفسي -وهو ما يمثل تطورًا مهمًا في الخطاب الدرامي- فإنها تظل في مواجهة مستمرة مع معضلة أساسية: كيف تحقق التوازن بين الواقعية والجاذبية الدرامية؟ خصوصًا مع اللجوء للمبالغة، لتحقيق تأثير درامي قوي، وهو ما يحمل أثرًا نفسيًا مزدوجًا؛ تزيد من اندماج المشاهد وتخلق تصورًا مشوهًا عن الواقع في ذات الوقت! وفي علم النفس المعرفي، يُعرف هذا التأثير بـ”التحيز الإدراكي الناتج عن التكرار”، حيث يميل الإنسان إلى تصديق ما يتعرض له بشكل متكرر، حتى لو كان غير دقيق.

وهنا وجب أن نتطرق إلى ما أشارت له بعض الدراسات الحديثة في تحليل الدراما التلفزيونية إلى أن الأعمال التي تعتمد على “منحنيات عاطفية قوية” تكون أكثر تأثيرًا وانتشارًا بين الجمهور، لأنها ترتبط بالذاكرة الانفعالية للمشاهد، وهذا ما يفسر نجاح العديد من مسلسلات رمضان، التي تعتمد على الصدمات المفاجئة، والتحولات الدرامية الحادة، وخصوصًا النهايات المفتوحة أو صادمة، لكن هذه القوة العاطفية نفسها قد تجعل المشاهد يعيش التجربة وكأنها جزء من واقعه الشخصي، وهو ما يزيد من التأثير النفسي طويل المدى، وحين تتحول الدراما إلى تجربة شخصية
في ضوء ما سبق، يمكن القول إن تأثير دراما رمضان في المواسم الأخيرة، لا يقتصر على لحظة المشاهدة، بل يمتد إلى ما بعدها، والمشاهد لا يخرج من العمل كما دخل إليه، بل يحمل معه مشاعرًا وأفكارًا وربما أحكامًا على الواقع،
بل قد تجد في بعض الحالات، أن المشاهد تدفعه الدراما إلى إعادة تقييم علاقاته أو القلق بشأن مستقبله أو حتى تبنّي مواقف جديدة تجاه قضايا اجتماعية، وهذا النموذج الذي بوضح أن الدراما قوة ناعمة حقيقية، قادرة على التأثير في الوعي الجمعي.

في الخاتم يجب أن أؤكد على وجهة نظري؛ أن دراما رمضان ٢٠٢٥ و٢٠٢٦ تحديدًا، كشفت عن مفارقة لافتة: فهي من جهة قدمت مساهمة في رفع الوعي بالقضايا النفسية والاجتماعية، ومن أخرى ربما زادت من حدة القلق لدى المشاهد بسبب كثافة الطرح وتشابهه، وهنا يجب أن أشير إلى أن المشكلة ليست في تناول القضايا، بل في كيفية تقديمها! فحين تُعرض التجارب الإنسانية بعمق وتوازن، تتحول الدراما إلى أداة للفهم والتعاطف أما حين تُختزل في صراعات حادة ومكررة، فقد تتحول إلى مصدر ضغط نفسي إضافي، مما يضعنا أمام سؤال ربما تستطيع عزيزي القارئ الإجابة عنه: هل نشاهد الدراما لنفهم أنفسنا؟! أم لنكتشف أننا أكثر قلقًا مما كنا نظن؟!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى