بيمن خليل يكتب : “الليل مع فاطيما”.. قصة حب تنتظر خلاصها المؤجَّل

قصةُ حبّ، ليست مجرّد قصة حب، بل حكاية حملت في طيّاتها أسئلة الوجود، إنها رحلة كشفت المسكوتَ عنه، وأزاحت الستار عن أسرارٍ ظلّت حبيسة الصمت.. الحبّ، في جوهره، ليس ملاذًا آمنًا من العالم، بل مواجهةٌ شرسة معه، وفي الليل مع فاطيما، لا يأتي الحب خلاصًا سهلًا، بل ممرًّا ضيقًا نحو الأسئلة المؤجَّلة: عن الجسد حين يُراقَب فيُختزَل، وحين يُزدرى فيُحرَم من قدسيّته، وحين ينكسر تحت وطأة الاحتلال ثم يقوم متمرّدًا، وعن الإنسان وهو يحاول أن ينجو بقلبه من ماضٍ يلاحقه كظلّ لا يفارقه، نحو جوهر العاطفة الحقيقية حيث وجد سامر ذاته المفقودة.
فالحب الحقيقي، كما تعلِّمنا فاطيما، هو فعل تحرُّر قبل أن يكون انجذابا، هو أن تختار من تكون رغم كل ما يُملى عليك أن تكونه، هنا يصبح الليل شاهدًا لا ينام على معركة الروح مع نفسها، وتغدو فاطيما أكثر من حبيبة؛ تصير فكرةً عن الحرية، وجرحًا مفتوحًا في ضمير وطن، ومرآةً تعكس ما نخشى الاعتراف به حين يطول الظلام ونخلو بأنفسنا، وتظل القضية في جوهرها ليست قضية فاطيما وحدها، بل قضية كل روح تبحث عن هويتها في عالم يصرّ على أن يُسمّيها بغير اسمها.
أن تعثر على رواية تُشيِّد عالمها بعناية فائقة، وتؤسِّس شخصياتها بدقة ووعي، وترسم ملامحها بانسيابية؛ هو أمر نادر، رواية تصنع عالَمًا متماسكًا، تُحسن الكاتبة فيها اختيار الزمان والمكان، وتجيد وصفهما حتى يبدوا كصورٍ التقطتها عدسة القلم، سردٌ ممتع يضع كل حرف في موضعه الصحيح وسياقه الدقيق، بوعيٍ فني لا تشوبه مبالغة.
ترصد الكاتبة شخصياتها بحيادٍ لافت، فتمنح كل شخصية المساحة التي تستحقها بما ينسجم مع واقعها الإنساني، دون تهويل أو افتعال، تمامًا كما نعرفها في حياتنا المشهودة، ومن خلال قصة حب شُيِّدت على أنقاض روحين، يعكس كلٌّ منهما ملامح مرحلة نعيش تفاصيلها، تتشكل حكاية تجمع بين فاطيما وسامر في واقعٍ افتراضي مؤهَّل لأن يحتضن واحدة من أعظم قصص الحب التي تُضاف إلى تاريخ الأدب العربي، إنها رواية «الليل مع فاطيما» للكاتبة الدكتورة بريهان أحمد.
رواية نُسجت من أوجاع فتاة فلسطينية تُدعى فاطيما؛ فتاة صوّرت ذاتها داخل النص قبل أن أتصوّرها أنا كقارئ، إذ منحتني الكاتبة مساحةً واسعة من الخيال مكّنتني من تخيّل ملامحها بوضوح، وحين وقعت عيناي على غلاف الكتاب، بدا وجهها مطابقًا تمامًا لتلك الصورة المتشكّلة في ذهني، فشعرت بأنها فتاة حقيقية من لحمٍ ودم، ولِمَ لا؟ ففلسطين لا بدّ أن تضمّ في واقعها فاطيما تشبه بطلة الرواية.
أما سامر، ذلك الصحفي المصري المشهور، فقد سكنت روحه محبة تلك الفتاة، فغيّرت نظرته إلى الحب، وتعلّق بها حدّ التماهي، كانت حكايةً أقرب إلى ملحمة وجدانية جعلتني، خلال قراءتي، أتساءل بدهشة: أيُّ قصة حب هذه؟ أهي قصة حب بين فتاة فلسطينية ورجل مصري؟ أم أنها، في جوهرها الأعمق، قصة حب بين فلسطين ومصر، بين وطنٍ مجروح ووطنٍ عاشقٍ ومساند؟ بل لعلها قصة حب كبرى تنتظر خلاصها المؤجَّل؟
تأخذنا الكاتبة عبر اثني عشر فصلًا في رحلة إلى عالم فاطيما وشخصيات الرواية، المثقلة بصراعات متعددة، يتصدرها صراعها الجوهري مع سامر، وصراع سامر ذاته في محاولته إثبات نفسه والخروج من عباءة والدته « كاميليا هانم الخياط» السيدة الأرستقراطية، وأخيه الطبيب.
