جيلُ ما بعد العاصفة: حين تكون “النجاة” هي الثورة الوحيدة

كتبت:هبه وصفي_
المقدمة: الورثةُ الصامتون لزلزالٍ لم يشهدوه
في عام 2026، يمشون في الشوارع ذاتها التي ضجت يوماً بالهتافات، لكن آذانهم لا تسمع صدى “ميدان التحرير” أو “ساحة التغيير”. إنهم جيل “الولادة بعد الزلزال”؛ شبابٌ كانوا أطفالاً يحتمون بأحضان أمهاتهم حين كانت الأرض تهتز في 2011، أو لم يولدوا إلا في غمرة الرماد الذي تلاها. هذا الجيل لم يورث “الأمل” الذي اشتعل آنذاك، بل ورث “الفاتورة”: تضخماً، انقساماً، وحكاياتٍ مرعبة عن “التغيير” الذي انتهى بخراب البيوت.
الأيديولوجيا تموت.. والبراغماتية تحيا
بالنسبة لشاب في العشرين من عمره اليوم، لم تعد الكلمات الرنانة مثل “الديمقراطية” أو “الليبرالية” تثير قشعريرة في جسده. هو لا يبحث عن زعيمٍ يخطب في الجماهير، بل يبحث عن “كود” برمجي يمنحه وظيفة عابرة للحدود، أو تأشيرة سفر تنقذه من اقتصادٍ ينهار. لقد استبدل هذا الجيل “الميدان” بـ “المنصة”، و”الهتاف” بـ “العمل الحر”. إنه جيلٌ لا يريد تغيير العالم، بل يريد فقط ألا يدهسه العالم.
الخوف من “الثمن”: الذاكرة المسمومة
لقد تشكل وعي هؤلاء الشباب على “دروس قاسية”. رأوا جيرانهم يرحلون في قوارب الموت، ورأوا عملات أوطانهم تصبح قصاصات ورق، فبات الاستقرار بالنسبة لهم ليس “خياراً سياسياً”، بل هو “حاجة بيولوجية”. عندما يقول طالب في القاهرة أو بيروت: “لا أفكر في السياسة”، هو لا يعلن جهلاً، بل يعلن “كفراً” بجدوى الانخراط في صراعٍ لا يرى فيه إلا الخسارة.
الخلاصة: جيل 2026 ليس “جيلاً بلا ذاكرة”، بل هو جيل بذاكرة “انتقائية” اختارت حماية نفسها. هو أقل صخباً لأنه يدرك أن الصراخ لا يبني بيتاً. السؤال الحقيقي: هل هذا السكون هو نضجٌ مبكر، أم هو “هدوء ما قبل الانفجار” لجيلٍ قد لا يطالب بالحرية، لكنه حتماً لن يقبل بالجوع؟