مارينا إشعياء تكتب : هارون: كيف لي أن أرى العُليّة؟
دكتورة مارينا إشعياء تكتب :هارون: كيف لي أن أرى العُليّة؟
من قريب قرأت تأمّل عن:«ليه ربنا أختار موسى مش هارون يخرج الشعب من أرض مصر لأرض الموعد؟»،”and it hit home”،مع إن هارون كاهن، وملتزم، ومن سنين بيتعامل مع الشعب وفاهمهم، وموسى اتربّى في قصر فرعون، مش وسط الشعب، وصفاته كانت – بمقاييسنا إحنا البشر –: عصبي، قتل، ولسانه تقيل، لذلك بعقلنا البشري هارون هو أنجح شخص للمهمة دي.
لكن ربنا له حِسبة مختلفة، وكلنا حافظينها:
ربنا بيختار الجهّال والضعاف علشان يغزو بيهم العالم. وده حقيقي، لكن في مستوى تاني أعمق للجملة دي.في سببين مرتبطين بالشخص نفسه، مش بإرادة ربنا بس، لأننا اختزلنا دروس كتير قوي تحت كلمة «إرادة الله» كنوع من الخنوع، مش الخضوع.
لازم نفهم ربنا، وإرادته، والبشرية صح:
١- موسى لما قتل وهرب في الصحرا، وتاه، شاف العليقة.هارون عمره ما تاه، عشان كده عمره ما شاف العليقة. مع إنه رجل الله الملتزم.«يعني إيه؟ هارون وحش علشان ما غلطش؟» لا طبعًا، خالص.
لكن في التزام إيجابي، وفي التزام سلبي.في واحد يتوه ويقع ويتوب، وفي توهانه ده عمل الوحش، وكمان عمل الحلو.وفي واحد يتجنب كل حاجة حرفيًا علشان ما يقعش، وفي تجنّبه الوحش، يتجنّب الحلو كمان.
ظاهريًا هو حلو قوي، والناس بتقول عليه كويس،
بس هو كويس بالسلب، مش بالإيجاب، كويس بالتجنّب، مش بالتعرّض،وده في صميمه ضعيف لأنه لم يُختبر بعد.وفي عقله هو شايف نفسه كويس لأنه ما عملش الغلط،هو بيبعد عن الشر… ويغنّي له،وده وحش قوي قوي قوي برضه.
وذلك يأخذنا للنقطة الثانية:
٢- شخصية هارون ما كانتش تستحمل أبدًا ضغط الخروج من مصر لأرض الموعد.الشخصيات دي تحت الضغط بتنهار، لأن الضغط هو الخطر اللي طول عمرهم بيتجنّبوه.
والدليل؟إن موسى لما غاب على الجبل وهو بيستلم لوحي الشريعة،هارون تحت الضغط بنى العجل الذهبيوقاد الشعب لعبادة الأوثان.عشان كده كتير من الخطاة بقوا أعظم قديسين،وعشان كده ربنا اختار الخطاة والضعفاء يغزو بيهم العالم،مش بس لأن دي إرادته، لكن لأن دول اللي تاهوا ودخلوا في صراع اكتشاف نفسهم، وروحهم، وربنا.
ودول اللي فهموا قد إيه قدرتهم ضعيفة، وإن ربنا هو السند، ودول اللي لما التزموا، التزموا بالإيجاب؛بالاختيار، مش بالتجنّب.ودول اللي اكتشفوا مستوى أعمق من نفسهم، خلّاهم يستحملوا أي ضغط كبير جاي،بمقاييسنا البشرية.
الطفل الهادي، الشاطر، المؤدب… مريح،
آه، بس مريح لمين؟ للي حواليه.إنما لنفسه؟
القصة مختلفة.
الموضوع بسيط:
لو ما غلطتش، وما خفتش، وما جريتش في الصحرا،
مش هتشوف العليقة أبدًا.ولو فضلت حياتك عايش في حماية قصر فرعون،كافي خيرك وشرك، هتنهار تحت ضغط مشوار أرض الموعد.
لم اشجع على فعل الغلط، لكني اشجع إن الإنسان يسقط قناع إنه يكون «كويس بالتجنّب». ” مافيش حياة بتتعاش بالتجنّب” مهما كانت باينة هادئة و كويسة، هي حياة فاضية. لو ربنا سمح لك تتيه..تيه،ولو سمح يكسر نمط التجنّب، سيبه يكسره، ده لمصلحتك.لأن الشخص السلبي فاتر:
فاتر في مشاعره،
فاتر في إحساسه،
فاتر في أفعاله،
فاتر في علاقاته، وأولها علاقته بنفسه.
التجنّب ده وسيلة دفاع إنت كوّنتها علشان تعيش وإنت صغير،لكن خلاص، ما بقاش بيفيدك دلوقتي.
لازم تسمح لنفسك تختبر كل المشاعر.
ربنا مش للشُطّار بذاتهم، ولا بيحب الفاترين.«تيه علشان تشوف العليقة»، حتى إذا وقعت تحت الضغط
ما تبنيش العجل الذهبي.





