قاطرة الثقافةقاطرة الكلمة

إسحاق بندري يكتب :«سؤال آخر فقط وعلى الدوام»

إسحاق بندري يكتب :«سؤال آخر فقط وعلى الدوام»

اسحاق بندري يكتب :القاهرة بعيون الرحالة الغربيين
إسحاق بندري

تستهلُ الشاعرة الأمريكية إميلي ديكينسن إحدى قصائدها الشهيرة بقولها: «الدماغ في اتساعه يفوق على السماء»، والطريف في ذلك أن المجاز الشِعري لا يتعارض مع حقيقة الدماغ في واقع الأمر.

يعترف البروفيسور نايل توبريدي بمحدودية معرفتنا عن الدماغ البشري وما يحيط به من إبهام وغموض حتى الآن!
تخرَّجَ توبريدي في كلية الجراحين الملكية بأيرلندا عام 1991 كما أنه ينحدر من عائلة تعمل في الطب، وفي مسيرته المهنية جمعَ بين البحث الأكاديمي والممارسة الإكلينيكية. في البداية عملَ في دبلن قبل الانتقال إلى لندن في عام 1994.

وهناك أجرى مزاولته الإكلينيكية والبحثية بالمستشفى الوطني لطب الأعصاب في كوين سكوير، ثم انتقل إلى باريس وبعدها إلى ملبورن، ليعود في عام 2004 إلى العمل في مستشفى ساينت ڨينسنت الجامعي بدبلن بالإضافة إلى عمله كأستاذ بكلية دبلن الجامعية.

تذكرُ سيرته الذاتية والمهنية أن قسم الأعصاب بمستشفى ساينت ڨينسنت الجامعي قد شهدَ توسعات كبيرة إذ يدير القسم برنامجًا بحثيًّا موسعًا في مجال مرض التصلب المتعدد والديستونيا (خلل التوتر العضلي). يستقبل القسم أكثر من اثني عشر ألف مريض سنويًّا، كما يدير ثلاث عيادات خارجية تقدم العلاج لأكثر من ألفي مريض سنويًّا.

كما شهدَ القسم زيادة كبيرة في عدد الاستشارات العصبية المقدمة إلى مرضى القسم الداخلي، إذ تجاوزت ألفي استشارة سنويًّا. وكذلك يدير القسم عيادات تخصصية في التصلب المتعدد، والديستونيا، ومرض پاركنسون. كما يشرف القسم على عيادة لعلاج حالات الصداع النصفي يدريها ممارسون عموميون.
صدرَ هذا الكتاب في عام 2019 عن دار پنجوين أيرلندا .

ويُصَنَّفُ من بين الكتب الأكثر مبيعًا كما توالى إصدار طبعات مختلفة له عن دار پنجوين بالمملكة المتحدة. يوضح ذلك أن الكتاب يستهدف الوصول إلى قاعدة أوسع من القراء المهتمين بالتعرُّف على مجال الأمراض العصبية لشعورهم بما يلامس حياتهم الشخصية فيما أورده الكتاب من قصص لا تقتصر على تقديم الشرح الأكاديمي لحالات مَرَضية تثير الرعب من التعرُّض للإصابة بها لكنها تحثُّ على التفكير أيضًا.

كما أن القراء يكتشفون في تفاصيل الكتاب ما يداعب ذلك الشعور الإنساني سواء على مستوى ما اكتسبه توبريدي من فهم لطبيعة علاقته مع مرضاه على مدار سنوات خبرته أو على مستوى الإحساس بمدى هشاشة الإنسان وضعفه البشري متى تدهوَّرَت قواه الدماغية والعصبية.
من بين قصص آلاف مرضى الاضطرابات العصبية، يستعرض نايل توبريدي البعض منها في هذا الكتاب – ومن المفهوم بالطبع التزامه بالحفاظ على خصوصية المرضى وسرية هوياتهم وتفاصيل حالاتهم المَرَضية وتغييرها بما يناسب النشر العام دون الإفصاح عن حقيقة المرضى – ومن خلال هذه القصص يتعرض إلى استقصاء طبيعة الأمراض العصبية غير المتوقعة في كثير من الأحيان، وكذلك يتضح من عنوان الكتاب أن ثمة ما يبعث على حب الاستطلاع فيما يتعلق بتلك الأمراض الغامضة.
مما يسترعي الانتباه في كتاب توبريدي أنه يتوجه إلى عموم القراء حول العالم؛ أولًا عبر كتابته في فصول قصيرة، يتناول كل فصل منها قصة معينة لا تبالغ في الاستطراد سواء على الصعيد الأكاديمي أو الصعيد الشخصي؛ وثانيًّا أن الكتاب من خلال تقديمه بصورة تشبه المذكرات الشخصية يعمل على تقليص الفجوة القائمة ما بين الخبرة الإكلينيكية المستغرقة في التحليل والشرح، وبين ما يناسب القراءة العامة غير المتخصصة، وبناءً على ذلك يحاول توبريدي بقدر الممكن تجنُّب الاسترسال في الاصطلاحات المهنية رغم صعوبة ذلك كما يسعى إلى التبسيط دون الإخلال.

تتعدد مظاهر الجوانب الإنسانية في فصول الكتاب؛ ينسج توبريدي قطعة فنيةً لأنه يرى أن الطب ينطوي على شيء من الفن، وبذلك تتضافر في تلك القطعة الفنية شتى العناصر الجمالية؛ ما تطورَت عليه خبراته من خلال تبدُّل موقعه من طبيب شاب يتعامل مع أطباء أكثر سنًّا وخبرةً إلى أستاذ جامعي واستشاري في مجاله يتعامل مع زملاء أصغر في الوقت الحالي.

وعلى جانب آخر يشير على طول صفحات الكتاب إلى ما تتسم به العلاقة بين الطبيب والمريض من رهافة بالغة تستدعي أهمية انتقاء كل كلمة في الحديث علاوةً على ما تتضمنه العلاقات الإنسانية من تعقيد مذهل في نهاية الأمر، وباجتماع كل تلك النواحي في نسيج الكتاب يتجاوز المؤلف تلك الطبيعة الجافة المميزة للعلوم بصفة العامة وليس الطب فحسب، كما يستشعر القارئ مدى ما يتحلى به توبريدي من مشاعر الشفقة والدفء والتواصل الإنساني سواء مع المرضى أو مع عائلاتهم.
يسرد الكتاب قصصًا مختلفةً عن حالات الصداع النصفي وأمرض پاركنسون والعصبون الحركي والتصلب المتعدد والخرف وغيرها مما لا يتمنى أحد أن ينتهي مصيره إليها، تجذب تلك القصص اهتمام القارئ كما توفر له قدرًا هائلًا من المعلومات الجوهرية المرتبطة بتلك الحالات، ولا يتوقف دورها عند قيمتها التعليمية والإرشادية بل لعل القارئ نفسه يجد لديه “سؤالًا آخر فقط” يطمح في الإجابة والبحث عنه.

لا ينقطع سيل التساؤلات على كل حال؛ ثمة قضايا متصلة باستمرارية البحث والاطلاع الواجبة على الأطباء مهما تقدموا في العمر والخبرة. يبدو عجيبًا ومُرهِقًا في آنٍ معًا أن دقة التخصصات الطبية تأخذ في التزايد بلا انقطاع ومع الوقت يكتشف كل طبيب أن معارفه تتنامى حول جزئية معينة ويتعذر عليه مواكبة التطورات الجارية في جزئيات أخرى ناهيك عن متابعة تخصصات زملائه.

علاوةً على الإنهاك الناجم عن زيادة الضغوط والمسئوليات المعهود بها إلى الأطباء، وما يتصف به عصرنا الحالي من سهولة التواصل على مدار الساعة عبر البريد الإلكتروني والرسائل النصية من خلال تطبيقات عديدة، وبذلك تتضاءل فرص الأطباء في نيل قسط من الراحة أو الانعزال لاستعادة التوازن أمام المتطلبات الدائمة.
بالإضافة إلى تصاعد علامات الاستفهام الأخلاقية؛ رغم أن البروفيسور توبريدي يقرُّ صراحةً أنه ليس من دعاة الموت الرحيم، لكنه لا ينفي ما يحير ذهنه من حتمية أن نتقبل جميعًّا حقيقة اقتراب الحياة من نهايتها مع ما يعانيه البعض عند ختام الرحلة من عذاب قد يصل إلى حد المهانة! قد يستحيل علينا القطع بوجود إجابة محددة؛ فكل حالة لها فرادتها الشخصية وتعقيدات ظروفها، وكل ذلك يُصِعِّبُ من الموقف بالنسبة إلى الأطباء وكذلك عائلات مثل هؤلاء المرضى المساكين.

ربما يتعرَّضُ الأطباء بحكم التعامل اليومي مع حالات طبية محيرة إلى بعض الوسوسة الشخصية وربما يتخيلون إصابتهم بنفس الاضطرابات أو تتطرف أفكارهم نحو افتراض أسوأ السيناريوهات.

يحدث أمر مماثل مع المرضى بسبب عدم دقة بحثهم عبر الإنترنت وتصوُّرهم لإمكانية الإلمام بالمعرفة الطبية لمجرد القراءة غير المتخصصة ودون إجراء الفحوصات الضرورية لتحديد التشخيص.

رغم ما يبدو على الحالتين من تشابه ورغم اختلاف النتائج النهائية، لكن المحصلة الأخيرة تشي بقدر القلق والذعر من تدهور الوظائف البدنية والذهنية والعصبية، يتساوى في ذلك الطبيب والمريض.

في هذا الكتاب ما يدفع إلى متعة القراءة كما إلى التزوُّد بالمعرفة العلمية والإنسانية في واحد من أعقد التخصصات الطبية، وأتصور أن ترجمته تساهم في تقديم إضافة جديدة إلى المكتبة العربية وتشارك في تشجيع القراء على توسيع مداركهم بمطالعة المعارف العلمية والطبية المكتوبة بصورة أدبية وقصصية مشوقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى