Uncategorized

سيميولوجيا الجسد في الرقصات الشعبية: حين تتحول الحركة إلى خطاب بصري وهُويّة

محمد عز الدين الحجار يكتب:

إذا أردنا التعمق بشكل أكبر في سيميولوجيا الفرجة الشعبية، فعلينا أن نغادر طواعية الفضاء النصي والشفاهي المحض للحكاية ومورفولوجيتها الصارمة التي توقفنا عندها، لنشتبك اشتباكًا مباشرًا ومعمقًا مع الوسيط التعبيري الأكثر أصالة، وعراقة، وقِدمًا في تاريخ البشرية جمعاء وهو الجسد الإنساني في حالته الديناميكية، فالجسد في المنظور الأنثروبولوجي المعاصر وفي دراسات سوسيولوجيا الفن ليس مجرد كيان بيولوجي مصمت أو أداة فيزيائية تؤدي وظائف حركية آلية، بل هو بمثابة لوح سيميائي مركب وشديد الحساسية تكتب عليه الجماعة الثقافية قيمها الروحية، مخاوفها الوجودية، وتصوراتها الكلية عن الكون والوجود البشري، وعندما يتحرك هذا الجسد وينفلت من قيوده في إطار الرقص الشعبي المنضبط بوعي الجماعة، فإنه يتجاوز كليًا فكرة إثارة البهجة الحركية المجردة أو تحقيق الترفيه البصري العابر للمشاهدين، ليتحول في جوهره إلى نص مرئي ممتد ومشحون بالعلامات والدلالات والشفرات العميقة التي تختزل هوية مجتمعية كاملة، وتؤرخ بوضوح تام لصراعاتها التاريخية، والطبقية، والبيئية عبر لغة حركية تعبيرية بالغة الدقة والتعقيد والتركيب.
إن مقاربة ظاهرة الرقص الشعبي من منظور تفكيكي سيميائي خالص، تجعلنا نتعامل مع الحركة الجسدية بوصفها دالًا بصريًا يتكامل مع زيه وإيقاعه والمحيط الذي يتجلى فيه، بينما تمثل القيمة الثقافية والاجتماعية الكامنة وراء هذه الحركة المدلول الحقيقي الذي ينتج المعنى السوسيو-ثقافي في فضاء الجماعة، فكل لفتة عفوية، وكل انحناءة مدروسة، وكل ضغطة قدم قوية على الأرض في الرقصات المحلية لم تكن يومًا وليدة الصدفة، بل هي علامة إثنوغرافية دالة تعكس بدقة متناهية طبيعة علاقة الإنسان ببيئته الجغرافية الأولى ونمط إنتاجه المعيشي والاقصادي الذي يمارسه يوميًا، كما في رقصة التحطيب المستقرة والمتجذرة في المجال الصعيدي بجنوب مصر على سبيل المثال، لذا لا يمكن بأي حال من الأحوال قراءة حركية الأجساد المتواجهة كسلوك استعراضي مسطح أو مجرد مناوشة قتالية مفرغة من المعنى، بل هي محاكاة جسدية واعية لمنظومة كاملة من قيم الفروسية، والندية، والشهامة، وتأكيد المكانة الاجتماعية الرفيعة داخل القبيلة أو العشيرة، حتى العصا الخشبية في هذا السياق الأنثروبولوجي تغدو امتدادًا رمزيًا وسيميائيًا متقدمًا للقوة والذود عن العرض والأرض، بينما تشكل الحركات الدائرية المتقاطعة والضربات الوهمية فضاءً رمزيًا آمنًا لإدارة الصراع البشري الحتمي بطريقة سلمية منضبطة تعيد تثبيت الروابط القرابية وتؤكد على تراتبية القوة المادية والمعنوية وفق قوانين الجماعة المحافظة التي تحكم الشارع والقرية.
على النقيض تمامًا من حركية الاستقرار وقيم الفروسية الرصينة في الجنوب الصعيدي، يتبدى لنا الجسد الساحلي المتوثق في مدن القناة عبر رقصة البمبوطية الشهيرة ككتلة ديناميكية متفجرة لا تهدأ، تحاكي حركاتها السريعة والمتلاحقة حرفيًا حركة أمواج البحر المتلاطمة، والعمل المضني على متن السفن والمراكب، والقبض العنيف على شباك الصيد تحت وهج الشمس، فالجسد البمبوطي هنا يعمل كأرشيف حركي بصري حي يوثق عبر الزمن الذاكرة العمالية الشاقة للصيادين والكادحين على ضفاف القناة؛ الاهتزازات المتواترة الجسدية، والقفزات الخفيفة المتلاحقة، والالتفافات المباغتة للراقصين تعكس بوضوح مرونة ابن البحر الفائقة وقدرته المذهلة على التكيف السريع والمستمر مع بيئة طبيعية متقلبة وغادرة، فضلًا عن كون هذا الجسد الراقص قد مثل تاريخيًا منصة مقاومة لظروف الاستعمار الأجنبي العسكري العنيف وحالات التهجير القسري، محولًا لمعاناة والمأساة الإنسانية إلى إيقاع حيوي رافض لخطاب الانكسار والهزيمة البصرية.
