قاطرة الثقافةقاطرة الكلمة

إسحاق بندري يكتب : «پاولا: المرثية الخالدة»

إسحاق بندري يكتب : «پاولا: المرثية الخالدة»

اسحاق بندري يكتب :القاهرة بعيون الرحالة الغربيين
إسحاق بندري

تفتتح إيزابيل ألليندي هذه الكتاب بتوضيح أنها كتبت صفحاته في أثناء ساعات بلا حصر قضتها في المستشفى بمدريد بعد إصابة ابنتها پاولا بمرض البرفيريا في نهايات عام 1991 ومكوثها لفترة هناك لتلقي العلاج. في القسم الأول من الكتاب تخاطب ألليندي ابنتها: «اسمعي يا باولا، سأقص عليكِ قصة، كيلا تكوني ضائعة تمامًا عندما تستيقظين»، بينما في القسم الثاني منه وإذ أدركت انعدام الأمل في شفائها توجه إليها الحديث قائلة: «أنا لا أكتب الآن من أجل ألا تجد ابنتي نفسها ضائعة عندما تستيقظ. ليس لهذه الصفحات من تُوَجَّهُ إليه. فباولا لن تستطيع قراءتها أبدًا…»
وما بين القسمين تستطرد إيزابيل ألليندي من خلال قالب يمزج بين أدب الرسائل والسيرة الذاتية والتوثيق التاريخي في تقديم قصة طويلة تتشكل فيها ملامح العائلة الكبيرة منقوشة على نسيج حكاية الوطن؛ تشيلي، عبر عقود طويلة.

وهذا الكتاب منذ إصداره في عام 1994 لا يزال يحظى باهتمام القراء والنقاد على حد سواء لما يتضمنه من مشاعر الأمومة الفياضة نحو ابنة راقدة في غيبوبة استمرت على مدار عام كامل ممتزجة مع المذكرات الشخصية وتاريخ العائلة وتشيلي والواقعية السحرية المميزة لأدب أمريكا اللاتينية.
لعل ثيمة الفقد هي الغالبة على هذا الكتاب؛ فقدان الأهل والأصدقاء، فقدان البراءة الأولى وانتهاك صفو الطفولة، فقدان العمل، فقدان الوطن في فترة عاصفة، ثم يصل الفقد إلى ذروته في فقد باولا نفسها. لكن ما يولده الفقد من مرارة وأسى كَوَّنَ دافعًا قويًّا لدى إيزابيل ألليندي لمقاومة الإذعان والإحباط من خلال فعل الكتابة لمجابهة ألم اللحظة الراهنة ومحاولة تجاوز الواقع الأليم.
ورغم ذلك لا تسقط ألليندي في فخاخ رثاء الذات أو الاستغراق في الحزن واجترار الأزمة الشخصية؛ فهي تكتب بروح باعثة على المرح والتأمل والتساؤل تشجع القارئ على التهام صفحات الكتاب الطويلة التي تصل إلى خمسمائة صفحة في الترجمة العربية تستعرض فيها مشاهد حياة ثرية حافلة بالتعاملات والطرائف والأخطاء والنزوات، تصور مشاهد طبيعية خلابة، تدون وقائع مثيرة للضحك وسط أحداث طافحة بالجدية. وبذلك يتوازن الانتقال ما بين المحنة الشخصية والورطة الوطنية مع ما تعج به الحياة من نقائض وغرائب تخفف من وقع الوجع والقهر، إلى درجة إحساس القارئ أن ألليندي تحاول إفاقة باولا وإحياءها من غيبوبتها باستحضار صوتها ووجودها عبر صفحات الكتاب وليس مجرد كتابة رسائل إليها.
يرتكز الكتاب على تلك الوشائج العميقة التي تجمع بين الأم وابنتها، وبواسطتها ترسم ألليندي صورة واضحة المعالم عن شخصية باولا بكل ما اتسمت من تجرد عن المظاهر السطحية ومحبة خالصة لخدمة البسطاء والمهمشين بل وتمرد على معالم الحياة التقليدية بما يوضح قدر الاختلاف ومدى الحرية الذي تمتعت به باولا في زمنها مقارنة بزمن إيزابيل ألليندي في نفس المرحلة العمرية، ربما تباينت رؤاهما أحيانًا لكنهما لم تختلفا في التحلي بالروح المنطلقة المتحررة التي لا تعترف بالحدود أو الثوابت الجامدتين.
لكن هذا الارتباط الوثيق ما بين ألليندي وباولا لا ينفي تأثرها بآخرين أسهموا بشكل أو بآخر في التأثير على مسيرة حياتها ومنجزها الأدبي وقد ظهروا بوضوح في أعمال أخرى أيضًا.
الأول هو سلفادور ألليندي ابن عم والد إيزابيل، وهو رئيس تشيلي صاحب التوجهات اليسارية الذي أطيح به في الانقلاب العسكري عام 1973. في هذا الكتاب يظهر بجلاء انحياز إيزابيل ألليندي نحوه بحكم القرابة من ناحية، وبدافع الإعجاب بحلم الإصلاحات الجذرية والعدالة الاجتماعية والمساوة بين المواطنين عبر الإطار الديموقراطي، إذ تزامن مع مرحلة شباب إيزابيل ألليندي موثقةً من خلاله كيف توازت أحلامها الذاتية كشخصية نسوية متحررة تطمح أن يصل وطنها إلى وضع أفضل عبر حكم سلفادور ألليندي (وإن كانت إيزابيل ألليندي قد تراجعت عن موقفها بتوجيهها الانتقاد إلى فترة حكمه وحياته المترفة في روايتها «سفينة نيرودا» الصادرة في علم 2019 إذ تبنت موقفًا موضوعيًّا لتقييم فترة الحكم الاشتراكي في تشيلي مع مرور الوقت.)
على كل حال تسببت الإطاحة بحكمه في حالة من الاستقطاب بين المعسكر القديم المتوجس من الدكتاتورية القادمة وبين المعسكر الآخر الداعم لها والمبرر لذنوبها. ليجيء بصورة طبيعية وتدريجية تعرض إيزابيل لمخاطر عدة بداية من وضعها تحت المراقبة وفصلها من أعمالها ثم توجيه التهديد إليها ولأبنائها مما اضطرها إلى الهرب إلى فنزويلا لتظل منفية بها لمدة ثلاثة عشر عامًا إذ تقوضت تلك الأحلام المثالية التي جسدها سلفادور ألليندي ومصيره المأساوي ووقوع تشيلي في قبضة دكتاتورية أوجستو بينوشيه الغاشمة.
أما الثاني فهو أستاذها الذي لم يتغير موقفها نحوه، شاعر تشيلي الكبير بابلو نيرودا صاحب الفضل في تحول مسيرة إيزابيل ألليندي من الصحافة إلى الأدب.

فرغم قسوة كلماته نحوها باعتبارها أسوأ صحفية في تاريخ تشيلي لعدم تحليها بالموضوعية وميلها إلى إقحام شخصيتها في الموضوعات الصحفية، إلا أن تلك العيوب التي تحول بينها وبين الصحافة هي نفسها التي يتعين أن تشجعها على الاتجاه إلى كتابة الروايات وإطلاق العنان لخيالها. وفي مفارقة بائسة وافت المنية بابلو نيرودا بعد فترة قصيرة من الانقلاب العسكري وتحولت جنازته إلى أول اعتراض شعبي ضد الدكتاتورية.
قدمت إيزابيل ألليندي رؤية مصغرة عبر قصتها الشخصية إلى جوار رؤية مكبرة عبر قصة الوطن إذ يتوارى الأحباء على يد القدر بينما تخيم على الوطن سحابة داكنة. ثمة رحيل واغتراب لا مفر منهما، وربما لا يملك المرء في مواجهة النكبتين سوى مواصلة الحياة واستئناف مسارها رغم مرارة البلاء.
سيجد القارئ في صفحات «باولا» ما ينير ذهنه عن ذلك البلد البعيد في أقصى أرجاء أمريكا الجنوبية الذي شبهه بابلو نيرودا بأنه «بتلة بحر طويلة»، وإلى جوار ذلك سيكتشف كل تلك الدهشة التي تمنحها الكتابة الصادقة إذ جاءت كرد فعل للاعتراض الإيجابي على مداهمة الغيبوبة بلا أمل في الشفاء، سعت نحو التوثيق حفظًا لما تبقى من ذكريات وتدوينات وذكريات قبل أن يطويها النسيان هي الأخرى.
تكمن غرابة الحياة الإنسانية في اجتماع المتناقضات سويًّا: المزايا والعيوب، الإخلاص والخيانة، الحلم والواقع، الوطن والمنفى، الصدق والادعاء.

رغم طول الكتاب واتساع مداراته وأحداثه وهو ما لا يتحمله بعض القراء، لكن إيزابيل ألليندي قد ضفرت كل تلك الأمور معًا ونسجت منها قصة ملحمية لا تقتصر على باولا فحسب ولكنها امتدت إلى تقديم شهادتها عن صورة العائلة والوطن. تقر في تصالح كامل بكل النقائص البشرية مهما بدت متدنية دون حرج، تعترف في تواضع بأسمى الفضائل مهما كانت مثالية وعصية على التحقيق.

ولا تنسى وسط كل ذلك أن تحكي لنا عن مسيرتها الأدبية ونصائحها في الكتابة ورؤاها السردية، لأنها تعتبر أن عملية الكتابة تتضمن ذلك التفحص لأبعد أعماق النفس من أجل استجلاء الحقيقة.
حتى بعد مرور ثلاث عقود على إصدار «باولا»، لا يزال هذا الكتاب من أكثر كتابات إيزابيل ألليندي المقربة إلى القراء، مع أن ألليندي بالفعل صاحبة إنتاج أدبي غزير ومستمر ينتظره محبوها حول العالم، لكن هذا الكتاب بما يضمه من عواطف مؤثرة وأبعاد إنسانية تتجاوز الحدود الإقليمية والقضايا المحلية وبالطبع لتسليطه الضوء على القضايا النسوية وملامحها عبر عقود، فهو بالتأكيد لم يخفق في أن يستأثر بشغف محبي أدب أمريكا اللاتينية منذ إصداره حتى الآن، فهو من نوعية تلك الكتب التي تظل مرتبطة بأسماء مؤلفيها مهما تعددت مؤلفاتهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى