د.عبير بسيوني تكتب : كيف تواجه مصر الأزمات الإستراتيجية وأزمة المديونية؟
أولا: أهم توصيات تقرير علاج أزمة الدين العالمي:
أصدرت مجموعة الخبراء المعنية بالديون، التي عينها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش، في ديسمبر 2024، ويرأسها الدكتور محمود محيي الدين، المبعوث الخاص للأمم المتحدة لتمويل التنمية المستدامة، تقريرها الشامل الذي يتضمن 11 مقترحًا عمليًا ومبتكرًا لمعالجة أزمة الديون المتفاقمة في بلدان الجنوب العالمي ومنع تكرارها، وذلك قبيل انطلاق مؤتمر التمويل من أجل التنمية التنمية الرابع (FfD4) المقرر انعقاده بمدينة إشبيلية الإسبانية في 30/6/2025.
تم إعداد التقرير بدعم من مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) والبرنامج الانمائي للأمم المتحدة والمفوضيات الاقتصادية الإقليمية للأمم المتحدة وإدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية كأمانة فنية مشتركة، ليقدم حلول براجماتية وعملية ومقترحات تنفيذية مكملة «لتعهدات إشبيلية» الصادرة عن المؤتمر وتهدف إلى كسر حلقة ضائقة الديون ووضع الأساس لتمويل طويل الأجل وميسور التكلفة لتحقيق التنمية المستدامة.
صرح د.محيي الدين إن المقترحات تركزت حول ثلاثة محاور عمل رئيسية، أولها (إصلاح نظام التمويل متعدد الأطراف)، ويهدف هذا المحور إلى معالجة الاختلالات الهيكلية في هيكل التمويل والديون العالمية ويتطلب تعاونًا واسع النطاق على المستوى العالمي.
وتشمل المقترحات في هذا المجال (1) إعادة توجيه وتجديد موارد الصناديق القائمة ببنوك التنمية متعددة الأطراف وصندوق النقد الدولي لتعزيز السيولة وتبني سياسات لتمديد آجال الاستحقاق وتمويل عمليات إعادة شراء القروض وتخفيض خدمة الدين أثناء الأزمات.
(2) تطبيق وقف خدمة الديون خلال الأزمات، بما في ذلك الكوارث المتعلقة بالمناخ أو الصدمات الخارجية الأخرى، و(3) إصلاح الإطار المشترك لمجموعة العشرين ليشمل جميع البلدان متوسطة الدخل.
وتطبيق الوقف التلقائي لخدمة الديون خلال المفاوضات، وتوسيع نطاق المفاوضات المتوازية مع لجان الدائنين، وتقصير الأطر الزمنية لاستكمال عملية إعادة الهيكلة.
و(4) إصلاح تحليلات القدرة على تحمل الديون (DSA) لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي لتعكس بشكل أفضل وضع البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، والتمييز بين قضايا السيولة والملاءة المالية، والأخذ في الاعتبار جميع أشكال الديون الخارجية والمحلية.
و(5) إعادة توجيه حقوق السحب الخاصة (SDRs) من خلال صندوق المرونة والاستدامة التابع لصندوق النقد الدولي وبنوك التنمية متعددة الأطراف حيثما كان ذلك ممكنًا قانونًا، لزيادة رؤوس أموال بنوك التنمية وتوفير تمويل ميسور التكلفة.
ثاني محاور العمل الرئيسية (تعزيز التعاون الدولي والإقليمي)
ويركز على السياسات والاستراتيجيات التي تعتمد على التنسيق بين مجموعة أصغر من البلدان، مثل تحالفات المقترضين أو برامج المساعدة الفنية وبناء القدرات، وتشمل المقترحات التي تندرج تحت هذا المحور (6) إنشاء مركز مشترك للمعلومات لتقديم المساعدة الفنية والإرشادات بشأن الأدوات المالية المبتكرة، بما في ذلك مبادلات الديون مقابل التنمية، و(7) إنشاء منتدى أو تجمع للدول المقترضة لتبادل المعرفة والخبرات، وتقديم المشورة، وتعزيز فعالية تمثيلهم وصوتهم في المحافل الدولية، و(8) توسيع نطاق المساعدة الفنية وتنمية القدرات لمكاتب إدارة الديون والوزارات والبنوك المركزية والجهات المعنية لتعزيز قدرة الدول على إدارة الديون بطريقة مستدامة وشفافة.
ثالث محاور العمل الرئيسية (تشجيع الدول المقترضة على اعتماد سياسات وإصلاحات وطنية)
وتهدف هذه التدابير إلى تعزيز المرونة الاقتصادية لدى الدول المقترضة، وتحسين إدارتها للديون، وتهيئة الظروف لديها لتمويل أكثر استدامة.
ويشمل هذا المحور مقترحات (9) تعزيز القدرات المؤسسية لمعالجة مخاطر السيولة، واختلالات العملات، والتعرض لأسعار الفائدة، وتحسين إدارة الديون، و(10) تحسين جودة مجموعة مشروعات التنمية القابلة للاستثمار والتمويل ومنصات البلدان الوطنية لجذب تمويل جديد بشروط أفضل، و(11) تخفيض تكاليف المعاملات وزيادة تأثير مبادلات الديون والأدوات المالية المبتكرة الأخرى من خلال التوسع والدمج والمواءمة مع استراتيجيات التنمية الوطنية.
أكد د.محيي الدين أن هذه المقترحات، إذا تم تصميمها وتنفيذها بفعالية، فإنها توفر مسارًا واقعيًا وقابلًا للتطوير نحو تقدم ملموس للخروج من مأزق الديون ومن ثم تحقيق التنمية المستدامة، موضحًا أن المقترحات تمثل إطارًا عامًا لحل الأزمة لكن يبقى النظر في كيفية التعامل مع كل حالة من حالات الدول المدينة على حدة ضروريًا.
وذكر إنه بالرغم من أن هذه المقترحات تمثل استجابة متعددة المستويات لأزمة الديون والتنمية، مشددًا على ضرورة وجود الإرادة السياسية لدى جميع الأطراف المعنية لحل الأزمة، مع الإدراك التام بأنه لا يمكن لطرف واحد حل الأزمة بمفرده، وأن التقدم الهادف في هذا الإطار يتطلب عملًا وتعاونًا على جميع المستويات الدولي منها والإقليمي والوطني على حد سواء.
ثانيا: تعقيب وتوصيات خاصة بمصر:
لمعالجة أزمة الدين في مصر ومنع تكرارها، توصي الدراسات الاقتصادية والمصادر الرسمية بعدة إجراءات استراتيجية، منها ما هو قصير الأجل ومنها ما هو هيكلي طويل الأمد. ويؤكد الخبراء ان العلاج الفعال لأزمة الدين في مصر يتطلب نهجًا متكاملًا يجمع بين الإصلاح الهيكلي (زيادة الإنتاجية)، والحلول المبتكرة (مبادلة الديون)، والحوكمة الرشيدة (الشفافية والرقابة). ونجاح هذه التوصيات مرهون بالإرادة السياسية والتنسيق الدولي،. يجب أن تكون أولوية مصر هي كسر دائرة الاقتراض عبر بناء اقتصاد إنتاجي، بدلًا من الاعتماد على بيع الأصول أو القروض الجديدة لسد فجوات الديون السابقة.
أهم التوصيات المقترحة لعلاج أزمة الدين:
1. تقييد الاقتراض الخارجي بتشكيل لجنة عليا لإدارة ملف الدين العام، تختص بوضع سقف سنوي للاقتراض الخارجي، وعدم اللجوء إليه إلا في حالات الضرورة القصوى، مع دراسة البدائل المحلية المتاحة أولًا.
2. تحقيق فائض أولي مستدام أي أن تكون الإيرادات الحكومية (باستثناء فوائد الدين) أعلى من المصروفات، مما يساعد على خفض الدين تدريجيًا دون الحاجة لاقتراض إضافي.
3. إطالة عمر الدين وخفض تكلفته عبر إصدار أدوات دين طويلة الأجل، وإعادة هيكلة الديون قصيرة الأجل ذات الفوائد المرتفعة.
4. جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة
5. توسيع قاعدة الإيرادات الضريبية من خلال دمج الاقتصاد غير الرسمي، وتبسيط الإجراءات، وتحسين كفاءة التحصيل الضريبي وتحقيق الشمول المالي.
6. إعادة هيكلة الهيئات الاقتصادية وصناديق الأموال الخاصة ودمجها في الموازنة العامة لتعزيز الشفافية وتقليل الهدر المالي.
7. تقليل الضمانات الحكومية غير الضرورية والتي تتحملها وزارة المالية في حال تعثر الجهات المضمونة، مما يزيد من أعباء الدين العام.
8. استثمار الأصول العامة ضمن “وثيقة ملكية الدولة” لزيادة مشاركة القطاع الخاص وتوفير سيولة دولارية دون اللجوء للاقتراض.
9. إصلاحات هيكلية في الحوكمة المالية تشمل تحسين إدارة الدين، وتطوير أدوات تحليل القدرة على السداد، وتوحيد مصادر التمويل.
10. تحديد أغراض الاقتراض بدقة مع المفاضلة بين طلبات الجهات المختلفة، وربط القروض بمشروعات إنتاجية ذات عائد اقتصادي واضح.
من أهم التوصيات إصلاح المؤسسات المالية بتفعيل لجنة إدارة الدين العام برئاسة رئيس الوزراء (الموجودة منذ 2015) لوضع حدود سنوية للاقتراض الخارجي وحصر الديون غير المستخدمة (37.7 مليار دولار). والحد من الضمانات الحكومية للهيئات العامة التي تصل إلى 29.7% من الناتج المحلي.
تتبنى التوصيات أيضا عدد من الإصلاحات الهيكلية للاقتصاد خاصة
1-تعزيز الصادرات وتنويع القاعدة الإنتاجية (تنويع الصادرات غير النفطية -صناعية، زراعية، تكنولوجية- لتقليل الاعتماد على تحويلات المغتربين والعملة الصعبة).
2-وتفعيل اتفاقيات تبادل العملات المحلية مع دول مثل الصين وروسيا لتقليل الطلب على الدولار في التجارة الخارجية.
3-زيادة دور القطاع الخاص بتحسين بيئة الأعمال عبر تبسيط الإجراءات الضريبية وتقليل الرسوم، وزيادة مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد إلى 60% كما تهدف الحكومة.
4- معالجة هروب الشركات إلى الخارج (مثل 2,360 شركة إلى الإمارات) عبر حوافز استثمارية وحوكمة فعالة.
أما أهم الحلول المبتكرة للتمويل أهمها
1. مبادلة الديون بالاستثمارات (Debt-for-Development Swaps) بتحويل ديون الدول الأفريقية إلى استثمارات في مشاريع طاقة متجددة أو بنية تحتية، كما حدث في اتفاقيات مصر مع الإمارات (صفقة رأس الحكمة).
كما انه من الهام تنفيذ توصيات تقرير الأمم المتحدة خاصة إنشاء مركز معلومات دولي لدعم آلية ميادلة الديون.
2.تفعيل آليات إعادة الهيكلة الجماعية بضم الديون متعددة الأطراف (مثل صندوق النقد) إلى برامج إعادة الهيكلة، خاصة للدول متوسطة الدخل.
وتوسيع “الإطار المشترك لمجموعة العشرين” ليشمل مصر، مع تبني وقف تلقائي لخدمة الدين أثناء المفاوضات.




