منصةٌ واحدة قد تشعلُ شارعاً: حين تُصنع “الحقيقة” بلمسة إصبع

كتبت: هبه وصفي_
عالمٌ يسكنه “التريند”
في عام 2026، لم يعد الشارع العربي يبدأ من الأرصفة والمقاهي، بل يبدأ من شاشةٍ صغيرة لا تتجاوز كف اليد. لقد توارى “المذيع الوقور” ليحل محله مقطعٌ مصور لثوانٍ معدودة، قادرٌ على هز أركان مجتمع أو إشعال غضبٍ عارم. المنصات الرقمية اليوم ليست مجرد مرآة للواقع، بل هي “المختبر” الذي تُصنع فيه مشاعرنا، وتُصاغ فيه قناعاتنا، وتُقاد فيه الجموع بـ “خوارزمية” لا تعرف قلباً ولا وطناً.
سحر “تيك توك”: حين تصبح السياسة “لقطة” عاطفية
لقد أعاد “تيك توك” صياغة الوعي العربي بلغة بصرية خاطفة. القضايا الكبرى والمعقدة التي كانت تحتاج لمجلدات، أصبحت اليوم تُختزل في 15 ثانية مشحونة بالموسيقى والمشاعر. هذا الاختزال جعل السياسة “شعبية” ومتاحة للجميع، لكنه في الوقت ذاته أفقدها العمق؛ فنحن نتفاعل مع “الصدمة” لا مع “السبب”، وننساق وراء “الصورة” لا وراء “الحقيقة”. إنها “سياسة المشاعر” التي تشتعل بسرعة البرق، لكنها قد تنطفئ قبل أن ندرك أبعاد الحكاية.
الجيوش الخفية: حين يكون “صوت الشعب” صدىً لآلة
خلف كل “هاشتاج” يتصدر الشاشات، تدور معركة صامتة. الجيوش الإلكترونية والحسابات الوهمية باتت هي “المخرج” الخفي للرأي العام. فما تظنه صوتاً عفوياً نابعاً من قلب المعاناة، قد يكون حملةً مُدارة بدقة لتوجيه غضبك أو صناعة عدو وهمي لك. في 2026، أصبح التحدي الأكبر للإنسان العربي هو ألا يتحول إلى “جندي” في معركة لا يملك خيوطها، وألا يترك هاتفه يقرر له من يحب ومن يكره.
الخلاصة: إن السوشيال ميديا هي “نارٌ” قد تضيء طريق الوعي، وقد تحرق نسيج المجتمع. القوة اليوم ليست لمن يملك السلاح، بل لمن يملك “الرواية” الأكثر تأثيراً. السؤال الذي يواجهنا جميعاً: كيف نحمي عقولنا من أن تصبح مجرد “مساحات إعلانية” لصراعات القوى؟


