الهجرة العكسية 2026: حين تضيق بلاد “الرفاه” بأحلام ساكنيها

كتبت: هبه وصفي_
حقائبُ العودة.. حين يفيضُ الحنين عن جيبِ المغترب
على مدار عقدٍ مضى، كان “جواز السفر الأجنبي” هو التميمة التي يظن الشاب العربي أنها ستفتح له أبواب الجنة الأرضية. لكن في عام 2026، بدأت ملامح المشهد تتغير بصمت؛ حقائب السفر التي فُتحت يوماً في برلين وبرشلونة لتبقى للأبد، تُغلق اليوم بعناية لتعود من حيث أتت. ليست عودة المنهزمين، بل عودة الذين اكتشفوا أن “الحلم الأوروبي” قد يكون مكاناً رائعاً للعمل، لكنه قد يكون مكاناً قاسياً للعيش. إنها قصة “تعب الحلم” وبداية الواقعية، ولحظة صدقٍ نادرة مع الذات: هل “الأمان” وحده يكفي لبناء حياة؟
أوروبا: بردُ الروح وتآكل المدخرات
في ألمانيا وإسبانيا، اصطدم المهاجر العربي بجدران لم تكن في الحسبان. لم تكن اللغة أصعبها، بل كان “البرد الاجتماعي” وتكلفة المعيشة هما الأقسى.
• ألمانيا (الأمان بلا انتماء): منحت ألمانيا “الإقامة” لكنها لم تمنح “السكينة”. خلف البيروقراطية الصارمة وصعود التيارات التي تنظر للمهاجر كـ “رقم” أو “عبء”، نمت عزلة ثقافية صامتة. يقول لاجئ سابق قرر العودة: “كنتُ أملكُ كل شيء تحت بند القانون، لكنني كنتُ أفتقدُ كل شيء تحت بند الشعور. تعبتُ من أن أكون (الآخر) الذي عليه دائماً أن يثبت جدارته بالبقاء في كل مرة يقابل فيها شخصاً جديداً”.
• إسبانيا (الشمس لا تدفع الإيجار): حيث يلتهم “وحش الإيجارات” والضرائب عرق “العمل الحر”، تحولت الحياة إلى ماراثون يومي للبقاء. اكتشف الشاب العربي هناك أن الرفاهية ليست في التنزه في “لا رامبلا”، بل في القدرة على بناء مستقبل. يختصر أحدهم تجربته: “في برشلونة كنتُ أستهلكُ عمري لأدفع ثمن غرفتي، في بلدي أملكُ فرصة للادخار والاستثمار”.
العودة كاستثمار: الهجرة الدائرية والمغناطيس الخليجي
لم يعد العرب يعودون “للبكاء على الأطلال”، بل ظهر جيل “العائد المستثمر” الذي يمارس الهجرة الدائرية:
1. رواد الأعمال: هؤلاء حملوا في حقائبهم “شيفرة” النجاح الأوروبي لتطبيقها في دبي، الرياض، أو عواصمهم الأم. وجدوا في المنطقة العربية “مرونة” وفرصاً لا توفرها البيروقراطية الأوروبية الهرمة، مفضلين أن يكونوا أصحاب مشاريع في بيئة يفهمون لغتها، على أن يكونوا موظفين مغمورين في “ماكينة” لا تراهم.
2. المغناطيس الخليجي: تحولت الرياض ودبي والدوحة إلى “الحل الوسط”؛ بيئة عمل عالمية، دخل مرتفع، واستقرار ثقافي لا يحتاج لتبرير، مما جذب الخبرات التي صُقلت في القارة العجوز.
لماذا عادوا؟ (نوافذ على الروح)
خلف قرار العودة تكمن دوافع أعمق من لغة الأرقام:
• اللغة والهوية: الرغبة في أن يعرف أطفالهم معنى “يا بني” لا “Mein Sohn” فقط، وأن يعيشوا ثقافتهم بدلاً من قضاء العمر في شرحها لكل عابر سبيل.
• السيادة الشخصية: كما قال أحد العائدين: “في أوروبا كنت أملك حقوقي، لكنني في بلدي أملك نفسي”.
• البراغماتية: التوقف عن مطاردة “الوهم” والبحث عن التوازن بين كرامة العيش ودفء الانتماء.
الخلاصة: هل مات الحلم الأوروبي؟
الحلم لم يمت، لكنه “نضج”. في 2026، أصبح المهاجر العربي أكثر واقعية؛ فالعالم أصبح أصغر، والوطن هو حيث تستطيع أن تتنفس بكرامة وتنمو بوضوح. الهجرة العكسية ليست فشلاً للتجربة الأوروبية بقدر ما هي إعلانٌ عن “سيادة الفرد” على مصيره، واعتراف بأن “الحلم” ليس مكاناً جغرافياً، بل هو حيث تجد قيمتك وقدرتك على التأثير.
يبقى التحدي الأكبر على طاولة الحكومات العربية: هؤلاء العائدون يحملون “ذهباً” في عقولهم.. فهل ستعرف هذه الدول كيف تحتضن هذه العقول وتجعل العودة خياراً مستداماً عبر بيئة مرنة، أم ستكتشف هذه العقول أنها “غريبة” في الاتجاهين وتُدفع للرحيل مرة أخرى؟


