محمد عز الدين الحجار يكتب : المسرح الشعبي: ذاكرة مصر الحية
إذا أردنا قراءة تاريخ المسرح الشعبي في مصر، فلا يمكننا فقط أن نتتبعه من حيث الترتيب الزمني للعروض، بل يجب فحصه بوصفه “بنية ثقافية” تعكس الوجدان الجمعي، لأن المسرح المصري، في جوهره، هو فعل “انعكاسي”، أي أنه المرآة التي يرى فيها المجتمع نفسه ويناقش من خلالها أزماته وقيمه، ومن منظور الأنثروبولوجيا الثقافية، نحن لا نبحث عن “خشبة” و”ستارة”، بل نبحث عن “الفضاء التحولي” الذي يلتقي فيه المؤدي بالجمهور لإعادة صياغة الواقع.
يرى الأنثروبولوجي “جيمس فريزر” أن الدراما تولد من رحم الأسطورة والطقس، ففي مصر القديمة، لم تكن “مسرحية أوزيريس” مجرد ترفيه، بل كانت “طقساً لإعادة التوازن الكوني”، حيث كانت احتفالات “أبيدوس” تمثل أول نموذج للمسرح التفاعلي، فلم يكن هناك فصل بين الممثل والجمهور؛ الجميع مشارك في “النواح” أو “الاحتفال”، حيث يولد هذا الاندماج الذي يسميه علماء الأنثروبولوجيا بـ “Communitas”، حيث تذوب الفوارق الطبقية أمام جلال الطقس، وفي مثال آخر، نجدنا نقف أمام دراما منف (الكلمة الخلاقة)، حيث أظهرت النصوص المسرحية المسجلة على الأحجار إلى أن الحوار كان وسيلة لتجسيد الصراع بين “حورس” و”ست”، وأكاديميًا يُعد هذا “تجسيدًا للمفاهيم المجردة”، حيث يتحول الإله إلى شخصية درامية لها انفعالات، مما مهد الطريق لظهور “البطل الشعبي” لاحقًا.
وبقفزة زمنية إلى عصور أقرب، نجد أنفسنا مشدوهين أمام النموذج الأقدم لـ”مسرح الدمى” ؛(الأراجوز) الذي قدم لنا في الثقافة المصرية نموذج “المخادع” وهو نمط أنثروبولوجي عالمي (مثل “باك” عند شيكسبير)، لكن الأراجوز المصري اكتسب خصوصيته من صوته “المعدني” الحاد، حيث (المزمار الفمي): هذا الجهاز الصغير الذي لم يكن مجرد أداة لتغيير الصوت، بل أداة “تغريب” (Alienation) بتعبير بريخت، تفصل الممثل عن بشريته لتحوله إلى “صوت الحق” المطلق الذي لا يحاسبه أحد، ووفقًا لنظرية باختين، يمثل عرض الأراجوز: “العالم المقلوب”، حيث يضرب الأراجوز (الفقير) العمدة أو الشاويش (السلطة) -على سبيل المثال- وكأنه يمنح الجمهور “تطهيرًا” سياسيًا واجتماعيًا، ويحول الفضاء العام (الحارة) إلى ساحة للحرية المؤقتة.
وفي مجتمع اعتمد لقرون على الشفاهية، نقف أمام نموذجين آخرين للمسرح الشعبي المصري، ولنبدأ بالحكواتي؛ ذلك الرحالة الذي كان يقطع المسافات بين قريته والمدن البعيدة ذهابًا وإيابًا، ليعود محملًا بحكايات الطريق والتجربة، فيلتف حوله الكبار قبل العيال، لينصتوا لآدائه، ويبذلون كل ما يحملونه في “سيّالات الجلاليب”، فقط ليبحروا في خيال يحملهم إلى عوالم لم يشاهدوها من قبل… أما النموذج الثاني والأشهر في ذاكرتنا الجماعية، هو “شاعر الربابة” ذلك الذي امتلك فطرة إبداعية تفوقت على العديد من المبدعين، تمكنت من تحريك عقول وقلوب المصريين، بحكايات عدة، لعل من أبرزها، السيرة الهلالية، والذي لم يكن آداؤها على المقاهي مجرد محاولة للسرد التاريخي، بل كان عملية “إعادة إنتاج للقيم”، وهنا تهتم الأنثروبولوجيا بدراسة: كيف يتم “تسييس” الحكاية، فالمؤدي هنا يغير في نبرته وأحداثه بناءً على رد فعل الجمهور، مما يجعل النص “نصًا حيًا” غير ثابت، ويجعل من”أبو زيد الهلالي” أكثر من مجرد فارس، بل تجسيد للاغتراب والبحث عن الذات، وكأن الجمهور الذي ظل يستمع للسيرة لليالٍ طويلة، كان يمارس نوعًا من “التعويض النفسي” عن انكسارات الواقع عبر انتصارات البطل المتخيل.
ومع تطور الأفكار والأساليب، ظهرا “البيانولا” و”صندوق الدنيا” كمرحلة انتقال من المسرح القائم على الكلمة إلى المسرح القائم على “الموسيقى والصورة”، ودعونا ندخل أولًا من بوابة “أنثروبولوجيا الفرجة” حيث كان “الحاوي” الذي يحمل صندوق الدنيا يقدم أول “سينما يدوية”؛ من خلال الثقوب، كان المشاهد ينعزل عن عالمه ليدخل في عالم “الصور المتحركة” (قصص الأنبياء، الأبطال الشعبيين…) هذا الانعزال البصري يمثل نوعًا من “الرحلة الطقسية” المؤقتة بعيدًا عن ضجيج الحياة اليومية، بينما كانت البيانولا هي “صوت المدينة” الناشئة، حيث مزجت بين الألحان الأجنبية والمزاج المصري، لتعكس هجين الثقافة في بدايات القرن العشرين.
ودعوني هنا أقف عن شكل فني أخير، وهو “خيال الظل”، الذي يراه بعض الباحثين كأرقى أشكال المسرح الشعبي المصري من الناحية الفلسفية، فقد استخدمه “ابن دانيال” في العصر المملوكي لنقد الفساد الاجتماعي خلف الستارة البيضاء، حين تصبح العرائس الجلدية مجرد “ظلال”، مما يسمح بتقديم نقد لاذع للسلطان أو المحتسب، وهو ما يعبر -أنثروبولوجيًا- عن “ثقافة التخفي” التي يلجأ إليها المجتمع في فترات القمع، كما عكس خيال الظل -من منظور آخر- رؤية صوفية للكون، حيث الإنسان مجرد “ظل” يتحرك بمشيئة المحرك (اللاعب)، وهي فكرة تتقاطع مع الميتافيزيقا الشعبية المصرية.
عودًا على بدء، أجدني أقف أمام هذا التساؤل: “لماذا صمدت هذه الفنون رغم تغلغل الحداثة”؟ ولعل الإجابة التي وجدت فيها منطق أكثر رصانة، هي أن هذه العروض كانت تُقام في الموالد والأعياد، وهي لحظات “الزمن المقدس” التي يعيد فيها المجتمع تعريف روابطه، وبالتالي كان من الصعب اندثارها في مجتمع يميل العاطفة في الحكم على الأشياء، ولربما أيضًا يكون السبب في ما قدمته هذه الأشكال المسرحية، كنظام أخلاقي بديل، ظهر في ظل غياب العدالة الرسمية خلال فترات تاريخية معينة، وبالتالي قدم المسرح الشعبي “عدالة شاعرية” ينتصر فيها المظلوم -بالتوافق مع العاطفة كما ذكرنا- دائمًا، ولها هذا ما تجلى أثره في القرن العشرين، مع محاولة رواد مثل “يوسف إدريس” في (الفرافير) و”نجيب سرور” في (ياسين وبهية) لاستلهام هذه الأشكال الشعبية وكسر “الجدار الرابع” للمسرح الغربي.
نهاية؛ يرى الأكاديميون أن العودة للأراجوز والحكواتي لم تكن نوستالجيا، بل كانت بحثًا عن “أصالة” مسرحية ترفض التبعية للنموذج الأرسطي الغربي، كما أن استدعاء “المداح” أو “السامر” على خشبة المسرح الحديث هو محاولة لاستعادة “روح الجماعة” التي ضاعت في صالات العرض المغلقة، ومن هذا المنطلق علينا أن ندرك أن المسرح الشعبي في مصر ليس تراثًا متحفيًا، بل هو ممارسة ثقافية حية؛ من طقوس أبيدوس التي احتفت بالحياة والموت، وصولاً إلى الأراجوز الذي يخرق الصمت بسخريته، ظل هذا المسرح شاهدًا على “المرونة الثقافية” للمصريين، لذا فإنني أرى أن دراسة هذه الفنون من منظور الأنثروبولوجيا الثقافية تكشف لنا أن المصري لم يكن يمثل لكي يهرب من الواقع، بل كان يمثل لكي “يمتلك” هذا الواقع ويعيد تشكيله بما يتوافق مع أحلامه البسيطة في العدل والحرية والبهجة.




