د.عبير بسيوني تكتب : تكريم علماء مصر وحفظ آثارهم اول طريق نشر الثقافة العلمية
الدكتورة عبير بسيوني&وزير مفوض بوزارة الخارجية
قال -سبحانه وتعالى-: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)، ونفى -سبحانه- التسوية بين أهل العلم وغيرهم فقال: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ).
ولا تقوم الحضارات إلا بالعلم والمعرفة. فالعلماء هم نجوم الأمم. إذا كرمتهم أضاءوا الطريق للأجيال. وإذا أهملتهم تحولوا إلى سراب وانتهى ذكرهم في سجل التاريخ. وحفظ إرث العلماء ليس ترفًا، بل استثمار في هوية الأمة وقدرتها على الإبداع المتواصل. وهو عمل مؤسسي ومجتمعي يتطلب سياسات واضحة وموارد مستمرة ليبقى العلم منارة لا تنطفئ. ومن هنا كان تكريم العلماء وحفظ آثارهم هو وصية حضارية وضرورة إنسانية.
بل إن تكريم العلماء وحفظ آثارهم واجب حضاري وأخلاقي لأنه:
يضمن استدامة المعرفة ويحفظها، فتصبح مصادر التعلم والقدوة التي تشكل مسار التطور العلمي والثقافي، وتكون تشجيعا للأجيال القادمة. ويحفز البحث والابتكار بتوفر المواد الأرشيفية لاحتياجات إعادة البناء والتطوير العلمي. ويربط الأجيال، ويمنح المجتمع مرجعًا للهوية والتقدم. ويُعد اعتراف بالجميل واجب علينا تجاه العلماء، فكل تقنية نستخدمها، أو دواء نتعافى به، أو نظرية نفهم بها الكون، هي ثمرة جهد علماء سبقونا. وفي نفس الوقت تقدم روابط لتعزيز الهوية الثقافية والعلمية، فيرتبط المجتمع بماضيه ويقوّي شعور الانتماء.
إننا بتكريم العالم، نرسل رسالة: “البحث العلمي مسار مُشرِّف”. ويصبح الشباب أكثر حماسًا لخوض غمار العلوم. فنخلق عالماً جديدا يتبع ويتحفز ليُشرف استاذه وأحيانا يتفوق عليه.
ومناهج العلماء وسيرهم واجب حفظها بالذاكرة الجماعية للأمم. فآثار العلماء هي خريطة التقدم البشري، وفقدانها كفقدان ذاكرة الأمة. وحفظ أثارهم هو في حد ذاته قيمة اقتصادية وثقافية مميزة، فالمتاحف والمراكز التراثية تجذب الباحثين والسياح وتدعم اقتصاد المعرفة، وهو هدف قومي لكل الشعوب والأمم.
إن العلماء نماذج ملهمة من التاريخ لا تتكرر. فوجب علينا ذكر فضلهم والتذكير به ليكون نبراسا امام الأجيال تقتدي به وتلحق به، فيقودها ويلهمها.
فكما قال العالم لويس باستور: “العلم لا وطن له، ولكن للعالم وطن”. والعالم على مصطفى مشرفة (اينشتاين العرب) كرمته حكومة المملكة المتحدة بمنحة تعليمية الي الآن باسمه لدراسة الدكتوراه تحت اسم “منحة نيوتن- مشرفة”. والدكتور أحمد زويل، الذي أًطلق اسمه على الشوارع والمؤسسات، حصل على جائزة نوبل في الكيمياء ووسام الاستحقاق المصري من الطبقة الأولى.
و”ابن سينا” الذي خُلد اسمه في المستشفيات والجامعات، ومازال كتابه “القانون في الطب” مرجعًا. والعالمة د. ماري كوري (الوحيدة التي حازت نوبل في مجالين مختلفين، وحُفظ مختبرها كتراث عالمي). والدكتور الإنسان العظيم/مجدي يعقوب صاحب مستشفى القلب العالمية المجانية والحاصل على الجوائز والألقاب والقلوب من كل انحاء العالم.
وقد أبدعت الدول في تنويع أشكال التكريم لعلمائها فوجدنا البعض اختار تسمية المؤسسات بأسمائهم، جامعة زويل وجامعة هارفارد (اتخذت اسمها من المتبرع الأكبر لها القس/ جون هارفارد). او إقامة المتاحف والمعارض (متحف ماري كوري في وارسو، بيت أينشتاين في برن). او إصدار طوابع وعملات (طابع أحمد زويل في مصر، عملة نيوتن في بريطانيا). او توثيق إنجازاتهم في المناهج (دراسة سيرة ابن الهيثم في كتب البصريات). أو إنشاء جوائز تحمل أسماءهم (جائزة نوبل، جائزة الرازي للطب في العالم العربي). أو إقامة تجارب رائدة في حفظ اثار العلماء الراحلين، فألمانيا أقامت متحف للفلكي الكبير وعالم الرياضيات والفزيائي يوهانس كيبلر يحوي كل مخطوطاته الأصلية. واليابان حولت منزل هيديكي يوكاوا (نوبل في الفيزياء) إلى مركز للإبداع العلمي.
وللأسف فإن الأمة العربية بشكل عام تواجه تحديات جسيمة تعرقل حفظ الإرث العلمي لمؤسساتها البحثية والتعليمية أهمها:
1- النسيان المجتمعي؛ وحيث بعض المجتمعات لا تقرأ تاريخها العلمي، ولا توجد جهود توعوية لتحفيز سلك طريق العلم والعلوم. وانقرضت سلاسل تبسيط العلوم للأطفال والعوام. وأصبحت كتب العلم متخصصة ويُصدرها المتخصصون لزملائهم المتخصصين، وهو ما حصر قراءتها على فئة محدودة من المجتمع وهذا عيب مجتمعي كبير، يخلق صدع وشرخ عميق بين المتعلمين وباقي المجتمع.
فانفصل العلم عن فائدته المباشرة لمجتمعه، وانعدم رعاة العلم والشركاء الممولين للعلماء لعدم ادراكهم لقيمته بهذا الوسط. وأصبح العلم غريبا في اهله، مجردا بلا نفع لوطنه، فينقرض ويخبو وينطفأ في هذا المجتمع، وتهجره العقول. وهذا حال مجتمعنا!
2- ضعف التمويل؛ وهو نتيجة مباشرة للنسيان المجتمعي، فالنابغين والنابهين من أبناء الأمة تجد صعوبة في الحفاظ على أبحاثهم وكذلك المتاحف والمخطوطات الخاصة بهم. وكثيرا ما صدمتنا الأخبار ببيع أرث وأوراق وجوائز ومكتبات أدباء وعلماء وفنانين في محال الأنتيكات وعلى الأرصفة لعدم وجود من يرعى ويمول ويحمي ويحفظ هذا الإرث العظيم وعدم تقدير قيمته الكبيرة إنسانيا وحضاريا وفكريا.
3- الاستقطاب السياسي والمجتمعي؛ وهو أمر بالغ الخطورة، وحيث يعتمد المدعين والهدامين للمجتمع وللعلوم والفنون الي إلصاق التهم بالمفكرين من العلماء والنبهاء والمتميزون، وتحويل إرث العالم إلى خلاف أيديولوجي. وتاريخنا مليء بحالات كالغزالي وغيره ممن حاربهم مجتمعهم في حياتهم وبعد وفاتهم، او عمدوا الي حرق كتبهم واخفاء تاريخهم، كما حدث لابن رُشد في آخر حياته من اتهامه بالزندقة وحرق كتبه. وفي القرن العشرين حرم العبقري اينشتاين العرب (د. على مصطفى مشرفة) من تكريم مصري له في حياته لخلافه مع الملك آنذاك.
ولم يتم الاحتفاء الواجب بعالمة الذرة المصرية (سميرة موسى)، ومهندس المفاعلات النووية (يحي المشد) وكلاهما تم اغتيالهم بالخارج، والجغرافي العبقري: جمال حمدان، ومؤخرا عالم الوراثة د. أحمد شوقى. وإذا ما اضفنا لهم علماء اللغة والدين فالقائمة لا تنتهي خاصة وان لدينا خريجين متميزين في الدين من الأزهر الشريف، منارة العلم والدين بالعالم الإسلامي.
4- انهيار قيمة العلم والثقافة العلمية بالمجتمع؛ فبينما المجتمعات المتقدمة علميا تُقدس العلم وتحتفي بالعلماء، وتمكنهم ماديا وادبيا. نجد مجتمعنا يُؤخر، بل ويُقلل من قيمة العلم والدراسة والبحث، ويربطهم بالفقر والعوز وقلة القيمة، حتى ضاعت هيبة العلماء امام سطوة المال والمادة.
لكل ذلك لابد ان تكون لنا رؤية مستقبلية، وعملية مؤسسية، متكاملة، لتكريم العلماء، تعترف بجهدهم وتحول إنجازاتهم إلى موارد عامة، تُستخدم في التعليم والبحث والابتكار والاقتصاد؛ وتحتفي بالأحياء منهم، وتُحي ذكرى العلماء الراحلين منهم، وتعترف بفضلهم وحقوقهم، وتؤدي واجب المجتمع نحوهم من احترام ونشر لعلمهم وتعليم ما تركوه، وتوثيق سيرتهم وآثارهم، بما يضمن بقاء أثرهم في الذاكرة الجماعية، ويحفز الأجيال الجديدة على الاقتداء بهم. فنجني ثمار ذلك من:
إعادة قيمة العلم كرسالة خالدة، وتنصيب العلماء رواد المجتمع، في منزلتهم المستحقة الراقية، مجتمعيا ودينيا وماليا، بنشر الثقافة العلمية كمنهج حياة بأدوات العصر، وبخاصة الذكاء الاصطناعي. والتجارب الدولية الناجحة في ذلك متعددة، فالولايات المتحدة الأمريكية، أكثر الدول في التقدم العلمي، تنفذ مشروع “2061-العلم لكل الأمريكيين”. والهند تقدمت بشكل كبير في نشر الثقافة العلمية بدمج العلوم في الثقافة الشعبية من خلال وسائل الإعلام والمهرجانات. والصين اقامت برنامج “صحوة الصين العلمية والتكنولوجية”
خلق ما يسمى بـ”اقتصاد المعرفة” من شراكة بين القطاع الخاص والباحثين والعلماء لتمويل المشروعات العلمية ذات العائد الاقتصادي المباشر او غير المباشر.
تشجيع الإعلام العلمي وادب الخيال العلمي وإقامة مسابقات خاصة بهذا المجال.
حفظ اثار العلماء (بما يتضمنه من توثيق السيرة، أرشفة المؤلفات، ترميم المخطوطات، رقمنة الكتب، وإنشاء مراكز ومتاحف علمية). كما يتضمن حفظ المراجع العلمية والبيانات البحثية والمواد التعليمية المرتبطة بإنجازات العلماء، بحيث تصبح متاحة للباحثين والطلاب والجمهور العام.
إنشاء أرشيفات رقمية وطنية للمخطوطات والمؤلفات والوثائق العلمية. حتى الوصول الي توثيق رقمي شامل برقمنة كل ما كتبه أو صممه العالم. وبالفعل كان من ثمار مبادرة الرئيس السيسي عام 2014 “نحو بناء مجتمع مصري يتعلم ويفكر ويبتكر”، إطلاق مشروع “بنك المعرفة المصري” عام 2015، وهو أكبر مكتبة رقمية في العالم لحفظ التراث العلمي، وهي تتيح للمصريين كافة، من طلاب وباحثين وموطنين الوصول الي كم هائل من المصادر العلمية والثقافية مجانا. ويوفر محتوى متنوع في مختلف التخصصات التعليمية والأكاديمية والثقافية. ومطلوب استكمالها والتعريف بها بشكل أكبر وتمكين الطلبة بالمدارس والجامعات الوصول عن بعد لها.
إدراج التكريم بكافة انواعه في السياسات العامة للدولة وبشكل مستمر، واستخدام المناسبات المختلفة لذلك. فلا يكفي تخصيص يوم وطني لتكريم العلماء. وانما يكون هناك تعريف وتكريم دائم لنماذج منهم بتسمية المؤسسات ودورات المؤتمرات والمهرجانات بأسمائهم وكذلك تخليد مستمر لذكراهم بتسمية القاعات والمتاحف وإصدار الطوابع لهم، وعمل البرامج والأفلام التوثيقية وبالذكاء الاصطناعي عن اختراعاتهم وانتاجهم. وهنا نذكر ان الاحتفال بعيد العلم بدأ في مصر في العهد الملكي عام 1944، عندما أعلن الملك فاروق ان مصر ستحتفل بعيد العلم في 17 أغسطس من كل عام.
ثم في عهد الرئيس جمال عبد الناصر عام 1958 تم تغيير موعد عيد العلم في مصر في 21 ديسمبر من كل عام تخليدا لذكرى افتتاح جامعة القاهرة عام 1908، وكان اول المحتفى بهم في عيد العلم هو د. طه حسين عام 1958 ثم عباس العقاد عام 1959 ثم توفيق الحكيم عام 1960. اما على المستوى العالمي تحتفل الأمم المتحدة باليوم العالمي للعلوم من اجل السلام والتنمية في 10 نوفمبر من كل عام لتعزيز دور العلوم في المجتمع.
ربط التكريم بالتعليم وإدراج سير العلماء في المناهج التعليمية لتقديم قدوات علمية حقيقية للطلاب. وبحيث يكون معرفة العلماء هي جزء من الثقافة العلمية للطلاب في المدارس والجامعات، برحلات مدرسية منتظمة لمعارض العلماء، وبالدعوة لأبحاث ومسابقات ودرجات علمية متخصصة لسير العلماء وانجازاتهم العلمية.
إقامة المسابقات والبرامج لتبسيط العلوم وترميم وتحقيق والحفظ المادي للمخطوطات والكتب النادرة. ومنح وجوائز سنوية لتكريم العلماء وإبراز سيرهم وإنجازاتهم.
تشجيع النشر العلمي المفتوح وتعزيز استخدامات وسائل التواصل الاجتماعي له خاصة الانفوجرام ذو المحتوى العلمي البسيط وترخيص المواد الأرشيفية للوصول العام.
إعادة طرح -بأسعار مخفضة وبطباعة حديثة- المشاريع الرائدة مثل مشروع تبسيط العلوم للعلامة د. علي مشرفة بسلسلة “مطالعات علمية” و”نحن والعلم” و”العلم والحياة”.
وحديثا مشروع «كراسات علمية»، لتبسيط ونشر المفاهيم العلمية كالهندسة الوراثية والوراثة الميكروبية للعالم د. أحمد شوقي لجمهور واسع يشمل الطالب والقارئ العادي. وطرح سلاسل جديدة، فنقترح اصدار مطبوعات “أحدث الأبحاث في العلوم والآداب” برعاية المجلس الأعلى للجامعات لتبسيط الإنتاج العلمي للجامعات وطرحها سنويا لملاحقة الإبداع والتجديد المعرفي المستمر.
إقامة شراكات بين الجامعات والمتاحف والمجتمع المدني لتنظيم فعاليات، ومعارض، ومحاضرات تعريفية لتسويق الإنتاج المعرفي، والشركات البحثية مع القطاعات المجتمعية، ورسملة الموارد البشرية الأكاديمية.
العلماء هم ثروة الوطن الحقيقية. هم الثروة التي لا تفنى. والفرق كبير بين الثروة المادية والثروة العلمية، فالأولى تُستهلك، بينما الثانية تتكاثر. العالم لا يكتشف فكرة فقط، بل يخلق أرضية لنشوء أفكار جديدة لا حصر لها. العلماء وحدهم هم من يخلقون المعرفة التي تبني اقتصاد المستقبل، تحل مشكلات المجتمع، وتحمي الأمن الصحي والبيئي. العلماء هم الضمير الحي للأمة. كما قال جواهر لال نهرو: “يمكن للأمة أن تعيش بدون ثروات طبيعية، لكنها لا تستطيع العيش بدون علماء”.”العلماء هم النجوم التي تنير طريق الأمة في ظلام الجهل..فاحرصوا على أن تبقى هذه النجوم متألقة في سماء وطنكم.” تحويل العلماء إلى ثروة حقيقية يتطلب سياسات استثمارية ذكية أولها بناء قاعدة بيانات بهم ولهم.
والاستثمار الحقيقي لدولة العلم والمعرفة يبدأ بتكريم العلماء وحفظ آثارهم؛ هو عمل مؤسسي ومجتمعي يتطلب سياسات واضحة وموارد مستمرة ليبقى العلم منارة لا تنطفئ، فلا يصح ان يرحل علمائنا العظماء فى صمت، فلنجعل من ذكراهم حياة لأجيال جديدة من العلماء.
رحم الله علماءنا أحياءً وأمواتاً، وكرم الله الأحياء منهم ودعمهم وأيدهم ليحققوا الخير ويزرعوا الأمل في مستقبل أفضل وأمة عالمة متجددة المعرفة.




