محمد عز الدين الحجار يكتب: الفن كأداة في العلاج النفسي: بين النظرية والتطبيق
خاض العالم العديد من الكوارث والأزمات في العقود الأخيرة، لم تترك ظلالها القاتمة على الجانب الاقتصادي أو الاجتماعي فقط! بل امتدت لتغرق الإنسان في صراعات واضطرابات نفسية، ومع البحث الدائم عن حلول خارج دائرة الأدوية وآثارها الجانبية، أظهر العلم اهتمامًا متزايدًا باستخدام الفنون في المجالات العلاجية، خصوصًا في ميدان العلاج النفسي، حيث لم يعد الفن يُنظر إليه بوصفه نشاطًا جماليًا أو ترفيهيًا فحسب، بل أصبح وسيلة فعّالة لفهم المشاعر الإنسانية العميقة والتعامل معه، ويُعرف هذا المجال اصطلاحًا باسم “العلاج بالفن”، وهو أحد فروع العلاج النفسي الذي يستخدم الإبداع الفني -مثل الفنون التشكيلية أو الموسيقى أو فنون الآداء- كوسيلة للتعبير عن الخبرات النفسية ومعالجتها.
يستند العلاج بالفن إلى مجموعة من النظريات النفسية التي تؤكد أهمية التعبير غير اللفظي -وغالبًا غير المكتوب- في فهم التجربة الإنسانية، وقد تأثر هذا المجال مبكرًا بأفكار رواد التحليل النفسي مثل كارل يونغ وسيجموند فرويد، اللذان اعتبرا أن الصور والرموز الفنية يمكن أن تكشف عن محتويات اللاوعي التي يصعب التعبير عنها بالكلمات؛ فالفن من هذا المنظور، يصبح لغة بديلة تسمح للفرد بإظهار صراعاته الداخلية ورغباته المكبوتة بطريقة آمنة.
ومع تطور علم النفس الإنساني في القرن العشرين، خاصة مع أعمال كارل روجرز، اكتسب العلاج بالفن بعدًا جديدًا يركز على تحقيق الذات وتعزيز النمو الشخصي، فالممارسة الفنية في سياق علاجي تساعد الفرد على إعادة تنظيم خبراته العاطفية، كما تتيح له فرصة اكتشاف ذاته والتواصل مع مشاعره بصدق وحرية، وقد تطور هذا المجال لاحقًا ليصبح تخصصًا علميًا قائمًا بذاته، تدعمه مؤسسات مهنية دولية كبيرة، تساهم في وضع المعايير المهنية وتطوير برامج التدريب والبحث العلمي في هذا المجال.
يعتمد العلاج بالفن على مجموعة من الآليات النفسية التي تجعل الممارسة الفنية وسيلة فعّالة في العلاج، وأول هذه الآليات هو التعبير الرمزي؛ فالأفراد -خصوصًا الأطفال أو الأشخاص الذين يعانون صعوبة في التعبير اللفظي أو الكتابة- يمكنهم من خلال الرسم أو التشكيل أن يعبّروا عن مشاعر معقدة مثل الخوف أو الغضب أو الحزن، أما الآلية الثانية هي الإسقاط النفسي، حيث يسقط الفرد جوانب من خبرته الداخلية على العمل الفني الذي يخرجه، ومن خلال مناقشة هذا العمل مع المعالج، يمكن الكشف عن أنماط التفكير أو الصراعات النفسية الكامنة، ثم نصل إلى الآلية الثالثة وهي التنظيم الانفعالي؛ إذ تشير العديد من الدراسات إلى أن الأنشطة الفنية تساعد على خفض مستويات التوتر والقلق، وتحفّز الإحساس بالسيطرة على المشاعر، فعملية الإبداع نفسها تتطلب تركيزًا وتأملًا، مما يخلق حالة قريبة من التأمل الذاتي.
تُستخدم تقنيات العلاج بالفن في مجموعة واسعة من السياقات العلاجية والاجتماعية، ففي مجال علاج الصدمات النفسية، أثبتت التجارب أن الرسم أو التعبير البصري أو الآداء الحركي، يساعد الناجين من الحروب أو الكوارث على إعادة صياغة تجاربهم المؤلمة بطريقة أقل إيلامًا، وقد استُخدمت هذه الأساليب على نطاق واسع في برامج دعم ضحايا الصدمات ومرضى اضطرابات ما بعد الصدمة، كما يُستخدم العلاج بالفن مع الأطفال الذين يعانون من اضطرابات سلوكية أو صعوبات تعلم، حيث يتيح لهم الفن مساحة آمنة للتعبير عن مشاعرهم من دون الشعور بالحكم أو النقد، وفي السياق العلاجي، أصبح الفن جزءًا من برامج الدعم النفسي للمرضى الذين يعانون أمراضًا مزمنة أو يخضعون لعلاج طويل الأمد، إذ تساعد الممارسة الفنية على تحسين المزاج وتعزيز القدرة على التكيف مع المرض.
عودًا على بدء؛ تتنوع الأدوات المستخدمة في العلاج بالفن تبعًا لاحتياجات المستفيدين وطبيعة البرنامج العلاجي، من أبرز هذه الأدوات: الرسم الحر، التلوين، الكولاج، النحت بالطين، والحكي… ولا يهدف المعالج في هذه الأنشطة إلى تقييم المهارة الفنية بقدر ما يركز على العملية الإبداعية ذاتها، كما يمكن دمج أشكال فنية متعددة في الجلسة العلاجية، مثل الموسيقى أو الحركة التعبيرية، مما يفتح المجال لتجارب علاجية أكثر تكاملًا، ويعتمد نجاح هذه التقنيات على خلق المعالج بيئة آمنة تشجع على التعبير الحر والتأمل في التجربة الإبداعية، وعلى الرغم من الانتشار المتزايد في استخدامه، وظهوره كتخصص منفرد، بشكل تدريجي في أقسام العلوم النفسية بعدد من الجامعات المصرية، فإن هذا المجال ما زال يواجه عددًا من التحديات، أبرزها دمجه في الأنظمة الصحية الرسمية، وهو ما يتطلب تطوير برامج تدريب معتمدة ومعايير مهنية أكثر وضوحُا.
ومع ذلك، تشير الاتجاهات الحديثة في علم النفس والصحة النفسية إلى أن التكامل بين الفنون والعلوم الإنسانية من جهة، والطب وعلم النفس من جهة أخرى، سيصبح أكثر حضورًا في المستقبل. فالفن لا يعمل فقط كوسيلة علاجية، بل يفتح أيضًا أفقًا لفهم التجربة الإنسانية في أبعادها العاطفية والرمزية.
إن استخدام الفن في العلاج النفسي يمثل نموذجًا للتقاطع الخلّاق بين الإبداع والمعرفة العلمية، فمن خلال الجمع بين التعبير الفني والتحليل النفسي المنهجي، يمكن للعلاج بالفن أن يوفّر مساحة إنسانية عميقة لفهم الألم النفسي وتحويله إلى تجربة تعبيرية بناءة، ومع استمرار البحث العلمي وتطوير المناهج المهنية، يبدو أن هذا المجال سيظل أحد المسارات المهمة في دعم الصحة النفسية وتعزيز قدرات الإنسان في المجتمعات المعاصرة.





