هنا القاطرة

معركة الرواية: حين تُسفك الحقيقةُ على أرصفة “التريند”

كتبت: هبه وصفي_

السهم الذي يُصيب الوعي

في النزاعات العربية المعاصرة، لم يعد الدخان المتصاعد من المدن هو المؤشر الوحيد على ضراوة المعركة. هناك حرب أخرى صامتة، تُخاض خلف شاشات الهواتف، سلاحها “الكلمة” وذخيرتها “الصورة”. في 2026، بتنا ندرك يقيناً أن من يسيطر على “السردية” لا يكسب عقول الناس فحسب، بل يمتلك مفاتيح تعاطفهم، وهو وقودٌ أقوى من أي دعم عسكري. الحرب اليوم لا تنتهي حين تتوقف النيران، بل حين يقتنع العالم برواية المنتصر.

الخوارزميات: المحرر الذي لا يملك قلباً

خلف كل فيديو “مؤثر” تراه، هناك خوارزمية باردة لا تهتم بمظلومية الضحية، بل بحجم “التفاعل”. لقد تحولت مآسينا في غزة، سوريا، واليمن إلى محتوى رقمي يتنافس على ثوانٍ قليلة من انتباه المشاهد العالمي. الخوارزمية تفضل “الغضب” لأنه يُبقي المستخدم لفترة أطول، وبذلك تتحول دماء الضحايا -دون قصد- إلى مادة خام لشركات التقنية الكبرى. الإنسان في هذه المعركة ليس مجرد “ناقل للخبر”، بل هو رهينة لآلة تقرر له ما يرى وما يشعر.

صناعة التعاطف: بين الوجع الصادق والعدسة المنتقية

إننا نعيش عصر “الانتقائية العاطفية”. فالمعاناة حقيقية، والدموع لا تكذب، لكن “المخرج” خلف الكاميرا هو من يختار أي طفل سنبكي عليه، وأي ركام سنتجاهله. الحرب النفسية اليوم تعتمد على تحويل الإنسان من كيان معقد إلى “ضحية مثالية” أو “عدو مطلق”. هذا التبسيط يقتل الحقيقة، ويجعل التعاطف الدولي هشاً، يزول بزوال “التريند” التالي.

الخلاصة: إن امتلاك السرد ليس مجرد “شطارة إعلامية”، بل هو مسؤولية أخلاقية ثقيلة. في زمن الاستقطاب، يظل السؤال معلقاً: هل نبحث عن الحقيقة لإنصاف المظلوم، أم لنشعر بالانتصار في مناظرة افتراضية؟ الحقيقة في النزاعات العربية ليست “وجهة نظر”، بل هي روحٌ تُزهق مرتين: مرة بالقصف، ومرة بالتزييف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى