الاقتصاد النفسي للشباب العربي: حين يصبح “الغد” عدواً لدوداً

كتبت: هبه وصفي_
المقدمة: السير فوق حبلٍ مشدود
في عام 2026، لم يعد القلق في حياة الشاب العربي مجرد سحابة صيف عابرة، بل أصبح هو “المناخ” الذي يتنفسه. إنها حالة من “الترقب المزمن”؛ حيث ينام المرء وعينه على سعر الصرف، ويستيقظ وعينه على بريده الإلكتروني بحثاً عن فرصة، وقلبه معلقٌ بحقيبة سفرٍ لم تُغلق بعد. المستقبل الذي كان من المفترض أن يكون “وعداً”، تحول في وعي هذا الجيل إلى “عبء” ثقيل، يسرق منه طمأنينة الحاضر ليغذي مخاوف الآتي.
صدمات السوق: حين تخذلُ الشهادةُ صاحبها
خلف إحصائيات البطالة التي تتجاوز الـ 30%، تكمن حكايات آلاف الخريجين الذين تحولت شهاداتهم الجامعية إلى “براويز” صامتة على الجدران. المشكلة في 2026 ليست في غياب العمل فحسب، بل في غياب “اليقين”. الجيل الحالي يعيش في “اقتصاد الهشاشة”؛ حيث العمل الحر (Freelance) والعقود المؤقتة تجعل الأمان المادي حلماً بعيد المنال. عندما لا يستطيع الشاب التنبؤ بدخله في الشهر القادم، فإن قدرته على الحلم بتكوين أسرة أو شراء بيت تتبخر، ليحل محلها شعورٌ خانق بالوقوف في المكان ذاته بينما العالم يركض.
الهجرة الذهنية: العيشُ في حقيبة سفر
أخطر ما يواجهه الشباب العربي اليوم ليس “الهجرة الجسدية”، بل “الهجرة الذهنية”. حتى أولئك الذين لم يغادروا أوطانهم، يعيشون حالة من “الوداع المؤجل”. الهجرة في 2026 أصبحت “مسكناً نفسياً”؛ فكرة يهرب إليها الشاب حين يضيق به الواقع. هذا الانفصام بين جسدٍ في الوطن وعقلٍ في المنافي، يخلق جيلاً من “المقيمين العابرين”، الذين لا يملكون طاقة للبناء في أرضٍ يشعرون أنها قد تطردهم في أي لحظة.
فخ المقارنات: الشاشة التي تسرق الرضا
تأتي منصات التواصل الاجتماعي لتسكب الزيت على نار القلق. في كل مرّة يفتح فيها الشاب هاتفه، يجد نفسه في مواجهة “استعراضٍ عالمي للنجاح”. ثقافة الثراء السريع والإنجاز المبكر جعلت من “الوتيرة الطبيعية للحياة” تبدو فشلاً ذريعاً. المقارنة الدائمة مع “نسخٍ منقحة” من حياة الآخرين خلقت شعوراً بالدونية والتقصير، وزادت من حدة “الاقتصاد النفسي” المنهك، حيث يُقاس الاستحقاق الذاتي بعدد المتابعين أو بحجم الإنفاق.
الخلاصة: هل نُعالج الجيب وننسى القلب؟
إن أزمة الشباب العربي في 2026 ليست أزمة أرقام في ميزانيات الدول فحسب، بل هي أزمة “معنى” و”أمان”. بناء المصانع والجسور ضروري، لكنه لا يكفي إذا كان الإنسان الذي سيمشي عليها محطماً من الداخل. نحن بحاجة إلى سياسات تُدرك أن “القلق الجمعي” هو تضخمٌ من نوع آخر، يلتهم طاقة الإنتاج والإبداع.
السؤال الحقيقي الذي يطرحه عام 2026: كيف نُعيد للشاب العربي حقه في أن “لا يقلق”؟ كيف نجعل من الوطن مكاناً يُزرع فيه الشجر، لا محطة انتظارٍ لقطارٍ قد لا يأتي؟


