قاطرة الثقافةقاطرة الكلمة

إسحاق بندري يكتب : أيام الحكمدار الإنجليزي في ربوع مصر.

صدر هذا الكتاب «مذكرات توماس راسل حكمدار القاهرة 1902 – 1946» الذي ترجمه الكاتب والمترجم مصطفى عبيد قد صدر في أصله الإنجليزي عام 1949 بعد ثلاثة أعوام من تقاعد السير توماس ونتورث راسل باشا بعنوان Egyptian Service أو الخدمة المصرية ويغطي ذكريات أربعة وأربعين عامًا قضاها راسل باشا في مصر منذ عام 1902 حتى عام 1946 تدرج في أثنائها في مناصب وزارة الداخلية المصرية بداية من عمله كمفتش في خفر السواحل إلى أن تقلد منصب حكمدار القاهرة منذ عام 1918 وحتى تقاعده لدرجة أنه يفتخر بعمله في جميع مديريات مصر ومدنها.


ثمة نقطة محورية يشير إليها المترجم في مقدمته وهي إغفالنا عن الاهتمام بدراسة ما يكتبه الآخرون عنا وسيطرة الشعور بالريبة تجاه رؤاه وتصوراته، مع أن مثل تلك المذكرات والكتابات تضمن إفادة عموم القراء والمثقفين وبالطبع رجال الشرطة في حالة هذا الكتاب الذي يسلط الضوء على أحوال المجتمع المصري في النصف الأول من القرن العشرين وما مر به من تطورات الجرائم وأساليبها وحيل القائمين عليها، كما أنه لا يقتصر على تلك الجوانب الأمنية لكنه يقدم صورة واسعة عن أحوال المصريين بمختلف أطيافهم في الريف والحضر ويصور خبرات تعاملاته مع البدو والغجر ويرسم صورة مبهرة عن رحلات الصيد في الصحراء مدونًا أدق تفاصيل الحياة البرية وما تضمه من نبات وحيوان.


يستهل راسل مقدمته لمذكراته بالإشارة إلى أن هدف كتابتها هو تقديم إطلالة على حقبة زمنية من تاريخ مصر الحديث لم تحظ بالتوثيق الجيد وهي الفترة المتأخرة من عهد اللورد كرومر والفترة التالية لذلك وهي فترة المستشارين الإنجليز ومفتشيهم الإقليميين وبخاصة في وزارة الداخلية، مشيدًا بما يعتبره تقديم أعلى كفاءة ممكنة مع البقاء في خلفية المشهد للمساعدة في حكم بلد يتألف من 17 مليون نسمة.


من غير المنطقي أن ننتظر من راسل أن يقول غير ذلك، لأنه يتحدث بصفته موظفًا إنجليزيًّا يخدم الإمبراطورية البريطانية وبالتبعية يسدي خدمة إلى مصر والمصريين لاتخاذ طريقهم نحو الحكم الذاتي من وجهة نظره، فمن غير المتوقع ألا يردد الدعاية الاستعمارية الرائجة في عصره.

ولكنه على الجانب الآخر من الصورة يكتب بنبرة أقل عنصرية مقارنةً بغيره من الإنجليز عند الحديث عن المصريين والتعامل معهم.

ومن اللافت للنظر أيضًا أن راسل يتحلى بالشجاعة الكافية لتوجيه اللوم إلى الإدارة البريطانية في إدارتها للقضية المصرية بما أفضى إلى أحداث ثورة 1919 – مع أنه لا يتورع عن ذكره لترك المتظاهرات تحت لهيب الشمس دون التصريح لهن بالتظاهر لكسر عزيمتهن – ولكنه في المقابل يتجاهل تمامًا ذكر حادثة دنشواي أو مسألة ديون بريطانيا إلى مصر.


كما يذكر راسل، بتأثر وحنين واضحين، السنوات الثماني الأولى لعمله في الأقاليم بما منحه ما يحتاج إليه الشاب من عمل هام ومتنوع ومغامرة وصيد وحياة منفتحة، فتلك الحياة التي عاشها بين الفلاحين لها الفضل في اكتسابه معرفة عظيمة لا تقتصر على اللهجة العامية ولكنها أيضًا أطلعته على تفاصيل الحياة اليومية للناس وعقلياتهم، لدرجة أنه يرى أن الضباط الإنجليز ممن لم يخدموا في الأقاليم يعانون بسبب افتقارهم إلى تلك الخبرة وغياب معرفتهم بالأقاليم وهي ضرورية لمن يقود الشرطة وحياة الناس.

فمن ثم لا يدون الكتاب كمجرد مذكرات رجل شرطة ولكنه يسجل جوانب مهمة من حياة الناس؛ من الأعيان والأثرياء الذين استضافوه في عزبهم، إلى عموم الفلاحين البسطاء فأمكنه أن يتعرف على نمط حياتهم ومشاكلهم وأفراحهم ومتاعبهم ويتفهم اعتزازهم بأعرافهم أكثر من ثقتهم بالقانون بالإضافة إلى ملاحظاته إزاء تدهور حالتهم الصحية بفعل الإصابة بديدان الأنكلستوما والبهارسيا التي زادت معدلات الإصابة بها في الصعيد بعد الانتقال إلى الري الدائم بدلًا من ري الحياض.


أما عمله كحكمدار للعاصمة ذات الطابع الكوزموبوليتاني فيصفه بالاتسام بالطابع الإبداعي وليس مجرد عمل روتيني إذ وصل تعداد سكان القاهرة وقتذاك إلى قرابة مليون ونصف نسمة وكان من الطبيعي أن تتنوع طبيعة عمله في الأسلوب والجرائم والقضايا الاجتماعية والسياسية.


مما يعتز به راسل في عقود خدمته هو حصوله على امتيازات عديدة من بينها تمثيل مصر بالخارج والحديث باسمها، مثل حضوره مؤتمر الشرطة الدولي في نيويورك عام 1932 بما أتاح له لقاء نظرائه من قيادات الشرطة حول العالم ومناقشة تصوراتهم عن التقدم الدولي في المجال الأمني، وبالمثل تمثيله لمصر لمدة تسع سنوات في اللجنة الاستشارية الخاصة بالأفيون والمخدرات في جنيف وتعزيز مكانة مصر الدولية في هذا الإطار.

ولعل هذه النقطة على وجه التحديد هي التي أشعرت راسل بالرضا إذ كرس آخر سبعة عشر عامًا من خدمته في مكافحة المخدرات وبالأحرى الهروين والكوكايين أو المخدرات البيضاء التي كادت تقتل البلاد على حد تعبيره بسبب رواج تجارتهما وانتشارهما بين المصريين.

ومما فاقم الأمر سوءًا ظهور التعاطي عن طريق الحقن مما أدى إلى ظهور وباء الملاريا بين المتعاطين، كما يقدر عدد المدمنين بقرابة ستة ملايين إبان ذاك.

يعتبر راسل أن ذلك أضاف حيوية إلى حياته لم يكن ممكنًا إضافتها في ظل العمل الشرطي المعتاد ويفرد لذلك خمسة فصول تتناول تجارة المخدرات وباروناتها وحيل تهريبها والتهريب عبر الصحراء ومستقبل تجارة المخدرات.


أما أكثر ما أثار غيظ راسل وأعاقه عن إنفاذ مهامه الشرطية فهو قانون امتيازات الأجانب؛ إذ تسببت تلك الامتيازات في تأثيرات كارثية وأحدثت تصاعدًا ملحوظًا في تنامي الجريمة وتهريب المخدرات وإدارة أنشطة البغاء غير المرخصة، فبمقتضى الامتيازات تمتع الأجانب بامتياز محاكمتهم أمام المحاكم القنصلية وليس القضاء المصري، كما كان من المحظور مداهمة منازلهم إلا في حضور القنصل الأجنبي الذي يتبعون إليه حتى أن راسل يعبر عن ذلك بأن الأجانب الخارجين عن القانون كانوا يحملون السلاح في يد وجواز السفر الأجنبي في اليد الأخرى.

انعكس ذلك على ازدهار الجريمة من ناحية والتحايل على صلاحيات الشرطة من ناحية أخرى ولا سيما في العالم السفلي القاهرة الذي كان يعج بتجارة المخدرات والبيوت المشبوهة المملوكة للأجانب في منطقة وش البركة وتلك المملوكة للمصريين والنوبيين في منطقة الوسعة.


يعود إلى راسل الفضل في إدخال استخدام الكلاب البوليسية في حل القضايا والكشف عن المجرمين ومن مذكراته نتعرف على القصة الأسطورية للكلب هول صاحب حاسة الشم الفائقة للعادة والذكاء الخارق حتى أن مجرد ذكر اسمه قبل استقدامه لعرض المشتبه فيهم كان كفيلًا بدفع المجرم من تلقاء نفسه إلى الاعتراف. يشيد راسل بمهارات هول ويقر أن بقية الكلاب البوليسية لم تصل إلى نفس مهارته وذكائه، ومن المؤسف أن هول راح ضحية لتفشي حمى وبائية وظلت قصته تتردد كأسطورة لا يعرف أحد أصلها إلى أن تكشفت مع ترجمة مذكرات راسل باشا.


من أمتع فصول الكتاب هي تلك التي يخصصها راسل للحديث عن ولعه بالصيد في الصحراء وصداقته مع البدو ورجال قبائل البشارية وتعاونهم معه في قص الأثر بفضل ما لهم من خبرات متوارثة في ذلك المجال ليس فقط على رمال الصحراء ولكنهم وصلوا إلى مستوى جديد من قص الأثر على الأسطح الصلبة.

كما يتحدث أيضًا عن الغجر في مصر وإلمامه بتقاليدهم وميولهم بل وحديثه بلغتهم التي ربما لا يعرفها المصريون أنفسهم.


يختتم راسل مذكراته بعبارة مؤثرة تحث على التأمل: «وفي النهاية، فإن كرم مصر ولطفها لم يخذلاني أبدًا؛ فقد قضيت سنوات كثيرة سعيدة في هذا البلد ذي الفتنة والجمال.»
وفي نهاية المطاف أيضًا فإن قارئ المذكرات لن يستطيع إنكار استفادته من قراءتها واطلاعه على رؤية مغايرة توسع مداركه حتى لو اختلف قليلًا أو كثيرًا مع توجهاتها، كما أنه يضعها في الميزان ويحلل طرحها بموضوعية دون أن يتجاهل ما بين صفحاتها من معلومات ثرية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى