ما بعد الحروب الأهلية: هل يُرمم الإسمنتُ انكسار الأرواح؟

كتبت: هبه وصفي_
المقدمة: حين تصمت المدافع ويبدأ ضجيج الأسئلة
عندما تسكت المدافع في سوريا وليبيا واليمن، لا يحل السلام بل يحل “الذهول”. فالحرب لا تنتهي بآخر رصاصة، بل تبدأ فصولها الأكثر قسوة حين يلتفت الناجي إلى بيته فيجده ركاماً، وإلى حارته فيجدها غريبة. في 2026، تبدو “إعادة الإعمار” في هذه الدول وكأنها معركة ثانية؛ معركة لا تُستخدم فيها البنادق، بل تُستخدم فيها العقود والصفقات لإعادة رسم خرائط النفوذ فوق جراح الناس.
سوريا: جدار العزلة ورهانات البقاء
في سوريا، ليست القصة مجرد 400 مليار دولار مفقودة، بل هي قصة مدن كاملة فقدت ذاكرتها. خلف ركام حلب وحمص، يصطدم الحلم بـ “عقدة العقوبات” وبرودة الحسابات الدولية. وبينما تتسابق القوى الإقليمية لحجز حصتها في الفوسفات والموانئ والطاقة، يظل المواطن السوري يسأل: “هل سيعود ابني المهجر، أم أن البيت الذي سيبنى سيكون لسكانٍ جدد لا أعرفهم؟”. الإعمار هنا ليس بناءً، بل هو “سياسة” تُمارس بالخرسانة.
ليبيا: الذهب الأسود والشرخ العميق
في ليبيا، لا تنقص الأموال، بل ينقص “الوطن الواحد”. المفارقة هنا أن النفط الذي كان يجب أن يبني المستشفيات، أصبح “وقوداً” لنفوذ الجماعات المسلحة. إعادة الإعمار في ليبيا ليست حاجة لإعادة بناء الجسور بقدر ما هي حاجة لإعادة بناء “الثقة”. فما نفع ناطحات السحاب إذا كانت القلوب لا تزال منقسمة بين شرق وغرب، وإذا كان اقتصاد الحرب قد خلق أثرياءً لا يزدهرون إلا في ظل الفوضى؟
اليمن: الاقتصاد الممزق بين قلبين
في اليمن، الوجع مضاعف؛ فالدولة ليست مقسمة عسكرياً فحسب، بل هي مقسمة “نقدياً”. مصرفان وعملتان ونظامان ماليان، والضحية هي الأم التي لا تعرف كيف تشتري الحليب بعملة لا قيمة لها. الإعمار في اليمن يبدأ من “رغيف الخبز” وتوحيد البنك قبل توحيد الأرض. وبدون تسوية تُعيد لليمني كرامته، سيظل “الإعمار” مجرد شحنات إغاثة تأتي لتبقي الناس على قيد الحياة، لا لتمنحهم حياةً حقيقية.
الخلاصة: السلام لا يُقاس بطول فترة وقف إطلاق النار، بل بالعدالة في توزيع الطوب والفرص. الاختبار في 2026: هل ستُبنى هذه الدول لتكون بيوتاً لمواطنيها، أم حلبات صراع استثمارية لقوى لا ترى في الركام إلا أرقاماً؟