ففي أحياء الزمالك العتيقة، حيث يسكن التاريخ، ترصد الكاتبة المكان بدقة متناهية، كأنها ابنة هذه المنطقة، ويتشابك ذلك مع صراع سامر مع خطيبته القديمة وابنة خالته التي فُرضت عليه فرضا بإرادة والدته، تلك المرأة التي تؤمن بثقافة الأمر والنهي، حيث كلمتها هي الأولى والأخيرة، وفي تصورها أن الحب لا يولد إلا بالفرض، وأنه لا مكان لاختيار القلب، هذا ما دفع سامر إلى التمرد، فاختار الابتعاد والسكن في منطقة التجمع الخامس، ليشق طريقه بمفرده، تاركًا خلفه كل شيء، مكتفيًا بصديقه الوحيد ياسين بدر الدين.
اشتعلت قصة حب سامر وفاطيما في لقاءٍ عبر شاشات العالم الافتراضي، تلك «الشاشة الزجاجية» كما أحبّت الكاتبة أن تسميها داخل ملحمتها الوجدانية، فاطيما امرأة فلسطينية، وسامر صحفي مصري مشهور، ومن خلال دردشة بسيطة، ظنّ الطرفان أنهما بمنأى عن الحب، غير أن شرارته سرعان ما اشتعلت في قلب سامر، إذ وجد في فاطيما الحب الذي طالما بحث عنه حتى عثر عليه أخيرًا.. لكن يبقى السؤال معلقًا: هل أحبت فاطيما سامر كما أحبها؟
مرّت أحداث العلاقة بقطيعةٍ امتدت لأشهرٍ طويلة، إثر اختفاء فاطيما دون سببٍ يُذكر، تاركةً سامر معذّبًا بحبّه، جريحًا في ذاكرته التي ظلّت تبحث عنها حتى كاد يظنها وهمًا، هذا الغياب في رأيي قد يكون إشارةٌ إلى فلسطين، ذلك الوطن الذي يتناسى العالم حبّه، ويتوهّم أنه في قطيعةٍ معه؛ ينظر إليه بعين العاطفة، ثم يفرّ من مواجهة حقيقته المؤلمة.
ظلّ سامر يبحث عن فاطيما، يبحث عن الوطن الضائع، وعن كرامته وذاته وعشقه الكبير، موقنًا أن اكتماله لن يتحقق إلا بوجود الوطن الحقيقي، وبأن يعود الوطن إلى أصحابه، خاض صراعاتٍ لا مثيل لها؛ كانت نفسه مدمّاة، والفراغ الذي خلّفته فاطيما في داخله دفعه إلى الهروب نحو أحضان الرذيلة، ومغامرة علاقاتٍ غير شرعية، في محاولةٍ لخلق عالمٍ آخر يظنه أكثر واقعية من عالمٍ مجهول، وربما وهمي. غير أن الوهم يظل أحيانًا هو الحقيقة المطلقة التي يسعى الإنسان إلى تحقيقها؛ فالوطن المنزوع من حريته تراه أوطانٌ أخرى وهمًا، بينما يراه الصادقون ملاذًا آمنًا، وحقيقةً راسخة في وجدان الأمم التي تدرك عمق الحقيقة التاريخية.
خاضت الكاتبة في روايتها «الليل مع فاطيما» قضايا إنسانية وسياسية شائكة ومثيرة، من بينها تجارة الأجنة الفائضة، واستغلال فتيات الملاجئ ضمن شبكات الدعارة ونقل مرض الإيدز، والاتجار بالأعضاء داخل المخيمات الفلسطينية، وقضية مقابر الأرقام، إضافة إلى استهداف الاحتلال الإسرائيلي لمراكز حفظ الأجنة، لتقتحم بذلك عالمًا بالغ الخطورة يتمثل في تجارة الإنسان.
ففي ملف تجارة الأجنة الفائضة، تروي إحدى الشخصيات عن طبيبٍ مجرم قائلة: «خرجتُ من غرفته بلا رحم.. بلا مستقبل»، فيما تقول أخرى: «كلما رأيتُ طفلًا في الشارع، ينهشني السؤال: هل يكون من نسلي؟ هل يجري في عروقه دمي؟»، وتكشف هذه الشهادات حجم الجريمة المرتكبة في الخفاء، عندما يتحول الجسد الإنساني إلى سلعة، والأمومة إلى جرحٍ مفتوح، في عالمٍ تُسلب فيه الحياة من معناها وتُدار فيه المآسي بمنطق السوق والربح.
واقتحمت الكاتبة بشجاعة قضية مقابر الأرقام لتكشف مأساة لا يجرؤ القلب على تصديقها؛ هناك يُدفن الشهداء الفلسطينيون بلا أسماء، بلا هوية، بلا ذكرى، وتقول الكاتبة في ملحمتها الوجدانية: “فقط أرقام معدنية فوق رؤوسهم، مقابر محاطة بالحجارة، بلا شواهد، بلا هوية، كل قبر رقم، وكل رقم إنسان نُزعت منه روحه واسمه في اللحظة نفسها.”
يُعرف عن بريهان أحمد أنها بعيدة عن الكتابة النسوية وقضايا المرأة اليومية، لكنها كانت على النقيض تمامًا، ففي معالجة قضية تجارة الأجنة الفائضة، واستغلال فتيات الملاجئ في الدعارة، أثبتت أنها كاتبة نسوية بامتياز، إذ سلَّطت الضوء على قضية خطيرة تمس كل النساء، وهي سرقة أجنتهن وأرحامهن، كانت كاتبة واعية وصادقة، تدرك حقيقة الموقف، ولم تكن سطحية كما يشاع عن بعض أشكال الكتابة النسوية التي تختزل المرأة في شكلها، أو ملابسها، وتجعل من هذه التفاصيل الصغيرة محور القضايا، متجاهلة الصراعات الحقيقية التي تتعرض لها النساء، هنا، نرى نسوية حقيقية: مواجِهة للمعاناة، متعمِّقة في الظلم، لا تختبئ وراء الصور النمطية أو الرسائل السطحية التي يروج لها كثيرون تحت شعار “الكتابة النسوية”.
تناولت الكاتبة الحقبة التاريخية لليهود في مصر ببراعة تستحق الإشادة، مقدِّمة معلومات جديدة نادرًا ما يُعرف بها، وهو نتاج بحث دؤوب وشاق قامت به، ومن خلال شخصية الصحفية ميرنا السعدني، استطاعت الكاتبة أن تسبر أغوار هذه الحقبة، مشيرة إلى وثائق سرية صهيونية تتعلق بإقامة دولة فلسطين، مستعينة بأرشيف «الهلال» الزاخر ومجلة «المصور»، لتقدم للقارئ رؤية دقيقة وموثقة للأحداث، لقد جمعت بين السرد الروائي والتحقيق التاريخي، فأسهمت في إعادة كتابة جزء مهم من التاريخ المصري-اليهودي، وكشفت عن تفاصيل كانت مختفية في الذاكرة الجماعية.
تقاطع طريق فاطيما وسامر، كلٌّ في معركته، سامر يكشف قضايا الفساد، وفاطيما تواجه الكيان الصهيوني، واستمرت فاطيما في تبادل المشاعر مع سامر عبر الرسائل، فيما كان سامر يتواصل معها عبر الأحلام، تبدو الرسائل في نظري كأنها تمثل استغاثة فلسطين للعالم، بينما تمثل الأحلام بث الحلم المؤجل للخلاص الذي ظل يراود سامر في منامه، وكانت فاطيما تقول له: «اللي بيحصل في فلسطين كل يوم مش محتاج كلام للشرح، محتاج حب بصمت، محتاج تعي ليه في أحلامك اللي بتراودك»، وعِبر سامر، جاء الرد: «نفسي أحس إني بعيش معاكِ اللي فات، وإني ممكن أعيش معاكِ اللي جاي»، في إشارة إلى الماضي المأساوي للنكبة، وإيمانه بالحاضر بإمكانية الخلاص، وجسر بين ألم التاريخ وأمل المستقبل.
وقع سامر في حب فاطيما، التي كانت كل شيء بالنسبة له، ولكل شيء في حياته، ومرآة لقضيته الكبرى، في الرواية وصفها قائلاً: «كانت رائحة شعرها تشبه أوطانا نجت من الحرب»، وأضاف: «فاطيما، لم أحب أحدًا غيرك، ولن أقبل بحبيبة سواكِ»، لو استبدلنا فاطيما بفلسطين، وسامر بمصر، تتحول الكلمات إلى نبوءة وطنية:
«فلسطين، لم أحب أحدًا غيرك، ولن أقبل بحبيبة سواكِ». ففي الأخير قالت شيرين أبو عاقلة: اخترت الصحافة لأكون قريبة من الناس، كذلك بريهان، اختارت فاطيما لتقترب من الكل، وتُقرِّب الكل من فاطيما.. تقرِّب الكل من فلسطين.