وإذا تتبعنا هذا التدفق الحركي المتنوع يأخذ منحى فلسفيًا وميتافيزيقيًا صوفيًا خالصًا حين ننتقل إلى رقصة التنورة التابعة للمجال الصوفي الشفاهي؛ حيث حركات الدوران اللانهائية والدائرية حول المركز الثابت لا تمثل في حقيقتها مهارة جسدية أو توازنًا عضليًا مجردًا، بل هي تجسيد سيميائي وبصري باهر لفكرة الطواف الكوني الكبرى وفناء المادة الكونية بأكملها في المحبوب المطلق، فالتنورة الدوارة بطبقاتها المتعددة وألوانها الزاهية المتداخلة التي تتسع تدريجيًا مع زيادة السرعة تفكك تمامًا مفهوم الزمن الخطي المحدود، حيث يصبح الجسد الراقص المنعزل عن محيطه نقطة ارتكاز عمودية وثابتة تلتقي فيها الأرض الدنيوية بالسماء العلوية، ويتحول الطقس الحركي بأكمله من فضاء الجسد المادي الضيق إلى فضاء الروح الرحب والممتد نحو المطلق، مما يجعل المتفرج شريكًا في تجربة تأملية غارقة في السحر والمعرفة الباطنية.
عودًا على بدء؛ يتضح لنا جليًا كيف تخطئ القراءات الفولكلورية السطحية والتجارية خطأً جسيمًا حين تحصر هذه الأنماط الحركية المعقدة في خانة الفنون الهامشية أو أدوات الاستهلاك السياحي الفج، فسوسيولوجيًا وأنثروبولوجيًا، يعد الرقص الشعبي طقسًا جماعيًا مهيبًا، يعيد إنتاج الهوية الوطنية والمحلية ويفعل آليات المقاومة الثقافية الشاملة في مواجهة محاولات الطمس أو التغريب أو المحو الممنهج، وفي لحظات التحول الاجتماعي الكبرى أو الهزائم العسكرية أو الأزمات الوجودية الحادة التي تمر بها الجماعة عبر تاريخها، يصبح الجسد المشترك والملتحم أداة عليا للاحتجاج البصري الصامت وتأكيد الذات الحضارية في الفضاء العام، لأن الاندماج العفوي في حلقة رقص دائرية واحدة يذيب فورًا الفروق الفردية، والطبقية، والاقتصادية بين الأفراد ويخلق حالة نادرة من التوحد والجمهرة الطقسية التي تلغي الأنا لصالح النحن، حيث يتشكل وعي جمعي يرى في الحفاظ على خصوصية الحركة، وتوارث شفراتها عبر الأجيال، بمثابة كتابة تاريخ موازٍ ونقدي للتاريخ الرسمي المكتوب بأقلام السلطة؛ تاريخ شعبي أصيل لا يصاغ بالكلمات والخطابات التي قد تتعرض للتحريف والتبديل والتزييف، بل بالخطوط الحركية والنبضات العضلية العصية على المحو والتي ترسمها الأجساد الحرة في الفضاء المفتوح للشارع، والحارة، والميدان.
حين التقط المسرح العربي الحديث، وفنون الاستعراض الجماهيري في القرن العشرين، هذه الرقصات العفوية النابضة بالحياة من بيئتها الأولى، واجه المبدعون والسينوائيوين والمسرحيون تحديًا بنيويًا وسينوغرافيًا كبيرًا، يتمثل في كيفية نقل هذا الرقص التلقائي المحكوم بفضاء الساحة المفتوحة والزمن العفوي الممتد بلا قيود، إلى رقص ممسرح ومحكوم بدقة بالغة بكادر الخشبة الهندسية، والحائط المسرحي الرابع، والزمن المكثف المحدد لساعات العرض الفني، وهذه العملية المعقدة تمت بنجاح في دراسات رصد الحركات العفوية وإعادة تنظيمها بدقة وتطهيرها من التكرار الرتيب أو العشوائي لصالح هندسة بصرية وسينوغرافية مدروسة تتناسب مع وعي المتلقي الحديث وتدهشه، وهكذا تحولت حركة التحطيب العشوائية في ساحات القرى إلى لوحة إيقاعية مضبوطة بالثانية، وتوزيع الإضاءة المسرحية، والتشكيل الهيكلي التعبيري فوق المسرح القومي، وعلى الرغم من هذا التحول الإيجابي، الذي منح الفن الشعبي عمرًا جديدًا وحماية أكيدة من الاندثار والنسيان، وأخرجه بجرأة إلى المحافل العالمية الكبرى، فإنه يظل يطرح تساؤلًا أنثروبولوجيًا نقديًا حول مدى احتفاظ الحركة بطاقتها الرمزية، والطقسية، والروحية الأصلية عندما تُنزع من سياقها البيئي والترابي الحقيقي وتوضع تحت أضواء الفلورسنت المصطنعة لعلبة العرض المسرحي المغلقة.
ختامًا؛ إن سيميولوجيا الجسد الراقص في المحصلة الأخيرة تكشف لنا بوضوح لا لبس فيه أن الحركة في الفضاء الشعبي هي لغة سيميائية قائمة بذاتها ولها قواعدها ونحوها الخاص، وهي قادرة دومًا على تمرير أعمق المفاهيم الفلسفية، والاجتماعية، والسياسية من دون الحاجة البتة إلى منطوق لغوي أو كتابي مباشر قد يقيد دلالاتها الحرة، فالجسد الذي ينبري للتحرك والاهتزاز فوق الخشبة أو في ساحة القرية هو جسد واعٍ يتكلم، ويحتج، ويعلن عن وجوده، ويعيد تملك الفضاء العام الذي حاولت الحداثة المشوهة والأنظمة تهميشه وإقصاءه، ولكن هذا الجسد الراقص المتوثق لا يتحرك أبدًا في فراغ صامت أو معزول، إذ تظل حركته الظاهرة محكومة وموجهة دائمًا بنبض داخلي خفي، وإيقاع صوتي آسر يحرك سواكنه ويضبط مسارات خطاه بدقة متناهية.

محمد عز الدين الحجار
محمد عز الدين الحجار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى